حكاية مثل الرجل الذي جاد بنصيبه من الماء حتى هلك

حكاية مثل الرجل الذي جاد بنصيبه من الماء حتى هلك

زعموا أنَّ كعبَ بنَ مَامَةَ الإياديَّ خرج في ركبٍ من إيادِ بنِ نزار وربيعةَ بنِ نزار، حتى إذا كانوا بالدَّهْناء، في حَرِّ القيظ، عطشوا، ولم يكن معهم إلا ماءٌ قليل، يشربونه بالحَصَى، فيقتسمونه؛ فكان كلُّ واحدٍ منهم يشرب بمقدار حصاةٍ، حتى إذا بلغ الدورُ كعبًا، وأخذ الإناء ليشرب، نظر إليه شَمِرُ بنُ مالكٍ النَّمِرِيُّ، فلمَّا رأى كعبٌ نظرَه إليه، ظنَّه عطشان، فقال: "اسقِ أخاك النَّمِرِيَّ يَصْطَبِح" فذهبت كلمةً سائرةً.

ثم ارتحلوا، ولم يبقَ في القوم من قوةٍ على السير إلا النَّمِرِيُّ، أمَّا كعبٌ فقد أجهده العطش. ثم نزلوا واقتسموا ما بقي من الماء، فلما بلغ كعبًا نصيبُه، وقد أشرف على الموت، نظر إليه النَّمِرِيُّ، فقال كعب: "اسقِ أخاك النَّمِرِيَّ يَصْطَبِح". فشرب النَّمِرِيُّ نصيبَ كعب، واشتدَّ بكعب العطش حتى أدركه الموت، فنزل واحتمى في أصل شجرة. فقيل له: "رُدَّ كعبُ، إنك وارِدٌ".

أي: ارجع، فإنك ستبلغ الماء غدًا. فأصبحت هذه الكلمة مثلًا أيضًا. ومن الأمثال التي استدعت كرم كعب بن مامة كذلك قولهم: أجودُ من كعبِ بنِ مامة.

 بيان وفوائد:

المعاني:

الدَّهْناء: صحراء واسعة مشهورة في الجزيرة العربية.

حَرُّ القيظ: أشدُّ أيام الصيف حرارة.

يشربونه بالحصى: يجعلون لكل رجل حصاة، ويشرب كل واحد مقدارًا محددًا من الماء بقدر حصاته، حتى لا يظلم أحد.

النَّمِرِيّ: رجل من قبيلة النَّمِر بن قاسط.

يصطبح: يشرب في أول النهار، والمراد هنا: اشرب نصيبك من الماء.

وارد: بالغ الماء أو واصل إليه.

 كعب بن مَامَة ملهما الشعراء:

أصبحت حكاية كعب بن مامة مع الرجل النمري مثالا على المبالغة في الكرم والإيثار، فهل هناك كرم وإيثار بعد التضحية بالنفس من أجل رفيق في طريق؟

وللفرزدق في ذلك:

وكنَّا كأصحابِ ابنِ مـامـةَ إذ ســـقى * أخا النَّمِرِ العطشانَ يومَ الضَّجاعِمِ

إذا قال كعبٌ: هل رَوِيتَ ابنَ قاســـطٍ؟ * يقـولُ له: زِدْني بلالَ الـحـلاقِمِ

وكـنتُ ككـعـبٍ غـيـرَ أنَّ منيـتي * تأخَّـر عـني يـومَهــا بالأخارِمِ

المعنى: يشبِّه الشاعر نفسه بكعب في الإيثار، ويصور النمري وقد ظل يطلب المزيد من الماء حتى ارتوى، في حين بقي كعب محرومًا منه حتى مات.

وقال مَامَة بن عمرو:

أوفــى على الماء كعبٌ ثم قيل لـه * رِدْ كعبُ إنك ورَّادٌ، فما وَرَدَا

وقال أبو كعب:

أمــن عطـشِ الــدَّهْنا وقِلَّةِ مائهـا * بقـــايا الـنطافِ لا يكلِّمني كعبُ

فلو أنني لاقيــتُ كعـــبًا مكــسَّـرًا * بأنــقاءِ وَهْبٍ حيث ركَّبها وَهْبُ

لآسيتُ كعبًا في الحيــاةِ التي تـــرى * فعشـنا جمـيعًا أو لكان لنا شربُ

يتحسر الشاعر على كعب، ويرى أن عطش الصحراء وقلة الماء هما اللذان اختطفاه منه، فحرماه من حديثه وصحبته.

ويتمنى لو كان حاضرًا معه عندما أضناه العطش وأوهن قواه في ذلك الموضع المعروف بـ أنقاء وهب، وهو مكان من الرمال في الدهناء، والمقصود أنه لو أدركه في تلك اللحظة لما تركه يواجه الموت وحده. و "ركّبها وهب" أي اجتازها رجل اسمه وهب، فنسبت إليه.

ويبين كذلك أنه لو كان مع كعب لواساه وشاركه في كل ما أصابه، حتى في الماء القليل، فلا يتركه يموت وحده.

فالشاعر يصور معنى راق من معاني الوفاء؛ فهو لا يتمنى نجاة نفسه، بل يتمنى المشاركة في المصير، حياةً أو موتًا مع كعب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة