من أمثال العرب.. أن ترد الماء بماء أكيس

سعد الحسن

23 يوليو 2026

202

من أمثال العرب.. أن ترد الماء بماء أكيس

"أن ترد الماء بماء أكيس" (مثل عربي)

ومعناه "أن الرّجل يمرّ بالماء فلا يحمل منه اتّكالا على ماء آخر يصير إليه، فيقال له: أن تحمل معك ماء أحزم لك، وإن أصبت ماء آخر لم يضرّك، وإن لم تحمل فأخفقت من الماء عطبت". "التذكرة الحمدونية".

بيان وفوائد:

 تمتاز الأمثال العربية بأنها تختزل التجارب الإنسانية في عبارات موجزة، تجمع بين دقة التصوير وعمق الحكمة. ومن هذه الأمثال قولهم: "أن ترد الماء بماء أكيس"، وهو مثل يقوم على صورة حسية بسيطة، لكنه يحمل رؤية عقلية عميقة في إدارة المواقف، وحسن التدبير، واختيار الوسائل الأكثر نفعًا.

في ظاهره، يصور المثل رجلًا يرد مورد الماء وهو يحمل معه ماءً قد أعده من قبل، فلا يكون مضطرًا إلى التزاحم أو الانتظار أو التعرض للمشقة عند الوصول. وقد يبدو المشهد لأول وهلة غريبًا؛ إذ كيف يذهب المرء إلى الماء ومعه ماء؟ لكن هذا التصوير هو سر بلاغة المثل؛ إذ يراد به أن الحكيم لا يعتمد على الفرص وحدها، ولا يواجه المواقف خالي اليدين، وإنما يسبق الحاجة بالتأهب، ويجعل بينه وبين المفاجآت مسافة من الاستعداد.

وقد أنشده ابن دريد شعرا فقال: قال أبو ليلى لقوم عرسوا * أن تردوا الماء بماء أكيسُ

ومن هنا صار المثل يضرب لمن يواجه الأمور وهو مزود بما يعينه على النجاح، أو لمن يدفع الحاجة قبل وقوعها، أو يعالج المشكلة بأفضل الوسائل الممكنة. فليس الذكاء في مجرد الوصول إلى المورد، وإنما في الوصول إليه وأنت مستغنٍ عنه، لأن الاستغناء يمنح صاحبه حرية القرار، ويجنبه الوقوع تحت ضغط الضرورة.

ويكشف المثل عن قيمة عربية أصيلة، هي "التدبير قبل الاضطرار". فالعاقل في الثقافة العربية لا ينتظر حتى تحيط به الأزمات، بل يهيئ أسباب النجاة قبل وقوعها؛ ولذلك كان العرب يمدحون الحازم الذي يحتاط للأيام، ويعد لكل أمر عدته، ويجعل حسن التخطيط جزءًا من الحكمة.

ومن الناحية البلاغية، يعتمد المثل على المفارقة؛ فالمتلقي يتوقع أن يكون الذهاب إلى الماء طلبًا للماء، فإذا بالمثل يقلب الصورة، فيجعل الماء نفسه وسيلة للذهاب إلى الماء. وهذه المفارقة تثير الذهن وتدفعه إلى تجاوز المعنى الحرفي نحو الدلالة المجازية، وهي أن أفضل علاج للحاجة هو ألا تستسلم لها أصلًا، بل تستعد لها قبل أن تقع.

كما يحمل المثل بعدًا نفسيًا مهمًا؛ إذ إن الإنسان المستعد يكون أهدأ نفسًا، وأقوى قرارًا، وأقدر على الاختيار من الإنسان الذي تحكمه الضرورة. فالاضطرار كثيرًا ما يوقع صاحبه في التسرع، أما من هيأ نفسه سلفًا فإنه يتصرف بعقل وروية.

ولا يقتصر تطبيق هذا المثل على الحياة الفردية، بل يمتد إلى ميادين الإدارة والاقتصاد والسياسة والتعليم. فالشركات الناجحة ترد الأزمات بخطط احتياطية، والدول الرشيدة ترد الكوارث بالاستعداد لها قبل وقوعها، والطالب المجتهد يرد الامتحان بالمذاكرة المبكرة، والتاجر الحكيم يرد تقلبات السوق بالادخار وتنويع مصادر دخله. وفي كل هذه الصور يتحقق معنى المثل: أن يكون الإنسان مزودًا بسبب القوة قبل أن يحتاج إليه.

وتتفق مع هذا المعنى أمثال ومقولات عربية، منها:

- عش إبلك ولا تغتر: "وأصل هذا المثل فيما يقال، أنَّ رجلاً أراد أن يفوز (يقطع الصحراء) بإبله عند الليل، وتأكل على عشب يجده هناك، فقيل له: عش إبلك، ولا تغتر بما لست على يقين منه، فصار مثلا لكل شيء يؤخذ فيه بالوثائق. "الأمثال لأبي عبيد".

- قبل الرماء تملأ الكنائن: "يضْرب مثلا فِي الإستعداد لِلْأَمْرِ قبل حُلُوله. والكنانة الجعبة" "جمهرة الأمثال".

- قَبْلَ الرَّمْىِ يُرَاشُ السَّهْمُ: "يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها. ويراش يركب عَلَيْهِ الريش يُقَال رشته أريشه ريشاً فَأَنا رائش والسهم مريشٌ يَقُول ينبغى أَن تصلح السهْم قبل وَقت الرَّمْي"، "مجمع الأمثال".

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة