صناعة الكراهية في غرف الدراسة..
5 صور سلبية ترسخها المناهج التعليمية الإيرانية والصهيونية عن «العرب»
لأن المدرسة
بمناهجها العملية والنظرية هي الأداة السيادية الأبرز التي تمتلكها الدول لتشكيل
هويتها الخاصة، وترسيخ عقيدتها السياسية، ورسم الحدود النفسية والمعرفية بين الأنا
والآخر، وفي بيئات جيوسياسية موبوءة بالأمراض ومشحونة بالصراعات مثل ما يسمى
بالشرق الأوسط، الذي لم يستطع أن يتحرر من نير الاستعمار الثقافي بعد، تتحول المعاهد
والمدارس والجامعات في دول مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني من
وسائل للتعليم والتنوير إلى أدوات تعبئة أيديولوجية مدلسة ومغرضة تُستخدم لشيطنة
العرب ونفي وجودهم الثقافي والحضاري.
وسنحاول أن نثبت
هنا بالبراهين والأدلة من أدبياتهم ومن شهادات الخبراء أن كل من إيران (المسلمة!)
والكيان الصهيوني يوظفان المنظومة التعليمية الرسمية في تقديم صورة نمطية شديدة
السلبية لتشويه العرب والانتقاص من صورة الإنسان العربي. وهذا التشويه ليس عارضاً أو ناتجاً عن
غياب التحديث، بل هو نتاج قصد وتعمّد بنيوي لبناء سردية كاذبة وملفقة تُبرز تفوقاً
قومياً وحضارياً كاذبا لهم على العرب، وتشرعن سياساتهم الإقليمية والأمنية العدوانية.
بالوثائق
والإحصاءات والدراسات الأكاديمية وآراء الخبراء، يتعرض هذا المقال لـ5 صور نمطية
رئيسة فقط من بين صور سلبية كثيرة يحاولون عبثاً إلصاقها بالعرب في كل من المناهج الإيرانية والصهيونية.
1- سلب البُعد الإنساني من العرب:
يتشارك النظامان
التعليميان الإيراني والصهيوني في ترسيخ صورة العربي ككائن بدائي، يفتقر إلى قيم
التمدن، ويعتمد على الغزو والعنف كوسيلة للعيش.
ففي المناهج
الإيرانية، تقدم المناهج الإيرانية الفتح الإسلامي لبلاد فارس في كتب التاريخ لا
كرسالة دينية تحررية، ولكنه يقدم بوصفه غزوًا دمويًا قاده الأعراب الجياع بدوافع
الفاقة والجوع، وهذا تدليس وكذب مفضوح.
جاء في كتاب «التاريخ
للبلدان الإسلامية» (الصف الأول الثانوي/ الإيراني): «دخل الأعراب بلاد فارس
مدفوعين بالفقر والرغبة في الغنائم؛ ما أدى إلى نهب المدن المزدهرة، وحرق
المكتبات، واسترقاق النساء والأطفال، وفرض نمط حياة بدوي على شعوب ذات حضارة عريقة»!
وتشير دراسة
صادرة عن معهد أبحاث الإعلام للشرق الأوسط (MEMRI) حول الكتب
المدرسية الإيرانية إلى أن كلمة «عرب» أو «أعراب» تُقرن في 73% من السياقات
التاريخية القديمة بصفات مثل الجهل، والقسوة، والبداوة، لترسيخ فكرة أن العرب
صادروا المنجز الحضاري الفارسي ولم يضيفوا إليه، وهذا قمة التدليس والكذب،
فالمناهج نفسها لا تجد من التاريخ حادثة واحدة تؤيد هذا الكذب الصريح.
وفي المناهج الصهيونية يصورون العربي بأنه بدوي متخلف يشكل خطراً أمنياً وجودياً يهدد واحة المدنية والديمقراطية الحديثة، وكثيراً ما تُستخدم استعارات مجازية لتصوير الكيان الصهيوني (المتمدن!) محاطاً بطوفان من الأعداء!
ففي كتاب «القراءة
والأدب» للمرحلة الابتدائية يقول المؤلف يجآل ألون: «إننا نعيش مثل خروف صغير
(ناصع البياض!) وسط بحر من الذئاب العربية الرمادية التي تنتظر لحظة ضعف لتنقض
علينا»!
وفي دراسة رائدة
للبروفيسورة الصهيونية دانييل بار تال (جامعة تل أبيب)، تبين أن 85% من كتب
التاريخ والجغرافيا للمراحل الأساسية في «إسرائيل» حتى مطلع الألفية كانت تصف
العربي بأنه متخلف، ومخرب، ودموي، مع تعمد إغفال الرواية الفلسطينية لنكبة عام
1948م وتصوير الرحيل الفلسطيني كفرار جماعي غريزي دون سبب! هكذا!
2- تصوير العرب كجماعة متخلفة حضاريًا وعاجزة عن الإبداع:
تسعى المناهج في
كلا البلدين إلى تجريد العربي من منجزاته العلمية والتاريخية، ووضعه في مرتبة أدنى
ضمن السلم الحضاري.
ففي المنظور
الإيراني، تتبنى المناهج سردية الشعوبية الحديثة، حيث يتم نسج التاريخ بحيث يبدو
أن العقل الفكري الفارسي هو المؤسس الوحيد لعلوم الإسلام (الفقه، النحو، البلاغة، الطب)،
بينما كان العرب مجرد ناقلين أو مستهلكين!
ففي اقتباس موثق
من كتاب «تاريخ الأدب الإيراني» (المرحلة الثانوية) يقول الكاتب: «لولا عبقرية
العلماء الإيرانيين من أمثال سيبويه، والفارابي، وابن سينا، لبقيت الثقافة
الإسلامية حبيسة البداوة والجهل والجمود اللغوي الذي ميز جزيرة العرب»!
وفي المنظور
الصهيوني، تركز المناهج «الإسرائيلية» على إبراز الوطن العربي كمنطقة قاحلة
ومتخلفة، حتى جاء المشروع الصهيوني ليجعل الصحراء تزهر!
فقد جاء في كتاب
«الجغرافيا والتنمية» (المرحلة الإعدادية): عاش العرب في هذه البلاد لقرون دون أن
يحدثوا أي تطوير في البنية التحتية أو الزراعة، وظلوا يعتمدون على الأساليب
البدائية حتى أدخل الاستيطان اليهودي التكنولوجيا الحديثة والري بالتنقيط.
ويعلق المفكر
وعالم الاجتماع السوري د. برهان غليون على هذا التدليس الفج قائلاً: إن نفي القدرة
الحضارية عن العربي في المناهج الإيرانية والصهيونية يلتقي عند نقطة واحدة؛ صناعة
تفوق عرقي وثقافي يبرر الهيمنة السياسية الحالية، ويغرس في وعي الناشئة أن العربي
كائن مستهلك للحضارة وليس منتجاً لها.
3- العرب كعدو متربص:
تحول التربية
الإيرانية والصهيونية بعد ذلك العربي من مجرد متخلف حضارياً إلى خطر داهم يجب
الحذر منه وتجييش المجتمع لمواجهته.
ففي شوفينية إيرانية فجة بالمناهج، تتمحور السردية السياسية حول اتهام الدول العربية (وخاصة
الخليجية) بالعمالة للغرب، ومحاولة طمس الهوية التاريخية للمنطقة عبر قضايا مثل
تسمية الخليج العربي.
فقد جاء في كتاب
«الدراسات الاجتماعية» (الصف الثالث المتوسط/ الإيراني): «تستمر المشيخات العربية
(لاحظ تسمية المشيخات للتهكم والتقليل من قدر هذه الدول) في جنوب الخليج الفارسي،
بإيعاز من الاستكبار العالمي والصهيونية، في تزييف الحقائق التاريخية والجغرافية،
وتحويل عوائد النفط لدعم الإرهاب والتآمر ضد الجمهورية الإسلامية»!
وفي المناهج
الصهيونية، تقوم بدمج العربي بصورة آلية في خانة المهدد الديموجرافي والأمني، حيث
يُربط الوجود العربي دائماً بالعمليات التفجيرية والعداء للسامية.
وتحت عنوان «تحديات
وانقسامات في كتاب المجتمع الصهيوني» (المرحلة الثانوية)، يقول الكاتب: «إن النمو
الديموجرافي السريع للمجتمع العربي داخل «إسرائيل» وفي المحيط يمثل تحدياً أمنياً
وسيادياً لشخصية الدولة اليهودية، ويتطلب يقظة أمنية مستمرة لمواجهة أي نزعات
قومية متطرفة»!
وقد أجرت
البروفيسورة الصهيونية نوريت بيليد إلحنان، أستاذة اللغة والتربية بجامعة هارفارد
والجامعة العبرية، دراسة تحليلية شاملة للكتب المدرسية الصهيونية، وخلصت منها إلى
نتيجة مرعبة حيث لم يظهر العربي في أي كتاب مدرسي «إسرائيلي» كإنسان عادي (طبيب،
مهندس، أو فنان)، بل يظهر دائماً في صور ثلاث؛ فلاح بدائي، أو لاجئ، أو إرهابي
مقنع!
4- إظهار العرب في صورة التبعية والمهانة:
لتعزيز الشعور
بالفخر القومي وثقة الناشئة في قياداتهم، تعمد مناهج الإيرانية والصهيونية إلى
تصوير الحكومات والشعوب العربية الحالية في مظهر الضعف والتبعية لشركاء دوليين.
فتُظهر كتب
التاريخ المعاصر وكتب السياسة الطلاب الإيرانيين في مظهر حماة المستضعفين
الوحيدين، بينما يُصوَّر العرب ككيانات هشة تعيش على الرفاهية النفطية دون كرامة
سياسية.
وقد جاء في كتاب
«البصيرة السياسية والجهاد» (مرحلة التعبئة التعليمية الثانوية): «بينما تخضع
الأنظمة العربية الذليلة للإرادة الأمريكية والصهيونية وتبيع قضايا الأمة مقابل
أمن عروشها وأموال نفطها، تظل إيران الإسلامية القلعة الوحيدة التي تدافع عن
مظلومية الشعب الفلسطيني»!
وتُرسخ المناهج
الصهيونية فكرة الاستعلاء العسكري، حيث يُصوَّر العربي كجندي يفر من المعركة، أو
كلاجئ ينتظر المساعدات؛ ما ينزع عن الشخصية العربية صفة الندية والشجاعة.
وقد جاء في كتاب
«تاريخ إسرائيل في العصر الحديث»: «في عام 1948 وعام 1967م، واجهت قواتنا القليلة
جيوشاً عربية جرارة، لكن الروح القتالية والتفوق النوعي للجندي الصهيوني حسم
المعارك سريعاً؛ ما أدى إلى انهيار معنويات العدو وفراره من الميدان تاركاً سلاحه»!
5- العرب كأعداء أزليين:
الهدف النهائي
من هذا الشحن الأيديولوجي في المناهج هو إقناع الطفل والشاب بأن الصراع مع العربي
ليس خلافاً سياسياً عابراً يمكن حله بالدبلوماسية، بل هو صراع وجودي وأزلي لا
ينتهي.
ففي المناهج
الإيرانية، يتم ربط الصراع المعاصر (مثل الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988م)
بالصراعات التاريخية القديمة، وتُطلق تسمية «قادسية صدام» أو عداء بني أمية لإعطاء
الصراع السياسي صبغة تاريخية وعرقية ممتدة.
وفي المناهج
الصهيونية، يُصوَّر العربي كامتداد لـ«العماليق» أو الأعداء التاريخيين لليهود في
العهد القديم، الذين لا يمكن الوثوق بهم أو توقيع سلام دائم معهم.
يقول المستشرق
الفرنسي هنري لورانز: الخطورة في المناهج الدراسية لكل من «تل أبيب» وطهران تكمن
في أبدية العداء، إنهم يربون الأطفال على أن العربي عدو بالأصالة وبالفطرة؛ ما
يغلق الباب تماماً أمام أي أفق مستقبلي للتسويات السلمية أو التثاقف الطبيعي بين
الشعوب.
نقاط الالتقاء والافتراق بين العنصريتين الإيرانية والصهيونية
من خلال استعراض
البنية المعرفية للمناهج الإيرانية والصهيونية، تبرز ملامح توظيف صورة العربي
لخدمة الأجندات السياسية الشوفينية:
1- التشابه في القصد والتعمد البنيوي:
يتطابق النظامان
في استخدام إستراتيجية نفي الآخر لبناء الهوية الجماعية، فلا يوجد في المناهج
الصهيونية والإيرانية ذكر للتنوع الثقافي العربي، أو الإسهامات الإنسانية الحديثة
للعرب.
والتشويه
للإنسان العربي في كلا النظامين تشويه مبرمج عبر لجان وضع المناهج التابعة لوزارات
التعليم مباشرة؛ ما ينفي عشوائية الطرح ويكشف عن قصدية واضحة لإعداد أجيال مشحونة
بالعداء والضغينة والحقد.
2- الاختلاف في مرجعية الشيطنة:
في إيران يغلب
البُعد الثقافي والقومي التاريخي حيث يُحاكَم العربي بناءً على عقدة سقوط
الإمبراطورية الساسانية، ويُقدم كمهدد للهوية الفارسية ولمذهب التشيع.
وفي الكيان
الصهيوني يغلب البُعد الأمني، الديموجرافي، والكولونيالي؛ حيث يُقدم العربي كعقبة
أمام المشروع الصهيوني، وكمصدر للتهديد الوجودي والجريمة والإرهاب.
أثر تربوي مدمّر
إن المناهج
التعليمية في كل من إيران والكيان الصهيوني لا تكتفي بتقديم المعارف، بل تعمل كمصانع
للأيديولوجيا وغرس العداء، والنتيجة الحتمية لهذه السياسات التعليمية إنتاج أجيال
من الشباب المشبعين بنوع بغيض من «الفوبيا» ضد العرب؛ ما يعزز عقلية القلعة
المحاصرة في «إسرائيل»، وعقلية المظلومية القومية المتفوقة في إيران.
وهذا التعمد في
تشويه صورة العربي يُضعف، بل يكاد يعدم، أي فرص حقيقية لبناء خطاب إقليمي قائم على
التعايش المشترك واحترام حقوق الشعوب، وتجاوز هذه الأزمة لا يتطلب مجرد اتفاقيات
سياسية أو معاهدات أمنية، بل يقتضي إصلاحاً تربوياً هيكلياً عميقاً تشرف عليه جهات
دولية مستقلة، لتنقية المناهج الدراسية من سموم الكراهية وشيطنة الآخر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً