فقه العطاء الخالص
الربيع بن خثيم.. حين يتحرر الإحسان من انتظار شكر الناس
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، عن الأعمش، عن منذر الثوري: «أن الربيع أخذ يطعم مصابًا خبيصًا(1)،
فقيل له: ما يدريه ما أكل؟ قال: لكن الله يدري»(2).
ليس كل موقف من
أخبار الصالحين يُقرأ باعتباره حادثة عابرة، فبعض المواقف تختزن رؤية كاملة
للإنسان والحياة والعمل الصالح، وهذه القصة الموجزة عن الربيع بن خثيم تكشف عن
طبقة عميقة من الوعي الإيماني؛ إذ لم يكن السؤال الحقيقي: هل أدرك هذا الرجل قيمة
الطعام الذي قُدّم إليه؟ بل كان السؤال الأعمق: لمن يُقدَّم العمل أصلًا، ولمن
تُقاس قيمته؟
وتجري هذه
الحادثة في بيئة الكوفة خلال القرن الأول الهجري، وهي مدينة عُرفت بتنوعها العلمي
والاجتماعي، واحتضانها لجيل من كبار الصحابة والتابعين، كما شهدت في الوقت نفسه
تحولات حضارية جعلت قضايا المال والعطاء والمكانة الاجتماعية أكثر حضورًا في حياة
الناس، وفي هذا السياق يظهر الربيع بن خثيم، أحد كبار العباد والزهاد من التابعين،
تلميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، نموذجًا لإنسان أعاد ترتيب الأولويات؛ فجعل
نظره متوجهًا إلى علم الله قبل نظر الناس.
حين يغني علم الخالق عن اعتراف المخلوقين
تكمن قوة موقف
الربيع بن خثيم في أنه نقل مفهوم الإحسان من دائرة التعامل مع البشر إلى دائرة
المراقبة الإلهية، فالعطاء في نظر كثير من الناس يرتبط عادة بردة فعل المتلقي: هل
شكر؟ هل عرف قيمة ما أُعطي؟ هل استطاع أن يقدّر الجهد المبذول؟
أما الربيع بن
خثيم فقد تجاوز هذا التصور كله بجملة قصيرة: «لكن الله يدري»، وهذه العبارة ليست
مجرد جواب على اعتراض، بل هي قاعدة معرفية كاملة؛ فالعمل الصالح لا يستمد قيمته من
وعي المخلوق به، وإنما من علم الخالق بنيته وحقيقته.
وهذا المعنى
يتجلى في قوله تعالى: (إِنَّمَا
نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)
(الإنسان: 9)؛ فإذا كان العمل الصالح يُبتغى به وجه الله، فإن قيمته لا
تتوقف على ما يعود إلى صاحبه من جزاء أو شكر من الناس، بل على الغاية التي وُجِّه
إليها.
ومن هنا يظهر أن
أعظم ما في موقف الربيع بن خثيم ليس قيمة الطعام وحدها، بل تحرير القلب من الحاجة
إلى الاعتراف، ويتأكد هذا المعنى في التحذير من المنِّ بالعطاء؛ إذ إن اقتران
العطاء باستحضار فضل المعطي وطلب الاعتراف به يناقض كمال الإحسان، ولذلك جاء
التحذير النبوي: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ
الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ»(3)، فالمشكلة ليست
في العطاء، وإنما في أن يرتبط العطاء باستحضار الفضل وطلب الاعتراف به؛ وبذلك
يتأكد أن كمال الإحسان أن يبقى العمل لله، لا رهينًا بما يقوله الناس عنه أو
يقدمونه لصاحبه من تقدير.
لماذا يُقَدَّم نفيس الطعام لمن يجهل قدره؟
كان الخبيص من
الأطعمة النفيسة في ذلك العصر، وهو طعام يرتبط بالنعمة والرفاهية، ولذلك جاء
اعتراض من حول الربيع مبنيًا على منطق نفعي: لماذا يُقدَّم الشيء الثمين لمن لا
يميز بين الجيد وغيره؟
لكن هذا السؤال
يكشف عن تصور محدود لمعنى القيمة؛ فالقيمة في المنظور الإيماني لا تُقاس فقط بقدرة
الإنسان على التذوق أو التعبير عن الامتنان، وإنما بكونه مخلوقًا مكرمًا له حق
الرعاية والإحسان، ويؤصل القرآن لهذا المعنى في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ
حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: 8)؛ فالمعيار هنا ليس
قدرة المحتاج على تقدير ما يُقدَّم إليه، وإنما وصول الإحسان إلى من هو في حاجة
إليه.
ويتجاوز الإحسان
في صورته الكاملة مجرد تقديم الطعام إلى بذل ما يحبه الإنسان ويعدّه نفيسًا؛ ولذلك
يقول تعالى: (لَنْ تَنَالُوا
الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: 92)، فكلما كان
الشيء أعزَّ على النفس، كان بذله أبلغ في التعبير عن حقيقة الإحسان؛ ومن هنا تتضح
دلالة إطعام الربيع بن خثيم المصابَ خبيصًا، إذ لم يجعل قيمة الطعام مرتبطة بقدرة
متلقِّيه على معرفة قدره.
ويؤكد هذا
المعنى في التطبيق موقف ابن عمر رضي الله عنهما، حين اشتهى العنب، فابتاعته له
صفية، فجاء سائل فأعطاه إياه، ثم اشترت له غيره، فجاء السائل فأعطاه إياه أيضًا(4)؛
فلم يجعل ابن عمر قيمة العطاء رهينةً باحتفاظه بما اشتهى، ولا بقدرة الآخذ على
إدراك قيمته، وإنما آثر أن يصل ما أحبه إلى المحتاج.
وهكذا لا يقف
الإحسان عند سد الحاجة، بل يمتد إلى إكرام المحتاج بما يطيب للنفس بذله، فيتحول
العطاء من مجرد تقديم ما يكفي إلى صورة من صور التفضل والإيثار.
وفي واقع الناس
اليوم يظهر هذا المعنى في طريقة تعامل المؤسسات والمجتمعات مع الفئات الأضعف؛
فالرعاية الحقيقية لا تعني تقديم الحد الأدنى فقط لمن لا يستطيع المطالبة بحقه، بل
تعني أن معيار الجودة هو أخلاق مقدم الخدمة لا قدرة المستفيد على التقييم.
حين ينهي اليقين الداخلي الحاجة للتبرير المستمر
من الزاوية
النفسية، يكشف الموقف عن شخصية تمتلك درجة عالية من الاستقرار الداخلي، فالإنسان
قد يتراجع عن فعل الخير إذا شعر أن الآخرين لا يفهمونه، أو إذا واجه سؤالًا يشكك
في جدوى عمله.
أما الربيع بن
خثيم فلم يدخل في جدال طويل، ولم يحاول الدفاع عن ذاته، ولم ينشغل بإقناع الحاضرين
بفضله، لقد اختصر الطريق بالرجوع إلى الأصل: الله يعلم.
وهذا نوع من
النضج النفسي؛ لأن صاحبه لا يجعل تقييم الآخرين هو المحرك الأساسي لسلوكه، ويعبّر
الحسن البصري عن هذا المعنى بقوله: «إن المؤمن قوَّام على نفسه يحاسب نفسه لله»(5)؛
فاستقرار الإنسان الداخلي يبدأ من قدرته على مراجعة نفسه وتقويمها، دون أن يجعل
حكم الآخرين هو المعيار الذي يوجّه سلوكه.
ويؤكد هذا
المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ
لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ»(6)؛ فمَن جعل محاسبة نفسه ومآله إلى الله
ميزانًا لسلوكه، لم يعد محتاجًا إلى الانشغال المستمر بنظرة الناس إليه أو إلى
الدفاع عن صورته أمامهم، وهي الصورة التي جسدها الربيع في موقف عملي.
وفي حياة الأسرة
والعمل والدعوة يظهر أثر هذا النضج حين يواصل الإنسان أداء ما عليه من خير، ولو لم
يجد استجابة فورية أو تقديرًا من الآخرين؛ لأنه يستمد دافعه من محاسبته لنفسه
واستحضاره لغاية عمله.
حين يتقدم الموقف العملي على الخطب الطويلة
لم يكن الربيع
بن خثيم صاحب منصب سياسي أو قيادة إدارية، لكنه مارس نوعًا آخر من القيادة: قيادة
المعنى.
فالقيادة
الحقيقية لا تبدأ دائمًا بالأوامر، بل تبدأ بإعادة تشكيل المعايير، وقد أعاد
الربيع بن خثيم بهذا الموقف تعريف السؤال الأخلاقي: ليس المهم فقط من يستحق في نظر
الناس، بل كيف ينظر الله إلى العمل، وهذا ما يتجلى في وعي القائد بأثر سلوكه فيمن
حوله؛ فقد عوتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه في لبسه الثياب الغليظة المرقوعة وهو
أمير المؤمنين، فقال: «ما لكم وللباسي؟ هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي
المسلم»(7)، فكان سلوكه العملي رسالةً يتقدم بها على القول، مدركًا أن
ما يفعله صاحب المكانة قد يتحول إلى نموذج يقتدي به الآخرون.
إن المجتمعات
تتأثر بالنماذج أكثر من تأثرها بالشعارات، وعندما يرى الناس شخصًا يقدم الخير في
موضع لا ينتظر فيه مدحًا ولا منفعة، فإنهم يراجعون تصوراتهم عن قيمة الإنسان ومعنى
العطاء، ويظهر أثر هذه القدوة في القيادة حين يتقدم القائد قومه في تحمل ما يمرون
به؛ فقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة مثالًا عمليًا لذلك،
فامتنع عن أكل السمن واللحم والنعيم ما دام الناس في ضائقة، واكتفى بما يقتات به
عامة الناس، حتى تغير لونه واسودت بشرته(8)، فغدت قيادته مشاركةً
فعليةً في تحمل الشدة، لا مجرد توجيه للناس إلى الصبر عليها.
ولهذا كانت
مواقف العلماء والعباد عبر التاريخ مدرسة تربوية قائمة بذاتها؛ إذ إن السلوك
الصامت قد يكون أبلغ من الخطب الطويلة.
حين تُقاس قيمة الإنسان بعطائه لا بإنتاجه
يعيش الإنسان
المعاصر في عالم يكثر فيه سؤال الجدوى: ماذا سأحصل مقابل ما أقدم؟ وما مقدار
العائد؟ وما حجم التأثير المباشر؟
وهذه الأسئلة
لها مكانها في إدارة الأعمال والمشروعات، لكنها تصبح قاصرة حين تُنقل إلى مجال
الأخلاق والإحسان، فالمنظور الإيماني لا يقيس قيمة العطاء بما يبقى في يد الإنسان،
وإنما بما يبقى له عند الله؛ قال تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل: 96).
فالعمل الإنساني
لا يُقاس دائمًا بالنتائج الظاهرة السريعة، قد يكون أثر كلمة طيبة أو رعاية ضعيف
أو مساعدة إنسان عاجز أكبر مما يتوقعه الناس، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»(9)؛ فالأجر هنا مرتبط بأصل
الإحسان نفسه، ولا يتوقف على قدرة المستفيد على التعبير عن امتنانه أو رد الجميل.
ومن هنا فإن
موقف الربيع بن خثيم يواجه نزعة موجودة في كل عصر؛ تحويل الإنسان إلى قيمة بحسب
قدرته على الإنتاج أو التفاعل، أما المنظور الإيماني فيعيد الإنسان إلى مكانته
الأصلية: مخلوق مكرم يستحق البر والإحسان، وقد تجسد هذا المعنى في سلوك الربيع
نفسه؛ إذ «كان الربيع إذا أخذ عطاءه، فرَّقه وترك قدر ما يكفيه»(10)،
فلم يجعل ما يصل إليه مجالًا للتملك والتراكم، وإنما أخذ حاجته وجعل ما زاد عنها
طريقًا إلى الإحسان.
صدق الموقف يمنح العبارات الموجزة خلودًا تاريخيًا
تتميز إجابة
الربيع بجمال خاص؛ فهي قصيرة لكنها تحمل بناءً فكريًا كاملًا، فلو أراد أن يفصّل
في معنى الإخلاص لطال الكلام، لكنه اختار عبارة مركزة: «لكن الله يدري»، ففي سياقٍ
كان الاعتراض فيه قائمًا على أن هذا الطعام قد يُقدَّم لمن لا يعرف قيمته ولا
يستطيع تقدير ما أُعطي إليه، لم يدخل الربيع في شرح طويل لمعنى الإحسان، ولم يحاول
إقناع الحاضرين بجدوى ما يفعل، وإنما اختصر جوابه في كلمتين، ومن هنا تتجلى بلاغة
جوابه؛ إذ استطاع أن يحمل في لفظ قليل معنى يتجاوز حدود الموقف المباشر إلى قاعدة
أوسع في قيمة العمل الصالح، وهذا اللون من التكثيف هو الذي عبّر عنه النبي صلى
الله عليه وسلم بقوله: «وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ»(11)؛ فليست
قيمة العبارة في طولها، وإنما في قدرتها على حمل معنى واسع بلفظ موجز.
وهذه البلاغة
نابعة من قوة اليقين؛ فالكلمات القليلة تصبح مؤثرة حين تصدر عن تجربة عميقة، فالربيع
لم يكن يجيب عن الطعام وحده، وإنما كان ينقل مركز النظر من تقدير الإنسان إلى علم
الله: قد لا يعرف الآخذ قيمة ما أُعطي إليه، وقد لا يرى الناس جدوى ما يفعله، لكن
الله يعلم العطاء ويعلم قصده، وتتأكد قوة أثرها بصدق اليقين الذي صدرت عنه؛ إذ
يقول زياد بن أبي سفيان: «إذا خرج الكلام من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من
اللسان لم يجاوز الآذان»(12)، فالكلمة التي تصدر عن يقين صادق لا تقف
عند حدود اللفظ، وإنما تحمل من صدق صاحبها ما يمنحها القدرة على التأثير والبقاء.
ومن هنا، فإن
خلود كلمة الربيع لم يكن راجعًا إلى صياغتها الموجزة وحدها، وإنما إلى صدق الموقف
الذي خرجت منه؛ فقد كانت تعبيرًا صادقًا عن يقين عاشه الربيع قبل أن ينطق به،
ولذلك بقيت شاهدة على أن أبلغ الكلمات هي التي يكون وراءها موقف صادق وقلب مستيقن.
كيف ننتقل بالعطاء من المبادرات إلى المسؤولية؟
يحتاج المجتمع
اليوم إلى استحضار هذا المعنى في مجالات كثيرة؛ فالعطاء لا ينبغي أن يبقى سلوكًا
فرديًا متفرقًا، بل يتحول إلى ثقافة يتعاون عليها الناس، وهو ما يؤسسه قوله تعالى:
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى
الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2)، فحين يصبح البر مسؤولية مشتركة،
تتجاوز قيمة العطاء حدود المبادرة الفردية إلى بناء بيئة اجتماعية يتكامل فيها
الناس في رعاية بعضهم بعضًا.
وفي التربية لا
ينبغي أن يُحصر الاهتمام بالطلاب القادرين على التفوق الظاهر فقط، بل يحتاج الضعيف
والمتعثر إلى عناية قد تكون أعظم أثرًا، وقد ظهر هذا المعنى في مدرسة عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه بالكوفة؛ إذ كان إذا رأى الشباب يطلبون العلم يقول: «مَرْحَبًا
بِيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ وَمَصَابِيحِ الظُّلَمِ، خُلْقَانِ الثِّيَابِ، جُدُدِ
الْقُلُوبِ، حُلُسِ الْبُيُوتِ، رَيْحَانِ كُلِّ قَبِيلَةٍ»(13)، فكان
يستقبل طالب العلم بما يشعره بقيمته، ويرى في رعايته واستنهاضه استثمارًا في
مستقبل الجماعة، لا مجرد تعليم فردي عابر، وهكذا لا يكون العطاء التربوي مقصورًا
على نقل المعرفة، بل يمتد إلى اكتشاف الإنسان ورعايته وبناء ثقته بنفسه.
وفي العمل
المؤسسي لا ينبغي أن تُقاس جودة الخدمة المقدمة للفئات المحتاجة بقدرتها على تقديم
المقابل أو التقييم، بل بمستوى القيم التي تحملها المؤسسة، ويتسع مفهوم العطاء هنا
ليشمل كل صورة من صور النفع؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَعْرُوفٍ
صَدَقَةٌ»(14)، فالمؤسسة التي تجعل نفع الإنسان ورعايته جزءًا من
رسالتها لا تنتظر من المستفيد مكافأة حتى تمنحه خدمة كريمة.
وفي الدعوة
والإصلاح يحتاج العاملون إلى تذكر أن بعض أعظم الأعمال قد يتشكل أثرها بالتدرج،
وأن بناء الخير في النفوس والمجتمعات قد يحتاج إلى وقت طويل قبل أن تظهر ثماره، ومن
ثم فإن إعادة بناء ثقافة العطاء تبدأ من تغيير معيار النجاح نفسه: فليس العطاء ما
يلفت الأنظار أو يحقق أثرًا سريعًا فحسب، وإنما ما يضيف خيرًا حقيقيًا إلى حياة
الإنسان، ويُسهم في بناء مجتمع يتعاون أفراده على البر والإحسان.
وختامــــــــــًا: يبقى موقف
الربيع بن خثيم شاهدًا على أن أعظم التحولات تبدأ أحيانًا من إعادة تعريف السؤال، فقد
كان السؤال الظاهر: ما فائدة إطعام من لا يعرف قيمة الطعام؟ فجاء جواب الربيع
ليكشف السؤال الحقيقي: هل نعطي لأن الناس يرون، أم لأن الله يعلم؟
وحين يصبح علم الله هو المعيار الأعلى، يتحرر الإنسان من أسر التقدير البشري، ويصبح عطاؤه أصفى، وكلماته أضبط، وخبيئته أخلص، وقدوته أبلغ، ورعايته أكرم، ونظرته إلى الآخرين أكثر إنسانية ورحمة، وهكذا تتحول مراقبة الله من معنى يستقر في القلب إلى سلوك يظهر في العطاء والكلمة والعمل، وتصبح تجربة الربيع درسًا في بناء الإنسان الذي يخلص لله في سره، ويحسن إلى الناس في علانيته.
الهوامش
- 1 الخَبيص: حلواء تُصنع من التمر والسمن، وتُخلط مكوناتها حتى تتماسك، وهو طعام معروف عند العرب، انظر: لسان العرب: ابن منظور (7/ 20)، تاج العروس: الزبيدي (17/ 542)، المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية بالقاهرة (1/ 216)، مادة «خبص».
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 259 - 260).
- 3 أخرجه مسلم (106).
- 4 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/348/ 7879)، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 220)، وحكم شعيب الأرناؤوط على إسناده بقوله: «رجاله ثقات».
- 5 أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (37943)، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (17).
- 6 أخرجه الترمذي في سننه (2459)، وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه (4260)، وأحمد (17123).
- 7 فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل (1/ 543).
- 8 الطبقات الكبرى: ابن سعد (3/ 247).
- 9 متفق عليه، أخرجه البخاري (2363)، ومسلم (2244).
- 10 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 261).
- 11 أخرجه البخاري (7273)، ومسلم واللفظ له (523).
- 12 جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر (1/ 700).
- 13 المرجع السابق (1/ 231).
- 14 أخرجه البخاري (6021)، ومسلم (1005).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً