من شدِّ الرحال إلى استعادة الوجهة.. حديث المساجد الثلاثة

من شدِّ الرحال إلى استعادة الوجهة.. حديث المساجد الثلاثة

حديث المساجد الثلاثة

حديث جليل جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (رواه مسلم، 827).

هذا الحديث يتردد على ألسنة الخطباء والوعاظ في العصر الحالي كثيراً، ويتناولونه في دروسهم بإلحاح وشرح وبيان، لكن التناول ينحصر في بيان فضيلة هذه المساجد الثلاثة، أو بيان الأحكام المتعلقة بالسفر لها بقصد العبادة، وهذا معنى صحيح، والحديث يعطيه بمفرداته ومفهومه العام، غير أن الاقتصار عليه قد يحجب عن الأنظار معنى آخر لا يقل أهمية، وهو المعنى المتعلق بموقع المسجد الأقصى في وعي الأمة ورسالتها التاريخية، وشهودها الحضاري بين الأمم.

السؤال غير المطلوب

إن الحديث النبوي لا يتحدث فقط عن ثلاثة مساجد متساوية في القداسة، وإن تفاوتت، بل يتحدث عن ثلاثة مراكز كبرى تشكل خريطة مقدسة في الإسلام، فهناك للأمة رسم لحدود المقدسات الدينية التي تنتمي لها، والإرث الحضاري ومجال الانتماء، وهي مساجد ثلاثة صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل منها مكانة سامية.

لقد انشغل الوعاظ والخطباء بسؤال: هل يجوز شد الرحال إلى غير هذه المساجد أم لا؟

وتفرعت مسألة شد الرحال عليه لتأخذ قسطاً هائلاً من الخطب والكتابات والمواعظ، بعضها يحمل الترهيب، بناءً على ظاهر الحديث، وبعضها يحمل الترغيب بناء على توجيه مقصد الحديث!

لكن الذي كان ينبغي أن يُطرح حقاً وتلتف حوله الأقلام والمواعظ والكتابات: لماذا كان المسجد الأقصى واحداً من هذه المساجد الثلاثة؟ وما الرسالة التي رسختها الشريعة، حين جاءت نصوصها تجمع وتقرن «الأقصى» بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، وتجعله مقصدًا تتوجه إليه القلوب والرحال طلباً للعبادة والمثوبة؟

إن اختيار «الأقصى» في هذا السياق النبوي ليس أمراً جاء نسقاً غير مقصود، بل هو تأسيس لمركزيته في وجدان المسلمين؛ حيث تتقرر الهوية، والامتداد الجغرافي؛ لأن ما يأمر الشرع بقصده بهذا القدر من الاهتمام لا يمكن أن يكون ثانوياً أو هامشياً في حياة الأمة.

إن الحديث لا يمنح «الأقصى» فضيلة عبادية فحسب، وإن كانت كافية ومحفزة نحوه، لكن الحديث يمنحه حضوراً دائماً في ذاكرة المسلمين، ويجعل الاهتمام بشد الرحال إليه جزءاً من الانتماء إلى الأمة ومقدساتها وامتداد جغرافية المقدس فيها.

مفهوم يتجاوز حركة السير

يمكن القول: إن شد الرحال في الحديث ليس مجرد حركة ذهاب بالوسائل المتاحة، بل هو قبل ذلك حركة للقلوب والعقول، فالمكان الذي يُطلب من الأمة أن تقصده باستمرار لا يجوز أن يغيب عن اهتمامها، أو أن يتحول إلى ملف ثانوي في وجدانها؛ فأخطر ما يمكن أن يصيب الأمة لا يقتصر على أن تُمنع من الوصول إلى «الأقصى»، بل أن تفقد الشعور بضرورة الوصول إليه، وحتمية استعادته، وأنه واجب أمة من مشرقها لمغربها، لا قومية، ولا منطقة ولا حدود جغرافية تتاخمه، فلا يذبل حضوره في ضميرها حتى يصبح مجرد ذكرى تاريخية أو رمزاً عاطفياً تتجدد مشاعره في المناسبات ثم تنطفئ.

ولعل من المفارقات المؤلمة أن المسلمين اليوم يتداولون الحديث كثيراً بوصفه دليلاً على فضل المسجد الأقصى، لكنهم قد يغفلون عن الدلالة العملية الكامنة فيه، فالحديث لا يريد لـ«الأقصى» أن يكون موضوع معرفة فقط، بل أن يكون موضوع قصد واهتمام، والفرق كبير بين أن تعرف فضيلة المكان، وأن تجعل تلك الفضيلة باعثاً على الارتباط به، والدفاع عنه والحفاظ على مكانته، وديمومة الاتصال به وجدانياً وجسدياً.

وليس من المبالغة القول: إن الحديث يحمل في داخله معنى الاستدامة؛ ذلك أن شد الرحال فعل متجدد، وليس حدثاً يقع مرة واحدة ثم ينتهي، وكل جيل مطالب أن يحمل الارتباط بالمسجد وينقله للجيل التالي، وبهذا المعنى يصبح الحديث آلية لحفظ المسجد الأقصى من النسيان قبل أن يكون بياناً لفضيلة زيارته، أو بياناً يتداوله من جعلوا قضية زيارة الأضرحة همهم الأكبر إما انتصاراً، وإما إنكاراً، وتصير بينهما حرب ضروس، لا تتوقف حتى وهم يتابعون تدنيس الصهاينة لباحات «الأقصى»، فالمهم هو إثبات شرعية الزيارة أو نفيها عن غير تلك المساجد، أما الانشغال بعملية الحماية والاسترداد والتطهير فتظل غائبة.

استسلام لا يجوز

إن الأمة التي تُؤمر بالسعي إلى «الأقصى» لا يجوز لها، أو لأفرادها، أن يستسلموا لفكرة غيابه عن واقعهم، والأمة التي جُعل «الأقصى» أحد مقاصدها العبادية لا يليق بها أن تتعامل معه باعتباره شأناً يخص أهله وحدهم، أو قضية تخص مرحلة زمنية معينة، فخصوصية «الأقصى» في الحديث دليل على أن علاقته بالأمة كلها علاقة دائمة مستمرة، وليست عرضية أو طارئة، أو مسببة بسبب جغرافي.

ومن هنا، فإن استعادة المسجد الأقصى لا ينبغي أن تُفهم فقط في إطار سياسي أو عسكري، وإنما ينبغي أن تسبقها استعادة وعي كامل لأمة انشغلت وشغلها عدوها بسفاسف الأمور، فلقد ضاع في الواقع بعد أن تتضاءل حضوره في النفوس، ولن يعود إلى الواقع إلا إذا عاد إلى مركز الاهتمام، وصار في أصل الوعي الجمعي للأفراد والجماعات ومراكز التوجيه.

ولذلك، كان أول أشكال التحرير تحرير التصورات من الغفلة، وإعادة بناء العلاقة الروحية والحضارية مع هذا المسجد المبارك، وتلك مهمات يقع أمرها على التعليم والفن والإعلام والتربية الأسرية، والمساجد التي يرفع فيها الأذان.

إن تناولنا للحديث يقودنا إلى أنه لا ينبغي أن يُقتصر على بيان حكم السفر وشد الرحال، ما يجوز وما يمتنع، وإنما كذلك حفظ وجهة الأمة، فالرحال التي تُشد إلى «الأقصى» هي رمز لعدم انقطاع الصلة به، ورفض إخراجه من المجال الحيوي للمسلمين، وهذا المعنى يزداد إلحاحاً كلما تعرض المسجد الأقصى لمحاولات التهويد والعزل.

ومن ثم، فإن واجب المسلمين اليوم ألا يكتفوا بترديد الحديث بوصفه نصاً في فضائل الأعمال، أو تحذيراً من قصد أماكن للزيارة وشد الرحال غير التي نصّ الحديث عليها، ثم ملء الخطب والدروس بالحديث عن الأكبر والأصغر من الشرك، بينما الكلام عن استعادته وتخليصه ممن يستولي عليه ويمنع الوصول إليه غائب غير موجود!

وإذا كانت الرحال قد تعجز أحياناً عن الوصول بسبب الموانع والاحتلال والظروف، فإن القلوب والعقول لا يجوز أن تتخلى عن القصد، ولا أن تفقد الشعور بأن «الأقصى» جزء من رسالتها وهُويتها ومستقبلها، وأن تحريره واستنقاذه آتٍ لا ريب فيه، والمطلوب استعجال الاستنقاذ، والإسهام فيه بقدر الطاقة، لا الركون إلى يقين البشارة بعودته فقط.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نفهم من الحديث أن المسجد الأقصى ستظل قضيته قضية الأمة الكبرى التي لا جدال على مركزيتها، وأنها لب قضايا المسلمين اليوم، وهي قضية فارقة ممحصة للمواقف، ومبينة للولاءات، وعلى أساسها تنتظم الصفوف، ولن يتحول «الأقصى» إلى أثر من آثار الماضي، كالأندلس، أو الهند، وحواضر الفلبين، إن لم يكن بالمغالبة والجهاد، فبالقدر الذي قضاه الله تعالى له.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة