شبهات حول فلسطين (15)
هل أهمل العباسيون القدس؟
تجد في كثير من
الكتب التي تحدثت عن التاريخ الإسلامي للقدس كلاماً كثيراً حول علاقة العباسيين
بالقدس مقارنةً بالأمويين، فحتى الأمويون الذين لا يمكن إنكار اهتمامهم المادي والعمراني بالقدس اتهمهم بعض المستشرقين بأن ذلك الاهتمام لم يكن إلا لأهدافٍ
سياسية بحتة، فما بالك بالعباسيين خصوم الأمويين الذين قضوا على دولتهم في المشرق
في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري؟!
ادعاء إهمال العباسيين للقدس
إن أحد أهم
مرتكزات الرواية المنكرة لعلاقة المسلمين بالقدس يقوم على ادعاء أن العباسيين لم
يكن لهم أي اهتمام بالقدس باعتبارها كانت في موقع منسوب للأمويين؛ أي بلاد الشام،
وباعتبار أن مركز قوة العباسيين انتقل من الشام إلى العراق؛ ما أدى إلى إهمال
القدس التي كان العباسيون يرونها أحد مراكز نفوذ خصومهم الأمويين.
حقائق تثبت اهتمام العباسيين بالقدس
وبالرغم من أن
المنطق السياسي البحت قد يتوافق مع هذا الادعاء ويبرره لو كان صحيحاً، فإن الواقع
الذي تبثه لنا المصادر التاريخية تكذِّب هذا الادعاء جملة وتفصيلاً، حيث تذكر لنا
المصادر التاريخية أن أوائل ما قام به أبو جعفر المنصور بعد توليه الخلافة نهاية
عام 136هـ كان زيارة بلاد الشام وزيارة المسجد الأقصى المبارك بالقدس خلال حجه عام
140هـ بمجرد إنهائه الثورات المتوالية التي قامت حين توليه الخلافة، وأمر يومئذٍ
بترميم الجامع القِبلي الذي كان قد تضرر في زلزالٍ أسقطَ أروقته الشرقية والغربية.
كما حرص المهدي،
الخليفة العباسي الثالث، على زيارة المسجد الأقصى المبارك خلال زيارته إلى بلاد
الشام، وكذلك كان ديدن خلفاء بني العباس منذ فترة مبكرة من خلافتهم، ولا عجب في
ذلك، فالاعتبار الديني للقدس والمسجد الأقصى المبارك كان أحد أهم أسباب هذه
الزيارات الرسمية.
كما أن عمليات
الترميم العباسية للمسجد الأقصى المبارك كانت مستمرة ومتتالية كلما حصل ما
يستدعيها، فالمهدي على سبيل المثال هو الذي أمر بتعديل حجم الجامع القبلي وحذف 4
أروقة من الجهتين الشرقية والغربية، وذلك لجعله مقاوماً للزلازل.
والمأمون أمر
بتجديد شامل لقبة الصخرة المشرفة ما زالت آثاره إلى اليوم في فسيفساء القبة، حيث
أقدم أحد العمال على ما يبدو على إزالة اسم الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان
وتسجيل اسم المأمون مكانه في إحدى زوايا الفسيفساء الأموية التي جددها العباسيون.
وحتى في عصر ضعف
الخلفاء العباسيين، لم تغب القدس عن عمليات الترميم والإصلاح ولا سيما في المسجد
الأقصى، فهذا الخليفة العباسي المقتدر وأمه أيضاً على سبيل المثال يرممان قبة
الصخرة المشرفة ويسجل اسمهما في نقش لا يزال موجوداً إلى اليوم في القبة.
ولم تكن القدس
بعيدة في ذلك العصر عن صدارة علم الرواية والتدوين والفقه الذي اشتهرت به تلك
الفترة الذهبية، فالقدس كانت في ذلك العصر أحد المقاصد العلمية للرواة والعلماء،
وكان المسجد الأقصى المبارك لا يختلف في مكانته العلمية عن المسجد الحرام والمسجد
النبوي الشريف، ولذلك نرى أغلب علماء الحديث في رحلات طلب العلم التي اشتهرت في
ذلك العصر يزورون القدس ويتلقون فيها الروايات المختلفة، ونرى المؤلفات تكتب في
العصر العباسي داخل المسجد الأقصى المبارك كما كان الأمر في غيره من محطات العلم.
وبالتالي فإن
الواقع يكذب الادعاء، والآثار التي بين أيدينا تكذب أي ادعاء بإغفال القدس أو
إهمالها في العصر العباسي الذي كان يعتبر العصر الذهبي للعلوم والروايات والنقل
والكتابة والتدوين، كما كان العصر الأموي مشهوراً بالتوسع والفتوحات والعمران،
وكلا الحالتين عمران؛ مادي أموي، وعلمي عباسي.
اقرأ أيضاً في السلسلة:
هل اخترع الأمويون قدسية القدس؟