الغفلة عن العدو والحصاد المر.. شواهد من التاريخ الإسلامي
قد تنشأ الغفلة
من ذهول العقل عن حقائق الواقع، لقصور في قدرته عن إدراكها، وقد تنشأ عن اضطراب
الأولويات في العقل، فيجذب بعضها الانتباه عن خطورة بعض، وقد يأتي اضطراب الأولويات
من قصور الإدراك، أو غموض التراتبية، وقد يكون من مهارة الأعداء، وقدرتهم على
الخداع وتشتيت الغافل، وصرف النظر عن مواطن الخطر.
وقد ذرأ الله
لجهنم جماعات من خلقه الجامع بينها هو الغفلة التي عطلت حواس الإدراك عن العمل،
فجعلتهم أضل من الأنعام، قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ
لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا
وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: 179).
وما سقطت أمّةٌ
لأن عدوّها أقوى فحسب، بل قد تكون غافلة عن خططه حتى بلغ منها مبلغه، وقد جعل
القرآن هذه الحقيقة قاعدةً في الصراع؛ (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ
وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً) (النساء: 102)؛
فأوجب الحيطة حتى في صلاة الخوف.
فالعدوّ يتربّص، ورأسُ ماله غفلتك، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا) (النساء: 71)، وحذّر من الركون إلى الخصوم فقال: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) (آل عمران: 118)، وقال: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: 217).
وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «لا يُلدغ المؤمنُ من جُحرٍ واحدٍ مرّتين» (متفق عليه)، وقال:
«الحربُ خدعة» (متفق عليه)، وهو القائل يوم «الخندق»: «من يأتيني بخبر القوم؟» (متفق
عليه)، فاستطلاع خبر العدوّ فرض لازم، وسُنّةٌ ماضية، وإهماله تفريط فيهما.
سقوط الدولة الأموية.. جمرٌ تحت الرماد ونذارة متأخرة
لم تسقط دولةُ
بني أمية في دمشق بضربة مفاجئة، بل كانت الدعوة العباسية تعمل في الخفاء عقودًا،
وكان الخلفاء منشغلين بالخوارج والصراع القيسي اليماني وفتن البيت الأموي نفسه منذ
مقتل الوليد بن يزيد، وقد أحسّ والي خراسان نصرُ بن سيّار بالخطر، فكتب إلى
الخليفة مروان بن محمد يستنجده، ويقول:
أرى خللَ
الرمادِ وميضَ جمرٍ ويوشكُ أن يكونَ له ضِرامُ
أقولُ من
التعجّبِ: ليتَ شعري أأيقاظٌ أميّةُ أم نيامُ!
فلم يُغنِ
التحذير، ثم قُتل الخليفة بعد هزيمته أمام جيش العباسيين سنة 132هـ، وانتهى حكمٌ
دام نحو 90 عاماً، وكان الجمر يتوهّج أمام عيونهم، وهم منشغلون بإطفاء حرائق
جانبية.
أأيقاظ أم نيام؟
كان تساؤل نصر بن سيار مزيجاً من الدهشة والاستنكار والعجب، بينما كان ابن هانئ
الأندلسي ينشد مزهوًا أبياتًا للمعز لدين الله الفاطمي (العبيدي) بعد الاستيلاء
على مصر:
تقول بنو
العباس: هل فُتحتْ مصر؟
فقل لبني
العباس: قد قضي الأمر!
بين الغفلة والخيانة
ثم ضربت الغفلة
والحماقة أواخر الفاطميين (العبيديين) حين أجلب الصليبيون بجيوشهم إلى الشرق،
وأرسل وزيرهم الأفضل الجمالي سفارة إلى بواكير الصليبيين الذين يستهدفون بيت
المقدس؛ يعرض عليهم أن يكونوا يداً واحدة ضد السلاجقة السُّنة الذين يسيطرون على
الشام، فيقتسموها معًا.
فلا عجب أن لقيت
سفارته استهانة ممن جاؤوا ليزيحوا الإسلام قاطبة، ثم كانت العاقبة أن خسر المسلمون
جميعًا؛ سُنة وشيعة، الشام جميعه!
وفي تاريخ
الأندلس دروس من تبعات الغفلة حتى سقطت! فلما فرّ ألفونسو من أخيه سانشو لجأ إلى
طليطلة في كنف المأمون بن ذي النون، فأقام بين أهلها يعاين حصونها، ومداخلها،
وثغرات ضعفها، وقد أمِنوه عن غفلة وسفاهة رأي، فلما عاد إلى بلده أخذ يعد العدة
لاحتلال المدينة التي آوته، ثم فرض عليها الحصار وسقطت سنة 478هـ.
الغفلة والخيانة تمتزجان في سقوط بغداد
وإذا كانت مأساة
سقوط طليطلة تجسد غفلة الحكام المسلمين، وخيانة ملوك الإسبان، فإن سقوط بغداد تصور
غفلة الخليفة وخيانة الوزير، حتى دخلها المغول سنة 656هـ، وقتلوا بها زهاء مليون
مسلم، وأبادوا 50 ألفًا؛ هم كل مقاتليها، وتجرع آخر الخلفاء العباسيين المستعصم
مرارة الهزيمة ثم القتل، نتاج غفلته، وهو يُقلّص الجند، ويُنفق المال ويستمع إلى
نصيحة وزيره الخائن ابن العلقمي، بينما تصم أذنيه حوافر خيل هولاكو.
الغفلة في تاريخنا المعاصر
اتخذت الغفلة في
العصر الحديث المسارات نفسها؛ ثقة بوعود الخصم، وتسلّلاً إلى مواقع القرار،
وقيادةً تُسلَّم لمن لا يُؤتمن، وقد قال الله تعالى: وقال: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي
وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، (الممتحنة: 1).
استغل فرديناند
ديلسبس حسن النية الظاهر لأحمد عرابي قائد الثورة المصرية عام 1882م، ومنَّاه بأن
القوى الكبرى ومنها بريطانيا ستحافظ على حياد القناة في وقت الحرب، حسبما يقرر
القانون الدولي بشأن الممرات المائية الدولية، فصدّقه ولم يُغلقها، فمرّ الأسطول
البريطاني منها وأنزل جنوده، وانتهت المعركة، وبدأ احتلالٌ دام 70 عامًا.
لم يأخذ عرابي
درس التاريخ مأخذ الجد، إن كان قد وعاه حقًا، فكان جزاؤه النفي سنوات، ثم عاد إلى
مصر حوالي سنة 1903م ليعيش مغمورًا في إحدى حواري حي السيدة زينب حتى مات سنة
1911م.
وتبادل الشريف
حسين رسائل مع السير هنري مكماهون (1915-1916م) فهم منها أن العرب سينالون
استقلالهم بعد الحرب، وسيصبح هو خليفة عربيًا يحكم دولة عاصمتها مكة المكرمة،
فأعلن الشريف حسين الثورة على الدولة العثمانية سنة 1916م بينما كانت بريطانيا
وفرنسا قد اقتسمتا بلاد العرب سرًا في اتفاقية «سايكس بيكو» عام 1916م، ثم صدر «وعد
بلفور» عام 1917م الذي أعطى اليهود حق احتلال فلسطين.
ولم يعلم العرب
بالاتفاقية إلا لما نشرتها الحكومة البلشفية، فلما علم الشريف حسين بها أرسل يسأل
حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا عن ذلك، فنفت صحة الخبر! وجنى الشريف حسين خيبات
الأمل سريعًا، ولعله سمع صرخة اللورد اللنبي يوم دخل القدس الشريف في 11 ديسمبر
1917م: «الآن انتهت الحروب الصليبية».
ولما رفض الحسين
الاعتراف بالانتداب وبـ«وعد بلفور» قطعت بريطانيا إعانته، ونفته إلى قبرص عام 1926م،
فلما ساءت حالته الصحية عاد إلى الأردن، حيث مات بعد أيام عام 1931م.
وتكررت مأساة
تصديق وعود العدو مع الملك فيصل بن الشريف حسين، لما أنذره القائد الفرنسي الجنرال
غورو بحلّ جيشه وقبول الانتداب، فقبل الإنذار، وسرّح الجنود، ثم زحفت القوات
الفرنسية رغم ذلك على دمشق، فخرج يوسف العظمة بمن بقي معه يدافع عنها، حتى سقط
شهيدًا في ميسلون عام 1920م.
وفي حرب عام
1948م خاضها الجيش الأردني مع بقية الجيوش العربية المشاركة، كان يقوده جلوب باشا،
ذلك الضابط البريطاني الذي أصبح يحارب عصابات الصهاينة -ربيبة بريطانيا -الذين
أسسوا دولتهم بناء على «وعد بلفور» الذي أصدرته حكومة بريطانيا نفسها!
فلا عجب أن
تساقطت المدن العربية، وتهاوت الجيوش التي انتدبت لحمايتها، فأسلمت زمامها لخائن
أو جاهل غرير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأممُ أن تَداعى عليكم
كما تداعى الأَكَلةُ إلى قَصعتها»، فالدواء أن يكون للأمة علم بالخصم، ويقظة
للثغور، ووحدة في الصف، وأذن تسمع النذير قبل أن يصير الجمرُ نارًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً