كيف حول 7 أكتوبر «إسرائيل» إلى دولة منبوذة؟

محمد العودات

26 أكتوبر 2026

75

شبان يحتفلون فوق دبابة عسكرية إسرائيلية مدمرة

عاشت «إسرائيل» 8 عقود وهي تقدم نفسها وشعبها كضحية اضطهاد معاداة السامية، كما كانت تقدم نفسها على اعتبار أنها طليعة المشروع الغربي الحضاري في منطقة الشرق الأوسط، وطالما تحدث قادتها بفخر أنهم الدولة الديمقراطية الوحيدة في محيط يموج بالاستبداد والدكتاتورية.

بقيت هذه الصورة يصدرها الإعلام «الإسرائيلي» والغربي لدولة «إسرائيل» حتى جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتقلب المشهد الإعلامي وتتبدل الصورة، وتتحول «إسرائيل» من ضحية إلى جلاد، ومن طليعة مشروع حضاري للغرب إلى دولة مارقة مارست الإبادة الجماعية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ على مرأى العالم وسمعه ونقلت إبادة القرن بالصوت والصورة.

الشعوب والمؤسسات الأممية تنتفض ضد جرائم «إسرائيل»

رغم العلاقات والدعم الأمريكي اللامحدود للحكومة اليمينية «الإسرائيلية» في الحرب، فإنه في أمريكا وكندا سُجل أكثر من 6 آلاف فعالية ضد الحرب على غزة، كما سُجل في دول الاتحاد الأوروبي حتى نهاية الحرب أكثر من 68 ألف فعالية ضد جرائم الحكومة «الإسرائيلية» شملت 818 مدينة أوروبية.

كما امتدت الاحتجاجات لتشمل أمريكا الجنوبية التي وصلت الفعاليات فيها ضد جرائم الحكومة «الإسرائيلية» إلى 450 فعالية، وفي أفريقيا أكثر من 6500 فعالية، وفي العالم العربي خرجت آلاف الفعاليات ضد الجرائم «الإسرائيلية» تركزت في اليمن والأردن ودول المغرب العربي، ليبلغ عدد الفعاليات والأنشطة تضامناً مع غزة أكثر من 100 ألف فعالية حول العالم بعض هذه الفعاليات وصفت بالمليونية.

لم يقف الأمر عند الفعاليات الشعبية، إذ بدأت المؤسسات الدولية تضيق ذرعاً بممارسات «إسرائيل»، فرأينا كيف تحركت المحكمة الجنائية الدولية ضد أعضاء الحكومة وسطرت مذكرات جلب بحق 7 شخصيات «إسرائيلية» أبرزهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع.

وتم منح جائزة «نوبل» للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي التي ترأست اللجنة الدولية التابعة للأمم المتحدة للتحقيق بشأن الإبادة الجماعية في غزة، التي خلصت في تقريرها إلى أن دولة «إسرائيل» ورئيس وزرائها نتنياهو تورطا في الإبادة الجماعية في غزة، التي مثلت البنية التحتية والأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة الجنائية الدولية في قرارها في اعتقال نتنياهو، ووزير الدفاع، بجرائم الإبادة الجماعية.

كما قدم بعض أعضاء مجلس الأمن 6 مشاريع قرارات تخص الحرب على غزة، واتخذت الأمم المتحدة مجموعة من القرارات؛ أهمها في عام 2024م الاعتراف بأهلية فلسطين للعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وقرار بإنهاء الاحتلال طالبت فيه «إسرائيل» بإنهاء وجودها العسكري في الأراضي الفلسطينية بناءً على رأي محكمة العدل الدولية.

دول وقادة ينبذون ممارسات الحكومة «الإسرائيلية»

في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم 193 دولة، انسحب بشكل مباشر 77 وفداً دولياً ولم يتبقَّ في القاعة إلا 20 وفداً دولياً فقط، بينما باقي الوفود لم تحضر إلى الجلسة من الأساس أو جزء منها غاب مقاطعاً للحضور، نحن نتحدث عن 75% من وفود العالم التي حضرت الجلسة رفضها الاستماع إلى كلمة نتنياهو، التي دفعته في انفعال إلى مهاجمة الوفود المنسحبة ووصفها بالجبانة!

كما بدأ قادة دول الاتحاد الأوروبي في الدخول في صراع مباشر مع حكومة نتنياهو، أوضحها العلاقة المتوترة بين إسبانيا و«إسرائيل»، وأبرز مظاهر هذا التوتر تخفيض التمثيل الدبلوماسي وسحب السفراء بين البلدين، والاعتراف الإسباني بدولة فلسطين، والتوتر السياسي والإعلامي بين البلدين على لسان رئيس الوزراء الإسباني سانشيز على خلفية الانتقادات الحادة للأخير لعمليات الإبادة الجماعية في غزة.

أما في بريطانيا، فقد شهدت العلاقات تحولاً كبيراً من التحالف مع «إسرائيل» إلى توتر وتحولات كبيرة في العلاقة معها، تمثلت في تقييد مبيعات الأسلحة إلى «إسرائيل» بعد قناعات بريطانية بإمكانية استخدام هذه الأسلحة في انتهاك القانون الدولي الإنساني في غزة، كما تحولت بريطانيا من حالة الامتناع عن التصويت على القرارات التي تصدر ضد «إسرائيل» في الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى التصويت وتأييد تلك القرارات والاعتراف بدولة فلسطين، وبروز انتقادات بريطانية كبيرة للحكومة «الإسرائيلية» بعرقلة إيصال المساعدات الإنسانية، والأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد بين بريطانيا و«إسرائيل».

وفي فرنسا، فقد بدأت التوترات الفرنسية «الإسرائيلية» أكثر أهمية، حيث تم الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية في عام 2025م ودعم مسار حل الدولتين، كما قام الرئيس الفرنسي بالدعوة إلى منع تصدير السلاح والمعدات العسكرية المستخدمة في العمليات العسكرية في الحرب على غزة، التي وصفها نتنياهو بالعار، كما منع الرئيس الفرنسي الشركات «الإسرائيلية» من المشاركة في المعارض العسكرية الدولية المقامة في باريس.

أما على المستوى الأمريكي، فتوجهات «جيل زد» أظهرت استطلاعات الرأي أن 70% منهم متعاطفون بشكل أكبر مع الشعب الفلسطيني ويطالبون بوقف الدعم العسكري لـ«إسرائيل» وتطبيق العقوبات على القادة العسكريين وعدم توفير الحماية والحصانة لهم، كما أنهم قادوا حراك الجامعات الأمريكية في عام 2024م ضد السياسات الأمريكية الداعمة لـ«إسرائيل».

فالتحولات الشعبية الكبيرة لدى الشباب الأمريكي دفعت المرشح الجمهوري لولاية ميشيغان للخوف أن يضر إعلان دعم «أيباك» له بفرصه في الفوز؛ ، والأهم حساسية الشارع في ميشيغان تجاه الدعم المالي المرتبط بـ«إسرائيل»، فتحول دعم «أيباك» من أهم المحاور الأساسية للفوز إلى عبء انتخابي أصبح المرشحون يحاولون التبرؤ منه أو التعامل معه بالخفاء، كما كان موقف زهران ممداني الداعم للحقوق الفلسطينية ورفض الحرب على غزة عاملاً مهماً لنجاحه، انعكست الصورة وأصبح دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه عاملاً مهماً في انتخاب الجماهير للقيادات السياسية.

الأهم من كل ذلك موقف أوباما الأخير من «إسرائيل»؛ إذ اتهم «إسرائيل» بأنها أخذت أراضي السكان الأصليين -ويقصد الفلسطينيين- بالقوة، وأنها فقدت الأرضية الأخلاقية باعتمادها المفرط على القوة دون تقديم أفق سياسي، وأن سياسة الحكومة نوعٌ من الجنون الذي لن يحقق أمناً حقيقياً ومستداماً.

الاستمرار بعزلة «إسرائيل»

بعد كل تلك المكتسبات السياسية للقضية الفلسطينية أخطر ما يمكن أن يلحق الضرر بالقضية الفلسطينية وضحايا الإبادة الجماعية في غزة هو أن يتم تصوير المشكلة فقط في الحكومة «الإسرائيلية»، ويتم غسل كل عار الإبادة الجماعية عن «إسرائيل» بمجرد تبديل الحكومة «الإسرائيلية» وغياب قادتها المتطرفين عن المشهد السياسي والإعلامي.

ليست الحكومة «الإسرائيلية» وحدها هي من ارتكبت الإبادة الجماعية في غزة، بل هناك جيش وأجهزة استخبارات وساسة وإعلاميون وداعمون ارتكبوا وساهموا بارتكاب هذه الجرائم.

التخلص من الحكومة «الإسرائيلية» وحده لا يكفي لمحو آثار عار إبادة القرن الجماعية في غزة، وإنما يمكن التخفيف من آثارها باعتراف كل دول العالم بدولة فلسطينية، وتعويض ضحايا الإبادة الجماعية وذويهم، والسماح بإعادة إعمار غزة، ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.

والأهم من كل ذلك تقديم كل متورط من قادة الكيان الصهيوني بتلك الإبادة إلى المحاكم الدولية لينالوا الجزاء العادل وفقاً لقواعد القانون الدولي، حتى لا يفلت مجرم حرب من العقاب وتتكرر تلك المأساة الإنسانية من جديد، سواء مع الشعب الفلسطيني أو مع أي شعب آخر.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة