بالتزامن مع «اليوم العالمي للسياحة».. صعود لافت لـ«السياحة الحلال»
بالتزامن مع «اليوم
العالمي للسياحة» (27 سبتمبر من كل عام)، يشهد قطاع السياحة العالمية تحولًا
لافتًا تعززه الإحصاءات والأرقام لصالح صعود «السياحة الحلال» أو «السياحة
الإسلامية الصديقة»، التي انتقلت في السنوات الماضية من كونها شريحة متخصصة إلى
أحد أبرز محركات النمو في صناعة السياحة العالمية.
«السياحة
الحلال» مصطلح اقتصادي رائج يشير إلى «قطاع سفر يتيح للعائلات والأفراد المسلمين
قضاء عطلاتهم في بيئة تحترم القيم والتعاليم الإسلامية»، ولا يرتبط بالضرورة
بالسياحة الدينية.
ويرى مختصون أن
المستقبل في صالح صعودها، وتتصدر ماليزيا قائمة الوجهات الصديقة للمسلمين، تليها
إندونيسيا وتركيا والسعودية، وجاءت قطر والكويت وعُمان ضمن المراكز العشرة الأولى،
فيما تسعى مصر إلى تعزيز حضورها.
مسار سياحي يتمدد بقوة
من جانبه، يؤكد
الخبير الاقتصادي عبدالحافظ الصاوي، في حديث لـ«المجتمع»، أن سوق «السياحة الحلال»
تشهد صعودًا متزايدًا في سوق السياحة العالمية، مدفوعة بالزيادة السكانية للمسلمين
الذين يتجاوز عددهم ملياري نسمة من إجمالي 8 مليارات نسمة حول العالم، وما يرافق
ذلك من متطلبات عقائدية وثقافية تفرض نفسها على سلوك المستهلكين، موضحًا أن
المحددات الدينية والعادات والتقاليد تعد من أهم عوامل التوجيه الاقتصادي للطلب
على الخدمات السياحية.
سوق إسلامية تعزز حضورها في الخريطة
السياحية العالمية
ويشير إلى أن
امتناع السياح المسلمين عن تناول لحوم الخنزير وشرب الخمر والاختلاط غير المشروط
دفع المنشآت السياحية الدولية إلى توفير بيئات خادمة وملائمة لهذه الشريحة
الواسعة، موضحًا أن دولتين ضمن قائمة أبرز 10 مقاصد سياحية عالميًا هما دولتان
إسلاميتان؛ وهما تركيا وماليزيا، لافتًا إلى أن تركيا استقبلت نحو 60 مليون سائح
وحققت عوائد سياحية تجاوزت 65 مليار دولار؛ ما دفع هذه الدول إلى الحرص على دمج
منتجات «السياحة الحلال» ضمن باقاتها السياحية الثقافية والترفيهية.

عبدالحافظ الصاوي
ويضيف الصاوي أن
مفهوم السياحة الحلال لم يقتصر على الجانب الترفيهي، بل امتد ليتضمن «السياحة
الطبية»، حيث برزت الحاجة إلى منشآت صحية تتيح الفصل والتخصص بين الجنسين في كوادر
الرعاية الطبية، تلبيةً لرغبات المرضى المسلمين وتجنبًا للحرج الشرعي.
ماليزيا تتصدر قائمة الوجهات مع تقدم لكل
من قطر وعُمان والكويت.. ومصر تسعى لتعزيز حضورها
ويوضح أنه
بالتحليل، فإن الاقتصاد العالمي يخضع لآليات العرض والطلب بعيدًا عن العاطفة،
مشددًا على أن النمو المتواصل والتوسع الاستثماري في قطاعات الاقتصاد الإسلامي
المختلفة، كالمصارف والتأمين التكافلي والأزياء والسياحة، يعكس استجابة حقيقية
لسلوك استهلاكي يفرض نفسه بقوة على الخريطة الاستثمارية الدولية.
مصدر القوة الأساسي والوجهات الرائدة
ويستند نمو سوق
السفر الإسلامي إلى قاعدة سكانية عالمية ضخمة تتجاوز ملياري مسلم، مع توقعات
بزيادتها، بما يجعل هذه الكتلة محركًا مهمًا للطلب السياحي، إلى جانب تنامي الدخول
والقدرة على الإنفاق لدى شرائح واسعة من المسافرين المسلمين، خصوصًا في آسيا ودول
الخليج.
وعلى مستوى
الوجهات غير الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، تتصدر سنغافورة القائمة، تليها
المملكة المتحدة وهونج كونج وتايوان وتايلاند والفلبين، فيما تستحوذ آسيا على
الحصة الأكبر من حركة السفر الإسلامي، إذ استقبلت قرابة 128 مليونًا من أصل 196
مليون وصول عالمي في 2025م، وفق بيانات «مؤشر السفر الإسلامي العالمي» لعام 2026م.
هذا النمو دفع
مصر، التي تتمتع بكتلة سكانية مسلمة كبيرة وموقع جغرافي مهم في الشرق الأوسط، إلى
الإعلان في أغسطس الماضي عن تعزيز المقومات التي تؤهلها لتنمية سوق السياحة
الحلال، وذلك عبر تدريب العاملين في قطاعي السياحة والضيافة على مواصفات دولية
للخدمات والمطاعم، وفق بيان رسمي.
الصاوي: تنامي الطلب يوسع السوق
ورصدت دراسة
أكاديمية مصرية حديثة النمو المتزايد للسفر الإسلامي عالميًا، وامتلاك مصر مقومات
تؤهلها لتنمية نمط السياحة الحلال، من خلال استقصاء آراء 261 من العاملين في قطاع
السياحة المصري، شملت جهات ووزارات، ومؤسسات سياحية وفندقية وأكاديمية.
الفطرة والقيم والعادات
بدوره، يرى
الخبير السياحي والأثري د. مجدي شاكر، في حديثه لـ«المجتمع»، أن نمو نمط السياحة
الحلال يعكس تنامي الطلب العالمي على هذا النوع من السياحة، خاصة أن العالم بعد
جائحة كورونا بدأ يعود إلى «الفطرة»، مع زيادة الاهتمام بالخصوصية، والمساحات
العائلية، والحفاظ على المسافات الاجتماعية، موضحًا أن النمو كذلك يرتبط بعوامل
اقتصادية واستجابة مباشرة لاحتياجات السوق، بالتوازي مع صعود أنماط أخرى، من بينها
العودة إلى الطبيعة، والسياحة البيئية، والسفر الذي يركز على الابتعاد عن
التكنولوجيا.
شاكر: الخصوصية والقيم تعززان جاذبيتها
ويضيف أن مصر،
إلى جانب دول عربية مثل الكويت وقطر، تمتلك فرصًا لتعزيز حضورها في سوق السياحة
الحلال، في ظل توافق الثقافة والعادات مع متطلبات هذا النمط، وما يرتبط به من رغبة
في العودة إلى الفطرة السوية، والمحافظة على القيم والعادات، والبحث عن الهدوء.

د. مجدي شاكر
حجم السوق والإنفاق الاقتصادي
سجلت أعداد
الوصولات الدولية للمسافرين المسلمين نحو 196 مليون وصول في عام 2025م، بنمو سنوي
بلغ 11.3%، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 208 ملايين في 2026م، وفق أحدث بيانات
«مؤشر السفر الإسلامي العالمي» الصادر عن «كريسنت ريتينج» بالتعاون مع
«ماستركارد».
وتشير أحدث
إسقاطات المؤشر إلى وصول عدد الوصولات الدولية للمسافرين المسلمين إلى نحو 262
مليونًا بحلول عام 2030م، بالتزامن مع نمو متوقع في الإنفاق على السفر.
ولا يقتصر الأثر
الاقتصادي لهذا النمو على أعداد المسافرين، بل يمتد إلى قطاعات الضيافة والطعام
والنقل والتجزئة والخدمات الرقمية، مع تنامي الطلب على الفنادق والمطاعم والمرافق
التي تراعي احتياجات المسافرين المسلمين.
وبلغ إنفاق
المسلمين على السفر الإسلامي أو الصديق للمسلمين نحو 217 مليار دولار في 2023م،
قبل أن يرتفع إلى نحو 249 مليار دولار في 2024م.
وتشير التوقعات
إلى وصول الإنفاق إلى نحو 384 مليار دولار بحلول عام 2028م، بمعدل نمو سنوي مركب
يبلغ 12.1%، وهو أعلى معدل نمو بين قطاعات الاقتصاد الإسلامي، فيما قد يرتفع إلى
نحو 424 مليار دولار بحلول عام 2029م، وفق «تقرير حالة الاقتصاد الإسلامي العالمي
2025- 2026م».
كما تشير
تقديرات إلى أن سوق السياحة الحلال بمعناها الأوسع بلغت نحو 300 مليار دولار في
2025م؛ ما يعكس اتساع قاعدة الطلب ويفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات في
البنية التحتية السياحية والخدمات والمنتجات الموجهة للمسافرين المسلمين، ويعزز
حضور هذه السوق ضمن خريطة الاقتصاد السياحي العالمي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً