مقاييس الفصاحة العربية عند السيوطي
حين يتحدث
الإمام جلال الدين السيوطي عن الفصاحة، فإنه لا يقف عند حدود البلاغة اللفظية أو
جمال العبارة فحسب، بل يعود بالقارئ إلى الجذر الأول للكلمة العربية؛ صفاؤها،
وشيوعها على ألسنة العرب، وخلوصها مما يثقل السمع أو يعقّد اللسان، وفي هذا المقطع
النفيس من كتاب «المزهر في علوم اللغة» يفتح السيوطي بابًا دقيقًا من أبواب
العربية، جامعًا أقوال الأئمة من اللغويين والبلاغيين؛ كالراغب، وثعلب، والقزويني..
وغيرهم، ليكشف كيف كان العرب يميزون بين اللفظ الفصيح واللفظ الغريب أو المتكلف.
النص لا يكتفي
بالتعريف النظري للفصاحة، بل يقدّم أمثلة حيّة تكشف أثر الحروف في خفة الكلمة أو
ثقلها، وكيف يمكن للفظة واحدة أن ترتفع بالكلام أو تنبو عنه الأسماع، ومن خلال هذا
العرض تتجلّى دقّة التراث اللغوي العربي في مراقبة الأصوات، واستعمالات العرب،
وذوق البيان.
إنها رحلة قصيرة
في ميزان العربية الدقيق؛ حيث لا تكون الكلمة فصيحة لمجرد صحتها، بل لأن العرب
أكثروا من استعمالها، واطمأنت إليها الأسماع، وسَلِمَت من التنافر والغرابة.
فإلى كلام
السيوطي بنصه في «المزهر»:
في معرفة الفصيح من الألفاظ المفردة
قال الراغب في
مفرداته: الفَصْحُ: خلوصُ الشيء مما يشوبهُ وأصله في اللَّبن يقال: فَصَّح اللبنُ
وأفْصَحَ فهو فِصِّيح ومُفْصِح إذا تعرَّى من الرَّغوة قال الشاعر: وتَحْتَ
الرَّغْوَةِ اللَّبَنُ الفَصِيحُ.
ومنه اسُتعير
فصحُ الرجل: جادَتْ لغته وأفْصح تكلم بالعربية وقيل بالعكس والأولُ أصح انتهى.
وفي طبقات
النحويين لأبي بكر الزُّبيديّ: قال ابنُ نوفل: سمعتُ أبي يقول لأبي عمرو بن
العلاء: أخبرني عما وضعت مما سميت عربية أيدخلُ فيه كلامُ العرب كلُّه فقال: لا.
فقلت كيف تصنع
فيما خالفتْك فيه العرب وهم حجة فقال: أحملُ على الأكثر وأُسَمِّي ما خَالَفني
لغات.
والمفهومُ من
كلام ثعلب أن مَدار الفصاحةِ في الكلمة على كَثْرَة استعمالِ العرب لها فإنه قال
في أول فصيحة: هذا كتاب اختيار الفصيح مما يجري في كلام الناس وكتبهم فمنه ما فيه
لغةٌ واحدة والناس على خلافها فأخبرْنا بصواب ذلك ومنه ما فيه لغتان وثلاث وأكثر
من ذلك فاخترنا أفصحهن ومنه ما فيه لغتان كثُرنا واستُعْمِلتا فلم تكن إحداهما
أكثر من الأخرى فأخبرنا بهما، انتهى.
ولا شك في أن
ذلك هو مَدَارُ الفصاحة.
ورأى المتأخرون
من أرباب علوم البلاغة أن كل أحدٍ لا يمكُنه الاطلاع على ذلك لتَقَادُم العهد
بزمان العرب فحرَّرُوا لذلك ضابطاً يُعْرَفُ به ما أكثرت العربُ من استعماله من
غيره فقالوا: الفصاحةُ في المفرد: خلوصه من تَنَافُرِ الحروف ومن الغَرَابة ومن
مخالفة القياس اللغوي.
التنافر
فالتنافر منه ما
تكونُ الكلمةُ بسببه مُتناهيةً في الثِّقَل على اللسان وعُسْر النُّطْق بها كما
رُوي أن أعرابياً سُئل عن ناقته فقال تركتها تَرْعى الهُعْخُع.
ومنه ما هو دون
ذلك كلفظ مستشزر في قول امرئ القيس: غَدَائرُه مُسْتَشْزِرَاتٌ إلى العُلَا.
وذلك لتوسُّط
الشين وهي مَهْموسة رخوة بين التاء وهي مهموسة شديدة والزاي وهي مجهورة.
الغرابة
والغرابةُ أن
تكون الكلمة وحْشِيَّة لا يظهر معناها فيحتاج في معرفتها إلى أن يُنَقّر عنها في
كتب اللغة المبسوطة كما رُوي عن عيسى بن عمر النحوي أنه سقط عن حمار فاجتمع عليه
الناس فقال: «ما لكم تكأكأتم عليَّ تكأكؤكم على ذي جنَّة اِفْرَنْقِعوا عَنِّي»؛
أي اجْتَمَعْتم تنحوا، أو يخرج لها وجه بعيد كما في قول العجاج: وفَاحِماً
ومَرْسِنَا مُسَرَّجا.
فإنه لم يعرف ما
أراد بقوله «مسرجاً» حتى اختلف في تخريجه فقيل: هو من قولهم للسُّيوف سُرَيْجِيَّة
منسوبة إلى قَيْن يقال له سُرَيج يريد أنه في الاستواء والدِّقة كالسيف
السُّرَيْجَي، وقيل من السراج يريد أنه في البريق كالسراج.
مخالفة القياس
ومخالفة القياس
كما في قول الشاعر: الحمدُ لله العَلِيّ الأَجْلَل.
فإن القياس
الأجَلّ بالإدغام.
وزاد بعضُهم في
شروط الفصاحة: خلوصُه من الكراهة في السَّمْع بأن يمجَّ الكلمةَ وينبو عن سماعها
كما ينبو عن سماع الأصوات المُنْكَرة، فإن اللَّفظ من قبيل الأصوات منها ما تستلذ
النفسُ بسماعه ومنها ما تكره سماعَه كلفظ الجِرِشَّي في قول أبي الطيب: كريمُ
الجِرِشَّي شريفُ النَّسَبْ.
أي كريم النفس
وهو مردود لأن الكراهَة لِكَوْنِ اللفظ حُوشِيّاً فهو داخلٌ في الغرابة.
هذا كله كلام
القَزْويني في «الإيضاح».
ثم قال عَقِبه:
ثم علامةُ كون الكلمة فصيحة أن يكون استعمالُ العربِ الموثوقِ بعربيتهم لها كثيراً
أو أكثرَ من استعمالهم ما بمَعْنَاها وهذا ما قدَّمتُ تقريره في أول الكلام
فالمرادُ بالفصيح ما كَثُر استعمالهُ في أَلْسِنَة العرب.
وقال الجاربردي
في شرح الشَّافية: فإن قلتَ: ما يُقْصَدُ بالفصيح وبأيِّ شيءٍ يُعْلَم أنه غيرُ
فصيح وغيره فصيح قلت: أن يكونَ اللفظُ على أَلْسِنَة الفصحاءِ الموثوقِ بعربيتهم
أدْور واستعمالهم لها أكْثر.
تم
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً