«الأقصى».. 10 براهين في وجدان الأمة الإسلامية

مسلمون_من_كافة_الجنسيات_ينظرون_إلى_قبة_الصخرة

إذا كان المسجد الحرام أقدس بقاع الأرض وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، فإن المسجد الأقصى يحتل مكانة فريدة في العقيدة والوجدان الإسلامي؛ فهو أولى القبلتين، وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم يكن ارتباط الأمة به ارتباطاً بتاريخ أو جغرافيا، وإنما هو ارتباط بالعقيدة والإيمان، وواجب راسخ في وجدانها لا يسقط بالتقادم ولا يقبل المساومة، ومن هنا تتجلى 10 براهين كبرى تفسر لماذا يظل المسجد الأقصى قضية حاضرة في قلب الأمة وضميرها.

أولاً: اصطفاء رباني:

أول ما يربطنا بالمسجد الأقصى الإرادة الإلهية والاصطفاء الرباني؛ فقد اختار الله تعالى هذا المسجد وهذه الأرض المباركة لتكون مهبطاً للوحي ومحضناً للرسالات؛ ما يضفي عليها قدسية تتجاوز حدود الزمان والمكان، قال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء: 1)، ومن هنا تبدأ علاقته بالمسلم؛ من القرآن قبل أن تبدأ من التاريخ، ومن الوحي قبل أن تبدأ من الجغرافيا.

ثانياً: موضع ارتباط الإيمان والنبوة:

في رحلة الإسراء والمعراج، تجلت أعظم دلالات الارتباط العقدي؛ حيث جمع الله جل جلاله أنبياءه ورسله أجمعين خلف خاتم الأنبياء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ليؤمهم في المسجد الأقصى، ولم تكن هذه الإمامة مجرد حدث عابر، بل كانت إشارة واضحة وعميقة إلى انتقال مسؤولية حماية هذه البقعة المباركة وراية التوحيد فيها من الأمم السابقة إلى أمة الإسلام الخاتمة.

ثالثاً: أرض بارك الله حولها:

لم يصف القرآن المسجد الأقصى فحسب، بل قال الله جل وعلا: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، إنها أرض ارتبطت بالبركة في كتاب الله، واحتضنت آثار عدد كبير من الأنبياء والرسل، وكانت موطناً لقصص قرآنية عظيمة، ومن ثم فالتعلق به تعلق بأرض لها مكانتها الشرعية والتاريخية.

رابعاً: ميراث الأمة المحمدية:

حين ختم الله الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ورثت أمته ميراث الأنبياء في الإيمان والتوحيد والدعوة إلى الله، ومن هنا جاء ارتباط المسلمين بالمسجد الأقصى بوصفه أحد أبرز معالم هذا الميراث؛ فهو مسجد صلى فيه الأنبياء، واتجه إليه المسلمون في صلاتهم في أول الأمر، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشد إليها الرحال.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجد: المسجدِ الحرامِ، ومسجدِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، ومسجدِ الأقصى» (رواه البخاري)؛ إنه جزء من ميراث الأمة، وحفظ هذا الميراث مسؤولية لا ينبغي أن تنقطع من وجدان الأجيال.

خامساً: وديعة النبي وأمانته:

ارتبط المسجد الأقصى بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ارتباطاً وثيقاً؛ فقد كان حاضراً في رحلة الإسراء والمعراج؛ ولهذا، فإن حب المسجد الأقصى والدفاع عنه يأتيان في سياق الوفاء لما عظّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيم ما عظمه الشرع.

والأمانة لا تُحفظ بالشعارات وحدها، وإنما بحفظ المكانة في القلوب، وتعريف الأجيال بحقيقة القضية، ونصرة الحق بالوسائل المشروعة والمتاحة.

سادساً: أمانة الفاروق عمر:

حين فتح المسلمون بيت المقدس في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، دخلها عمر متواضعاً، مؤكداً معنى المسؤولية والأمانة التي حملتها الأمة تجاه هذه الأرض.

ولقد تركت تلك المرحلة نموذجاً خالداً في التعامل مع المقدسات، يقوم على العدل والرحمة وصيانة الحقوق، بعيداً عن منطق الانتقام والظلم.

ومن هنا، فإن المسجد الأقصى ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل أمانة تناقلتها الأجيال، وحملتها الأمة في وعيها وضميرها، لتصبح أمانة تاريخية متجددة في ذمة كل مسلم.

سابعاً: بوصلة في الصراع بين الحق والباطل:

في أوقات المحن والصراع المحتدم بين الحق والباطل، يعد المسجد الأقصى بوصلة دقيقة تكشف حقائق النفوس وتفرز الصفوف؛ فبه يتميز الخبيث من الطيب، والمؤمن الصادق من المنافق.

وحين تغمر قلوب المؤمنين الفرحة بنصر المجاهدين والمرابطين، تتأكد علامات الإيمان الحقيقي، في مقابل مواقف الضعف والخذلان التي تعري نوايا المترددين.

ثامناً: معيار رقي الأمة ورفعتها:

الأمم الحية لا تتخلى عن مقدساتها، ولا تسمح بأن تمحى ذاكرتها، ولا تنقطع عن تاريخها، والمسجد الأقصى في هذا السياق يمثل اختباراً لوعي الأمة.

إن رقي الأمة لا يقاس فقط بما تمتلكه من قوة مادية، وإنما كذلك بقدرتها على حفظ هويتها، والتمسك بقيمها، والقيام بمسؤولياتها الأخلاقية والحضارية، فبقدر ارتباط الأمة بقضاياها الكبرى يكون وزنها ومكانتها بين الأمم.

تاسعاً: مقياس لخيرية الأمة:

ارتبطت بلاد الشام في النصوص الشرعية بفضائل ومناقب كثيرة، وقد وردت أحاديث في فضلها وأهلها، ومن ذلك الحديث المشهور: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» (رواه الترمذي بسند صحيح).

ومن هنا ترتبط خيرية الأمة الإسلامية ارتباطاً وثيقاً بالمسجد الأقصى وأرض الشام، وهو ما يجعل حراسة هذه الدار حراسة لخيرية الأمة بأسرها، وما يصيب هذه الأرض وأهلها ينبغي ألا يكون بعيداً عن اهتمام المسلم ووعيه ودعائه ونصرته للحق بالوسائل المشروعة.

عاشراً: قضية الأمة وقضية كل مسلم:

بعد هذه المعاني، تتضح مكانة المسجد الأقصى؛ فهو قضية إسلامية ارتبطت بالقرآن، والإسراء، والقبلة الأولى، وإمامة الأنبياء، وفضل المساجد الثلاثة، وتاريخ الأمة وميراثها.

ولذلك، فالمسجد الأقصى ليس قضية شعب أو جيل أو مرحلة عابرة، بل قضية حاضرة في وجدان الأمة، ومسؤولية أخلاقية وإيمانية تجاه مقدساتها وهويتها.

وعندما يعرف المسلم مسؤوليته تجاه المسجد الأقصى وأرض فلسطين، فإنه يدرك أن الدفاع عنه ليس مجرد موقف سياسي، وإنما هو وفاء لعقيدته، وحفظ لذاكرته، وتمسك بميراث نبيه، وقيام بمسؤوليته تجاه مقدسات أمته، وبقدر ما يبقى المسجد الأقصى حاضراً في وعينا وهمومنا، تبقى الأمة حية قوية قادرة على صون أماناتها وحفظ هويتها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة