أبناء السحابة.. سيكولوجية الجيل الرقمي!
منذ عهد ليس
ببعيد، نشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عَوَّدَه أبوه، مفترشاً العشب، مُتلَّحِفاً
الفضاء، زاهداً فيما سيأتي، ناسياً ما قد مضى، غير أن هذا سرعان ما تبدل وتغير
بنشأة جيل بأكمله سابحاً في فضاء غير ذلك الذي تلحف سابقوه به، تتلقفه فيه يد
العناية الخوارزمية، ولا تطعمه من قطافها إلا ما يشتهي، لينتهي به الأمر مفترشاً
الأرائك والأسرّة، لا يطيق لما يشاهد فراقاً، ولا يبغي عنه حِولاً.
وكما للزمان
مسرات وأحزان، فله كذلك لحظات لا يكون بعدها كما كان قبلها، كلحظة تحول المكتوب
يدوياً إلى المطبوع، وتحول ذلك المطبوع إلى مسموع إذاعياً، ومن ثم مرئي تَلْفزياً،
إلى اجتماع ذلك كله في جهاز لا يتعدى حجمه حجم الكف التي تحمله، الذي حوى من
التطبيقات المعروفة بتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي ما أعاد تشكيل طبيعة
العلاقات الاجتماعية، بل وعلاقة الإنسان بذاته، انتهاء بتأثيره على طبيعة العقل
البشري.
وفيما يلي
محاولة لقراءة هذه التأثيرات في ضوء أهم ما كُتب عنها من أبحاث وكُتب، مع وقفة عند
ما يخص السياق العربي على وجه التحديد.
الرحلة من فضاء النجوم إلى فضاء التطبيقات
في عام 1560م، رسم
بيتر بروغل واحدة من أكثر ألعابه شهرة، المعروفة باسم «ألعاب الأطفال»، وتُظهر
أكثر من 200 طفل يمارسون عشرات الألعاب التي يَعُدُّها علماء النفس شرطاً لا غنى
عنه لاكتمال نمو الجهاز العصبي عند الصغار؛ كما في دراسة كلية الطب التابعة لجامعة
هارفرد المُعَنْوَنة «اللعب الحر يشكل دماغ الطفل ويمنحه فوائد مدى الحياة».
فمن خلال اللعب
الحر الذي يضع قواعده الأطفال المنخرطون فيه دون غيرهم بعيداً عن قيود الزمان
والمكان وتوجيهات الأشخاص البالغين، يتعلّم الطفل تقدير الأخطار، وقراءة نبرات
الآخرين، ومهارات التفاوض، ويتعلم كيفية التعامل مع الخسارة، وأنها لا تدوم كما لا
يدوم النجاح.
معدلات القلق لدى «جيل زد» ارتفعت بعد
انتشار الهاتف الذكي وأصبحت منصات التواصل جزءاً من حياتهم
ويُعلمه الأطفال
أنهم كما الكبار يكرهون الخاسر المتحجج كذلك يكرهون الناجح المتبجح، ومن هنا يبدأ
الطفل في مراعاة غراس شجرة مهاراته الاجتماعية التي يقضي باقي عمره في جني قطافها.
وقد بين عالم
النفس الأمريكي جوناثان هايدت، في كتابه «الجيل القلق»، أن هذا الشكل من اللعب بدأ
يتقلّص تدريجياً منذ ثمانينيات القرن الماضي بفعل نزعة الحماية الزائدة عند الآباء
-خصوصاً في الولايات المتحدة- بسبب كثرة حالات الاختطاف للأطفال في تلك الفترة.
إلى أن ظهر ما
سماه «إعادة التشكيل الكبرى للطفولة» بين عامي 2010 و2015م، حين انتشر الهاتف
الذكي بكثافة وأصبحت منصات التواصل جزءاً لا يتجزأ من حياة المراهقين، ويذهب هايدت
إلى أن تزامن هذين الأمرين؛ كبح جماح الأطفال في العالم الحقيقي، وإطلاقها بلا
حدود في العالم الافتراضي، هو ما يفسّر الارتفاع الحاد في معدلات القلق والاكتئاب
وإيذاء النفس لدى «جيل زد»، وهم من ولدوا بين عامي 1997 و2012م.
وقد سبقت إلى
نتيجة مشابهة الباحثة الأمريكية جين توينج في كتابها «الجيل آي»؛ حيث تتبّعت
بيانات استطلاعات أمريكية واسعة لتُظهر أن من قضوا مراهقتهم كاملة في عصر الهاتف
الذكي يقضون وقتاً أقل في التفاعل المباشر مع أصدقائهم، وأكثر عزلة وقلقاً من
الأجيال السابقة، رغم أنهم في الوقت نفسه أكثر تسامحاً وأقل ميلاً إلى السلوكيات
الخطرة التقليدية كتعاطي الكحول أو القيادة المتهوّرة.
والمفارقة عند
توينج أن هذا الجيل الأكثر أمناً بمقاييس السلوك التقليدية، هو ذاته الأكثر هشاشة
بمقاييس الصحة النفسية، وكأن الخطر لم يختفِ، بل تغيّر مكانه فحسب؛ من الشارع إلى
الشاشة.
إعادة تشكيل الهوية
لا يدرك الإنسان
إمكانية تسرب هوية الغير إلى فكره وثقافته دون وعي أو دراية منه، فالمفاهيم التي
نتبناها اليوم عن أمور كالنجاح والفشل، والعلاقات الاجتماعية لا أقول هي مشوبة
بالفلسفة الغربية، بل متشبعة بها خصوصاً النظرة البراجماتية للحياة المتجسدة في
المصلحة الفردانية التي لا تعلوها مصلحة كما في فلسلفة ويليام جميس، وجون دوي، وأن
هذه الفلسفة تشربناها دون وعي من المقاطع التي نشاهدها ونعيد نشرها لما هو في
نظرنا من الناجحين، وما اعتبرناه كذلك إلا لما اُعتبر بمقاييس الحياة المادية
كذلك.
أضف إلى ذلك،
قياس النجاح الاجتماعي بالشهرة وعدد المتابعين، وانحطاط خِلقة الشخص في عين نفسه
عند مقارنتها بغيره، وتحوله من شخص عادي في الحياة اليومية إلى شخص اعتباري في
صفحات وسائل الاجتماعي، أو كما أسماه الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ-تشول هان «ذات
الإنجاز»؛ وهو الشخص الذي يتفانى في عرض ذاته وتحسينها وقياس أدائها بصورة مستمرة،
أمام جمهور لا يُرى وفي كثير من الأحايين لا يعبأ، بل المتفاني في نيل رضاه لا
يدري أنه مجرد لحظة عابرة بين وضع الإبهام على الشاشة ورفعه عنها.
تأتي عن هذا كله
وغيره أنه نشأ بين أظهرنا جيل تربى على غير ما تربينا عليه، منتمياً لثقافة
مغايرة، مستورداً منها حلوها ومرها بما يشمله ذلك المر من أمراض نفسية ما كنا ندري
عنها حتى هبت علينا الرياح الغربية فأصابت بعدواها كل من استنشقها مفتوناً بعبقها.
ولم يقتصر أثر
هذا التحول على الهوية، بل بلغ صداه طريقة التفكير نفسها، ففي كتابه «السطحيون»،
استعار نيكولاس كار من علم الأعصاب مفهوم «المرونة العصبية»؛ ومفادها أن العقل
البشري يعيد تشكيل نفسه ووصلاته العصبية بصورة دورية، وأن الوصلات العصبية التي
تستعمل بصورة دورية تغدو أكثر قوة، والعكس بالنسبة للتي لا تستخدم، فالقراءة
المتأنية لكتاب تُدرب العقل على التدرج في التفكير، والاستيعاب على مهل، وبنقيض
ذلك يأتي التصفح، بما يحمله من روابط متفرّعة وإشعارات متلاحقة وإعلانات متطفّلة،
فينتهي الأمر بالوصلات العصبية أن تعتاد نمط المسح السريع للمعلومة، والانتقال
الدائم من موضع إلى غيره لتنسى كليهما أثناء انتقالها إلى ثالث، وبالتالي لن
تستطيع الوصلات العصبية التي اعتادت نمط التصفح لن تسطيع مع القراءة المتأنية صبراً.
أبناؤنا في الوطن العربي
أظهرت دراسات
عربية أن الشباب العربي لا يستخدم منصات التواصل لمجرد التسلية أو متابعة الأخبار،
بل بات يوظّفها بصورة متزايدة في بناء صورته عن نفسه وعن هويته الجماعية، إلى حدٍّ
جعل بعض الباحثين يربطون نمط استخدام هذه المنصات بكيفية تشكّل الهوية الوطنية
والثقافية عند الشباب.
التطبيقات الإلكترونية تصميم مقصود تؤدي
دورها بفاعلية وتجني لأصحابها المليارات وتسرق من الشباب أعمارهم
وفي المقابل،
تكشف مؤشرات استخدام التطبيقات في عدد من البلدان العربية عن نسب مرتفعة جداً من
الاستخدام اليومي لتطبيقات كـ«واتساب» و«فيسبوك» و«إنستجرام» و«تيك توك»، خصوصاً
في الفئة العمرية بين الثامنة عشرة والرابعة والثلاثين؛ وهذا يعني أن ما ذكرناه
آنفاً ليس بأجنبي علينا، بل أبناؤنا يعيشون نسخة مشابهة منه، غير أن الفارق
الجوهري هو البنية الأسرية والدينية والاجتماعية العربية، التي أبقت التأثيرات
السلبية لوسائل التواصل الاجتماعية مقيدة إلى حد ما، ولكن لا ينبغي التعويل عليها
ولا الاكتفاء بها.
ليس ما كتبناه
بنظرة متشائمة، وإنما هو سرد لوقائع وحقائق أبينا فيها أن نحيل ذلك التحول المهول
في نمط حياة أبنائنا إلى التعِّلات والمقادير، خصوصاً مع طغيان النبرة التفاؤلية
عند نقاش هذا الموضوع التي ترى في كل تقنية جديدة تقدماً غير مشروط للإنسانية، وما
يخيل للناظر إليه أنه واقع لا مفر للعيش فيه، وتذوق حلوه وتجرع مُرِّه، ينسى أو
يتناسى أن هذه التطبيقات التي بين أيدينا هي في الحقيقة تصميم مقصود، تؤدي دورها
بكل فاعلية، وتجني لأصحابها المليارات، وتسرق من مستخدميها أغلى ما يملكون؛
أعمارهم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً