قيادة الأزمات في لحظة الخوف
كيف يثبت القائد عند اقتراب الهزيمة؟ موقف موسى بن نصير
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة مُوْسَى بن نُصَيْرٍ(1)، أَنَّهُ كَانَ فِي
مَعْركةٍ مَعَ الرُّومِ، وَلَمَّا هَمَّ المُسْلِمُوْنَ بِالهَزِيْمَةِ، كَشَفَ
مُوْسَى بن نُصَير سُرَادِقَهُ عَنْ بَنَاتِهِ وَحَرَمِهِ، وَبَرَزَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ
بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالبُكَاءِ، فَكُسِرَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ جُفُوْنُ
السُّيُوْفِ، وَصَدَقُوا اللِّقَاءَ، وَنَزَلَ النَّصْرُ، وَغَنِمُوا مَا لَا
يُعَبَّرُ عَنْهُ(2).
قد تبلغ الأزمات
من الشدة مبلغًا تضيق معه الخيارات، وتتراجع فيه الثقة، ويبدو الانكسار أقرب من
النجاة، وفي مثل هذه اللحظات تظهر معادن الرجال، وتتجلى حقيقة القيادة؛ إذ لا يكون
الامتحان فيما يملكه القائد من قوة وسلطان فحسب، وإنما في قدرته على الثبات حين
يضطرب الآخرون، وفي حسن تصرفه عندما تتزاحم المخاوف وتشتد الأخطار.
كيف يتصرف القائد عند اقتراب الهزيمة؟
نشأ موقف موسى بن نصير في سياق الفتوحات الإسلامية خلال أواخر القرن الأول الهجري، حين اتسعت
ميادين المواجهة العسكرية في المغرب والأندلس، وكان موسى بن نصير ممن جمعوا بين الخبرة
الإدارية والتدبير العسكري، حتى وصفه الذهبي بأنه كان «مهيبًا، ذا رأي وحزم»، وقد
وردت صيغة موسعة من خبر المعركة تشير إلى أنها وقعت قرب أحد حصون الأندلس، دون أن
يثبت بذلك تحديد قاطع لمكانها وزمانها.
وتبدأ اللحظة
الحاسمة في الرواية بقول الذهبي: «ولما هم المسلمون بالهزيمة»، وهي عبارة دقيقة في
تصوير المرحلة التي بلغتها المعركة؛ إذ لم تكن الهزيمة قد استقرت بعد، ولكن
إرادتها بدأت تتسلل إلى النفوس.
وهنا تكمن إحدى
أخطر لحظات الصراع؛ فالجماعة قد تمتلك من الوسائل ما يسمح لها بمواصلة المواجهة،
ولكن خوف أفرادها من الانكسار يجعل تلك الوسائل أقل فاعلية، وقد ينتقل الاضطراب من
فرد إلى آخر حتى يصبح الميل إلى التراجع شعورًا عامًا.
وفي هذه اللحظة
لم يقتصر التصرف المنقول عن موسى بن نصير على إصدار أمر عسكري، بل برز بنفسه، وكشف سرادقه،
ورفع يديه بالدعاء والتضرع.
ويمكن قراءة هذا
التصرف باعتباره محاولة لاستعادة التماسك في موقف يوشك أن يفقد فيه الناس توازنهم؛
إذ يحتاج الجمع المضطرب إلى ما يعيد توجيه انتباهه، ويجمع إرادته، ويمنحه سببًا
جديدًا للثبات، فقد قرر ابن تيمية أن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، ثم بيّن
أن القوة في كل ولاية تكون بحسب طبيعتها، وأن من مقتضيات القيادة العسكرية شجاعة
القلب والخبرة بالحروب(3)، ومن هنا فإن القيادة ليست مجرد شجاعة تدفع
صاحبها إلى المواجهة، ولا مجرد خبرة تمكنه من وضع الخطط؛ وإنما تقوم على تكامل
الكفاءة والأمانة، حتى لا تتحول الشجاعة إلى تهور، ولا يصبح التدبير وسيلة للتهرب
من المسؤولية.
لماذا لا ينافي التضرع شجاعة القائد؟
من أكثر جوانب
الرواية دلالة أن موسى بن نصير، وهو القائد العسكري الذي اعتاد إدارة الرجال ومواجهة
الأخطار، ظهر في لحظة الأزمة رافعًا يديه إلى الله، متضرعًا باكيًا، فقد اجتمع في
المشهد مظهران قد يراهما بعض الناس متباعدين: قوة القيادة وانكسار العبودية، غير
أن التصور الإسلامي لا يجعل التضرع نقيضًا للشجاعة، ولا يرى البكاء بين يدي الله
ضعفًا ينافي الثبات؛ لأن العبد كلما أدرك حدود قدرته، ازداد علمًا بحاجته إلى ربه،
قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) (النمل:
62)، والاضطرار حالة تنكشف فيها محدودية الوسائل البشرية، ويتجرد القلب من
كثير من أوهام الاستغناء، وليس معنى ذلك تعطيل الأسباب، وإنما معرفة أن الأسباب لا
تستقل بإحداث النتائج، وأن التوفيق بيد الله سبحانه.
وهذا المعنى
تؤكده السنة النبوية في موقف ثابت من غزوة بدر؛ فعن عُمَر بْن الْخَطَّابِ قَالَ:
« لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ
وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ
أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ
إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي
الْأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ»(4)، وكان ذلك
في الوقت الذي أخذ فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب الممكنة، وهيأ أصحابه
للقاء، ونظم صفوفهم، ومن هنا يظهر أن الدعاء في المنهج الإسلامي ليس بديلًا عن
العمل، بل عبادة تصاحب العمل وتزكي القصد وتربط القلب بالله.
وفي واقع الناس
اليوم قد تحاصر الإنسان أزمة مالية، أو مشكلة أسرية، أو مسؤولية ثقيلة، فيظن أن
عليه الاختيار بين التوكل والتخطيط، والصواب أن يجمع بينهما؛ فيراجع خياراته،
ويبذل وسعه، ويستعين بأهل الخبرة، ثم يفتقر إلى الله افتقار من يعلم أن نجاح
الأسباب لا يكون إلا بتوفيقه.
كيف تتحول الشجاعة إلى قدوة ميدانية؟ موسى بن نصير نموذجا
يقول الذهبي في
الخبر: «وبرز، ورفع يديه بالدعاء والتضرع والبكاء»، ولفظة «برز» تختصر تحولًا
مهمًا في المشهد؛ فالقائد الذي يستطيع توجيه الجند من موضعه خرج إلى موضع يراه فيه
الناس، وشاركهم لحظة الخطر بدل الاكتفاء بمراقبتها.
والقدوة من أعظم
وسائل التأثير؛ لأنها تنقل المعاني من مستوى الكلام إلى مستوى المشاهدة، فالثبات
الذي يدعو إليه المسؤول يصبح أوقع في النفوس حين يرون أثره عليه، والصبر الذي
يطالب به الآخرين يكتسب مصداقية أكبر عندما يكون هو أول الملتزمين به.
وقد نبه الطبري،
عند تفسير قوله تعالى: (لِمَ
تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف: 2)، إلى خطورة انفصال القول عن
العمل، ففسر الآية بقوله: «لم تقولون القول الذي لا تصدّقونه بالعمل، فأعمالكم
مخالفة أقوالكم»(5).
وفي القيادة
العملية لا يكفي أن يتحدث المسؤول عن الالتزام وهو أول المتهاونين، أو يطالب فريقه
بتحمل الأعباء بينما يعفي نفسه من تبعات القرارات، فالمدير الذي يواجه العاملين
بحقائق الأزمة، ويشاركهم جهد الإصلاح، ويبدأ بنفسه في تحمل المسؤولية، يختلف أثره
عن مدير يكتفي بإصدار التعليمات، وكذلك الأب الذي يعلم أبناءه الصبر من خلال
سلوكه، والمعلم الذي يجسد الأمانة فيما يؤديه، والداعية الذي توافق أعماله مواعظه.
غير أن القدوة
لا تعني تعريض النفس أو الآخرين لمخاطر غير لازمة؛ فالقيادة الرشيدة تجمع بين
الشجاعة وحسن التقدير، وبين الاستعداد للتضحية والقيام بحقوق من تجب حمايتهم، ولهذا
فإن القيمة الأوسع المستفادة من بروز موسى بن نصير ليست مجرد الاقتراب من موضع الخطر،
وإنما مشاركة الجماعة مسؤوليتها وعدم الاختباء وراء امتيازات المنصب.
أثر المصارحة والوضوح في تماسك الصفوف
من أكثر تفاصيل
الرواية إثارة للتأمل قول الذهبي: «كشف موسى بن نصير سرادقه عن بناته وحرمه»، والسرادق هو
ما أحاط بالبناء(6)، وفي هذا الموقف يعني ما يحيط بالخيمة أو المجلس
ويستره، وكشفه في هذا السياق أظهر من كانوا وراءه.
ويمكن فهم هذا
التصرف، في ضوء طبيعة المجتمع والظروف العسكرية التي تصفها الرواية، باعتباره
فعلًا يحمل رسالة شديدة التأثير: إن الخطر لا يهدد المقاتلين وحدهم، وإنما قد
تتجاوز عواقبه حدود الميدان إلى من يتعلق بهم أمرهم.
فالإنسان حين
يرى أن نتيجة القرار لن تقف عند شخصه، بل ستمتد إلى أهله ومن يعولهم، قد يشعر
بمسؤولية أكبر، وتتحول نظرته من النجاة الفردية إلى التفكير في المصير المشترك، وهذا
التحليل تفسير محتمل لدلالة المشهد، لا تقرير جازم بنية موسى بن نصير؛ إذ لا تنقل الرواية
عنه تصريحًا يبين المقصد التفصيلي من كشف السرادق.
كما أن هذا
التصرف التاريخي، حتى لو ثبت، لا يصلح وحده أصلًا شرعيًا لإباحة تعريض النساء أو
الأسرة للخطر من أجل رفع المعنويات، وهنا تظهر أهمية القاعدة التي قررها الشاطبي
بقوله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا»(7)، فالتصرف لا
يُنظر فيه إلى مقصده المباشر وحده، بل إلى آثاره وعواقبه أيضًا، وما قد يترتب عليه
من مصالح أو مفاسد.
والأقرب إلى
المقاصد التربوية أن نستخلص منه أهمية الوضوح في الأزمات، وإشعار الأفراد
بمسؤولياتهم المشتركة، دون تهويل أو استغلال لمخاوفهم.
ففي الأسرة قد
يقتضي الأمر مصارحة الأبناء الكبار بما يناسب أعمارهم من تحدياتها المالية، وفي
المؤسسة قد تتطلب الأزمة إطلاع العاملين على حجم المشكلة وسبل تجاوزها، لكن الوضوح
المسؤول يختلف عن صناعة الخوف؛ فالأول يبني الثقة ويعين على القرار، والثاني قد
يضاعف الاضطراب ويؤدي إلى نتائج عكسية.
ومن هنا تكون
القيادة الناجحة أقدر على تحويل الشعور بالمصير المشترك إلى تعاون واعٍ، لا إلى
اندفاع غير محسوب.
كيف تتأثر معنويات الجماعة بثبات القائد؟
تكشف الرواية عن
تحول لافت بين بدايتها ونهايتها؛ فقد بدأت بهمّ المسلمين بالهزيمة، وانتهت بصدقهم
في اللقاء ونزول النصر، بحسب ما يرويه الخبر، وبين الحالتين يظهر فعل القائد بما
فيه من حضور ودعاء وتضرع.
ومن الوجهة
النفسية يمكن أن يكون لسلوك الشخص المؤثر داخل الجماعة دور كبير في تشكيل استجابات
الآخرين؛ إذ لا تنتقل مشاعر الخوف وحدها بين الناس، بل تنتقل كذلك الثقة
والطمأنينة والعزيمة.
فإذا رأى أفراد
الجماعة قائدهم يفقد توازنه، فقد يزيد ذلك اضطرابهم، أما إذا رأوه حاضر الذهن،
ثابتًا، يعترف بالخطر دون أن يستسلم له، فقد يساعدهم ذلك على استعادة قدرتهم على
التفكير والعمل.
ولا يلزم من هذا
أن موسى بن نصير لم يشعر بالخوف؛ فالرواية لا تكشف ما دار في نفسه، وإنما تدل، إن صحت، على
أنه لم يجعل الخوف يمنعه من المبادرة، والفرق كبير بين غياب الخوف وبين القدرة على
التصرف السليم مع وجوده، ولهذا فإن الثبات ليس جمودًا انفعاليًا، ولا إنكارًا
للأخطار، بل قدرة على المحافظة على الاتجاه الصحيح حين تشتد الضغوط.
وقد جمع القرآن
الكريم بين الثبات والذكر فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45)، وفي
الآية اقتران بين عمل ظاهر هو الثبات، وعمل قلبي ولساني هو ذكر الله، بما يكشف عن
تكامل الإعداد النفسي والإيماني مع مقتضيات الموقف.
وفي أزمات
الحياة اليومية يحتاج الإنسان إلى هذا التوازن؛ فلا يستسلم لأول موجة من القلق،
ولا يتخذ قراراته تحت تأثير الانفعال وحده، بل يعيد ترتيب أولوياته، ويستحضر ما
يملكه من إمكانات، ويستعين بالله ثم بمن حوله، وقد تكون أول خطوة نحو تجاوز الأزمة
هي منع الإحباط من السيطرة على الجميع.
لماذا يفشل التفوق المادي مع التنازع؟
تختم الرواية
المشهد بقول الذهبي: «ونزل النصر، وغنموا ما لا يعبر عنه»، والعبارة الأخيرة تفيد
في سياقها كثرة ما تذكره الرواية من الغنائم، لكنها لا تقدم مقدارًا محددًا، ولا
تصلح لاستخراج تقدير عددي لحجم الجيش أو القوة العسكرية، غير أن المعنى الجدير
بالتأمل لا يتعلق بكثرة الغنائم، بل بالعلاقة بين القوة المادية والمعنويات
الإنسانية، فالجيوش والمؤسسات لا تتحرك بالمعدات والموارد وحدها؛ إذ يؤثر في
أدائها مستوى الثقة، ووحدة الهدف، وحسن التنظيم، وقدرة أفرادها على التعاون تحت
الضغط.
ولهذا جاء
التحذير القرآني من التنازع في قوله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)، فقد ربطت
الآية بين التنازع والفشل وذهاب القوة، مما يدل على أن التماسك الداخلي من
المقومات المهمة للقدرة على مواجهة الأخطار.
ومع ذلك لا يصح
تحويل هذا المعنى إلى معادلات حسابية غير مسندة، كالجزم بأن الإيمان يضاعف القدرة
المادية بنسبة معينة، أو أن الشجاعة تعوض كل نقص في العدة، فالمعنويات عنصر مؤثر
ضمن منظومة أوسع من الأسباب، وليست بديلًا عن التخطيط والكفاءة والإعداد.
وهذا يفسر لماذا
قد تفشل مؤسسة غنية بالموارد إذا غاب الانسجام بين أفرادها، بينما تحقق مؤسسة أقل
موارد نتائج معتبرة حين تحسن إدارة إمكاناتها وتجمع أفرادها على هدف واضح، فالعمل
الناجح يحتاج إلى ما تملكه الأيدي من وسائل، وما تحمله العقول من معرفة، وما تستقر
عليه النفوس من عزيمة.
تطبيق قيم الثبات في الحياة اليومية
تكمن قيمة قراءة
التاريخ في القدرة على التمييز بين خصوصية الأحداث والمعاني التي يمكن الإفادة
منها في أحوال أخرى؛ فلا ينبغي نقل التصرفات العسكرية القديمة إلى واقع الأسر
والمؤسسات نقلًا حرفيًا، لاختلاف الظروف والأحكام والوسائل، وإنما المطلوب فهم
المبادئ التي تنسجم مع الأصول الشرعية والعقلية الصحيحة.
وقد قرر ابن
القيم هذا المعنى العام في بيان مقاصد الشريعة، فقال: فإن الشريعة مبناها وأساسها
على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وبيّن أن العدل والرحمة والحكمة من
أصولها الجامعة(8).
ومن هنا، فإن
استلهام المواقف التاريخية لا يعني تقليد صورها الخارجية، وإنما النظر في قيمها
وآثارها، ومدى موافقتها لمقتضيات العدل والمصلحة.
- فحين تواجه
الأسرة أزمة، يكون الثبات في المحافظة على التراحم والتعاون، لا في إنكار المشكلة
أو تحميل بعض أفرادها ما لا يحتملون.
- وحين تواجه
مؤسسة تعثرًا، تكون القيادة في المصارحة المنضبطة، وتوزيع المسؤوليات بعدل، وتقديم
المسؤول قدوة في الالتزام، لا في تهديد العاملين أو صناعة شعور دائم بالخطر.
- وحين يتعرض
الإنسان لإخفاق شخصي، يكون الصبر في مراجعة أسبابه، وإصلاح أخطائه، واستئناف
السعي، مع الاستعانة بالله وعدم الارتهان لمشاعر اليأس.
- وكذلك في
الدعوة والتعليم؛ فإن بناء الثقة والقدوة العملية والصبر على النتائج أعمق أثرًا
من الاستجابة المؤقتة للخطابات الحماسية.
ومن هنا تتضح
الصلة بين الدعاء والقيادة والتربية؛ فالدعاء يصلح علاقة الإنسان بربه، والقدوة
تصلح أثره فيمن حوله، والصبر يحفظ استمراره في الطريق.
وحين تتكامل هذه المعاني يصبح الإنسان أقدر على مواجهة الضغوط دون أن يفقد اتزانه أو يتخلى عن قيمه.
الهوامش
- 1 مُوْسَى بنُ نُصَيْرٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اللَّخْمِيُّ، الأَمِيْرُ الكَبِيْرُ، مُتَوَلِّي إِقْلِيْمِ المَغْرِبِ، وَفَاتِحُ الأَنْدَلُس قِيْلَ: كَانَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنْ لَخْمٍ، وَقِيْلَ: وَلَاؤُه لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ أَعْرَجَ، مَهِيْباً، ذَا رَأْيٍ وَحَزْمٍ، يَرْوِي عَنْ: تَمِيْمٍ الدَّارِيِّ، حَدَّثَ عَنْهُ: وَلَدُهُ؛ عَبْدُ العَزِيْزِ، وَيَزِيْدُ بنُ مَسْرُوْقٍ.، قَالَ الفَسَوِيُّ: كَانَ ذَا حَزْمٍ وَتَدْبِيْرٍ، افْتَتَحَ بِلَاداً كَثِيْرَةً، وَوَلِيَ إِفْرِيْقِيَةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِيْنَ، وَقَدْ حَجَّ مُوْسَى بن نصير مَعَ سُلَيْمَانَ، فَمَاتَ بِالمَدِيْنَةِ، سير أعلام النبلاء (4/ 496).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 497).
- 3 مجموع الفتاوى (28/ 253).
- 4 صحيح مسلم (1763).
- 5 تفسير الطبري (23/ 350).
- 6 لسان العرب (10/ 157).
- 7 الموافقات (5/ 177).
- 8 إعلام الموقعين (3/ 11).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً