الحرب على إيران.. جولة عضّ الأصابع أم مرحلة كسر العظم؟

إياد القطراوي

28 فبراير 2026

152

بين التهديدات العسكرية المتصاعدة، والردع المتبادل، والرَّصيد الاستراتيجي الذي تراكم عبر عقود من التوتر والمواجهات والضربات المحدودة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة، وإيران من جهة أخرى، يظل السؤال المركزي حاضرًا: هل المواجهة الجارية ستبقى في إطار محسوب يُدار بمنطق "عضّ الأصابع"، أم أنها مرشحة للتحول إلى صراع شامل يصل إلى حد "كسر العظم"؟


للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تفكيك شبكة معقدة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية، إضافة إلى حسابات الردع ورغبة الأطراف – رغم التصعيد – في تجنب حرب كارثية على مستوى الإقليم والعالم.

إيران في قلب المعادلة الاستراتيجية

تحتل إيران موقعًا محوريًا في النظام الإقليمي والدولي لعدة اعتبارات:

أولًا: مكانتها كقوة إقليمية فاعلة في العراق وسورية ولبنان واليمن، حيث تمتلك شبكة تحالفات وأدوات نفوذ سياسية وعسكرية تعزز قدرتها على المناورة وتوسيع هامش تأثيرها.

ثانيًا: امتلاكها برنامجًا نوويًا يضعها في موقع حساس ضمن معادلة الردع الإقليمي والدولي، ويثير مخاوف خصومها من إمكانية تحوله إلى قدرة عسكرية.

تهدف أمريكا ودولة الاحتلال لإضعاف قدرات إيران النووية والعسكرية وتقليص نفوذها الإقليمي وتعزيز الردع.

ثالثًا: تطويرها قدرات صاروخية باليستية متقدمة، إلى جانب تنامي بنيتها العسكرية، ما جعلها في مواجهة مباشرة مع عقوبات أمريكية وضغوط دولية مستمرة.

رابعًا: علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين، التي تضيف بعدًا دوليًا للصراع وتخلق توازن قوى معقدًا يتجاوز الإطار الإقليمي.

ميزان الردع: حسابات الكلفة والجدوى

يقوم الردع في هذه المواجهة على قاعدة بسيطة: قدرة كل طرف على إلحاق ضرر يفوق ما يستطيع الطرف الآخر تحمله.

فالولايات المتحدة لا تبدو راغبة في حرب مباشرة، نظرًا لتشابك مصالحها في آسيا وأوروبا، ولأن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تستنزفها عسكريًا واقتصاديًا، بل وقد تفتح باب مواجهة غير مباشرة مع روسيا أو الصين.

أما دولة الاحتلال، فترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، وتسعى لمنع طهران من امتلاك قدرة نووية. ومع ذلك، فإن حربًا مباشرة مع إيران تمثل مغامرة محفوفة بالمخاطر، نظرًا لحجم الرد المتوقع واتساع رقعة الاشتباك المحتمل.

يتمثل الردع في هذه المواجهة على قدرة كل طرف على إلحاق ضرر يفوق ما يستطيع الطرف الآخر تحمله.

في المقابل، لا ترغب إيران في حرب شاملة، لكنها تؤكد أنها سترد بقوة على أي استهداف مباشر، سواء عبر ضربات صاروخية أو من خلال أدواتها الإقليمية، ما يُبقي المواجهة حتى الآن ضمن إطار "الردع المتبادل" الذي يُدار بحذر.

بين عضّ الأصابع وكسر العظم

شهدت السنوات الماضية نماذج عديدة من الضربات المحدودة والعمليات غير المباشرة، التي لم تؤدِّ إلى انفجار شامل. هذا النمط يُجسّد مرحلة "عضّ الأصابع"؛ حيث يختبر كل طرف قدرة الآخر على التحمل دون تجاوز الخطوط الحمراء الكبرى.

لكن قواعد الاشتباك قد تتغير جذريًا إذا انتقل الصراع من الرسائل المتبادلة إلى استمرار الاستهداف المباشر للقيادة السياسية والعسكرية الإيرانية أو العمق الإيراني: منشآت استراتيجية، بنى تحتية عسكرية، أو مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي. عندها قد تتحول المواجهة إلى صراع وجودي في نظر طهران، يدخل مرحلة "كسر العظم".

في منطق النظام السياسي الإيراني، الذي يواجه ضغوطًا وعقوبات مستمرة، يصبح الرد القوي وسيلة للحفاظ على الهيبة الداخلية ومنع اهتزاز صورة الدولة. وهنا تبرز تحولات خطيرة محتملة:

أولًا: توسيع مسرح العمليات

قد تمتد المواجهة إلى الخليج أو العراق أو سوريا أو لبنان، عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة، لتتحول إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.

ثانيًا: الانتقال من الردع إلى الرد العقابي

إذا شعرت طهران بأن الهدف هو إضعافها استراتيجيًا أو زعزعة استقرارها الداخلي، فقد تسعى إلى فرض كلفة عالية على خصومها، عبر استهداف مصالح اقتصادية أو عسكرية.

ثالثًا: تراجع قدرة الاحتواء الدولي

قد تجد القوى الكبرى نفسها أمام معادلة معقدة: التدخل لضبط الإيقاع، أو الانخراط بصورة أعمق، ما يزيد من احتمالات التصعيد ويحوّل الأزمة إلى مواجهة دولية مفتوحة.

استهداف القواعد الامريكية في الدول العربية يعني نقل المواجهة من الصراع المباشر إلى حرب إقليمية واسعة.

تحليل الكلفة والمكاسب

بالنسبة للولايات المتحدة ودولة الاحتلال، ستكون كلفة الحرب مرتفعة للغاية، لكنها قد تُحقق مكاسب استراتيجية مثل تعطيل البرنامج النووي الإيراني وإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي.

أما بالنسبة لإيران، فالحرب ستكون باهظة الثمن أيضًا، لكنها قد ترى فيها خيارًا مفروضًا إذا وُضعت أمام معادلة الاستسلام لشروط قاسية. وإذا نجحت في إطالة أمد المواجهة واستنزاف خصومها عبر تكتيكات غير تقليدية، فقد تحقق مكاسب تتعلق بتعزيز الردع طويل الأمد وتكريس نفوذها الإقليمي.

إلى أين تتجه المواجهة؟

حتى اللحظة، تبدو المواجهة أقرب إلى صراع إرادات طويل النفس، حيث يختبر كل طرف حدود الآخر دون كسرها. ويظل سيناريو "عضّ الأصابع" هو الأقرب، لأن "كسر العظم" يعني الدخول في حرب شاملة لا مصلحة واضحة لأي طرف فيها.

لكن طبيعة الشرق الأوسط، وتراكم الأزمات، وحساسية التوازنات، تجعل احتمال الانزلاق قائمًا دائمًا. فاللعبة الاستراتيجية بين الأطراف تحمل مخاطر متراكمة، وقد تتحول أي شرارة غير محسوبة إلى مواجهة واسعة.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك الأطراف قنوات ردع كافية وآليات احتواء تمنع التحول من إدارة الصراع إلى انفجاره الكامل؟ أم أننا نقترب من لحظة تتجاوز فيها التهديدات حدود السيطرة، وتفرض مرحلة "كسر العظم" نفسها على الجميع؟


اقرأ أيضاً:

هجوم أمريكي «إسرائيلي» مكثف على إيران.. وطهران تتوعد بـ«الرد الساحق»


الحرب على إيران.. الأهداف والتداعيات والتوجهات





الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة