إثيوبيا.. فوز حزب الازدهار الحاكم في الانتخابات بين الآمال والتحديات

إثيوبيا.. فوز حزب الازدهار الحاكم في الانتخابات بين الآمال والتحديات

شكّل الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا محطةً سياسيةً مهمةً في مسار التحولات التي تشهدها البلاد منذ عام 2018م، إذ منح الناخبون حزب الازدهار الحاكم، بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، تفويضاً جديداً لقيادة البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة. غير أن هذا الفوز الكاسح، الذي عزز هيمنة الحزب على المشهد السياسي، يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على تحويل الإنجاز الانتخابي إلى استقرار سياسي وأمني واقتصادي مستدام، في بلد لا يزال يواجه تحديات معقدة على أكثر من صعيد.

فوز واسع يعزز قبضة الحزب الحاكم

أخيراً، أعلن المجلس الوطني للانتخابات الإثيوبي النتائج النهائية للانتخابات العامة السابعة التي جرت مطلع يونيو الجاري، حيث حصد حزب الازدهار 438 مقعداً من أصل 486 مقعداً جرى التنافس عليها في مجلس نواب الشعب، بما يعادل نحو 90% من المقاعد، مقابل 48 مقعداً فقط لأحزاب المعارضة والمستقلين.

ويمهد هذا الفوز الطريق أمام الحزب لتشكيل الحكومة الجديدة والاستمرار في تنفيذ مشروعه السياسي الذي بدأه منذ تأسيسه عام 2019م، عقب حل الائتلاف الحاكم السابق وإعادة تشكيل الخارطة السياسية الإثيوبية تحت مظلة حزب الازدهار.

السياق العام لانعقاد الانتخابات

جاءت الانتخابات في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية، بعد سنوات شهدت خلالها البلاد صراعات مسلحة وتوترات عرقية وسياسية في عدد من الأقاليم، أبرزها تيغراي وأمهرا وأجزاء من أوروميا، ما يجعل نتائج الاستحقاق الانتخابي تضع تحديات كبيرة أمام الحزب الفائز.

ويرى المحلل السياسي والصحفي الإثيوبي زاهد زيدان أن فوز حزب الازدهار يمكن قراءته من زوايا متعددة؛ فأنصار الحزب يعتبرونه دليلاً على استمرار الثقة الشعبية في مشروع رئيس الوزراء آبي أحمد، وعلى قناعة شريحة واسعة من المواطنين بأن استقرار الدولة ووحدتها يتطلبان استمرار الحزب في الحكم خلال هذه المرحلة الحساسة.

في المقابل، يرى منتقدو الحزب أن النتيجة الانتخابية لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمات التي تواجه البلاد، في ظل استمرار التحديات الأمنية، والتوترات السياسية، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق فوز انتخابي واسع.

ويؤكد زيدان، في تصريحات لـ«المجتمع»، أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الجديدة لا يكمن في الفوز ذاته، وإنما في قدرتها على توسيع قاعدة التوافق الوطني وإدارة التنوع السياسي والعرقي بصورة تضمن استقراراً فعلياً على الأرض.

مشاركة واسعة وإشادة أفريقية

شهدت الانتخابات مشاركة نحو 40 مليون ناخب من أصل 54 مليوناً مسجلين، فيما جرت عملية الاقتراع في 501 دائرة انتخابية من أصل 547 دائرة برلمانية، وفق المجلس الوطني للانتخابات الإثيوبي، الذي كشف، وللمرة الأولى، عن تطبيق نظام التسجيل الرقمي للناخبين والمرشحين، إلى جانب إجراءات هدفت إلى تعزيز مشاركة النساء وذوي الإعاقة، بينما تنافس أكثر من عشرة آلاف مرشح يمثلون 42 حزباً سياسياً.

وعلى مستوى ردود الفعل، حظيت العملية الانتخابية بإشادة من الاتحاد الأفريقي، حيث هنأ رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف الحكومة والشعب الإثيوبي على نجاح الانتخابات، معتبراً أن العملية عكست التزام الإثيوبيين بمواصلة بناء المؤسسات الديمقراطية وتعزيز التنمية والاستقرار.

كما أشاد مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، بانكولي أديوي، بسير العملية الانتخابية، واعتبر، خلال كلمة له في حفل إعلان النتائج، أن الانتخابات التي جرت في إثيوبيا تمثل خطوة مهمة في مسار ترسيخ الممارسات الديمقراطية وتعزيز الانتقال السلمي للسلطة.

قراءة في خريطة النتائج

أظهرت النتائج استمرار التفوق الواضح لحزب الازدهار في معظم الأقاليم الرئيسية، حيث حقق أغلبية مريحة في أوروميا، وأمهرا، والإقليم الصومالي، وسيداما، وجنوب إثيوبيا، وجنوب غرب إثيوبيا، إضافة إلى أقاليم عفار، وبني شنقول-قمز، وهرر، ووسط إثيوبيا، وغامبيلا.

في المقابل، برز حزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية (إيزيما) بوصفه أبرز قوى المعارضة، بعدما نجح في تعزيز حضوره داخل العاصمة أديس أبابا وبعض أقاليم الجنوب، وحصل على 13 مقعداً في مجلس نواب الشعب و73 مقعداً في المجالس الإقليمية والمحلية.

المسلمون.. حضور انتخابي وتحديات تمثيل

تعكس هذه النتائج استمرار قوة الحزب الحاكم في الأقاليم ذات الكثافة السكانية العالية، وهو ما كان عاملاً حاسماً في ضمان فوزه الساحق على المستوى الوطني. وتكتسب نتائج الانتخابات أهمية خاصة عند النظر إلى الأقاليم ذات الأغلبية أو الكثافة السكانية المسلمة، مثل أوروميا، والإقليم الصومالي، وعفار، وهرر، حيث حقق حزب الازدهار نتائج قوية عززت من رصيده الانتخابي.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول ما إذا كان الدعم الانتخابي الواسع الذي يحظى به الحزب في هذه المناطق سينعكس بصورة أكبر على مستوى التمثيل السياسي للمسلمين خلال المرحلة المقبلة.

ويشير زاهد زيدان إلى أن المسلمين في إثيوبيا يشكلون إحدى أكبر الكتل السكانية في البلاد، وقد شهدت سنوات حكم آبي أحمد الأولى توسعاً نسبياً في مساحة المشاركة السياسية والدينية مقارنة ببعض المراحل السابقة.

غير أن هناك من يرى أن هذا الحضور الديمغرافي لم يتحول بعد إلى تمثيل سياسي يتناسب مع حجمه الحقيقي داخل مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، بينما يعتبر آخرون أن ما تحقق ينبغي النظر إليه في إطار المواطنة والشراكة الوطنية، لا باعتباره مكاسب لفئة دينية بعينها.

وبين هذين التقييمين، يبقى مستقبل الدور السياسي للمسلمين مرتبطاً بمدى قدرتهم على تعزيز حضورهم المؤسسي والتنظيمي والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، وفق حديث زاهد زيدان.

بين التفويض الشعبي واختبار الإنجاز

رغم أن النتائج منحت حزب الازدهار تفويضاً سياسياً جديداً، فإن التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة لا تزال كبيرة؛ فملفات المصالحة الوطنية، ومعالجة النزاعات المحلية، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية المختلفة، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والأمنية، ستظل المحدد الرئيسي للحكم على نجاح المرحلة المقبلة.

ويرى زاهد زيدان أن تحسن الوضع الأمني يرتبط بالسياسات التي ستتبناها الحكومة بعد الانتخابات، موضحاً أن التركيز على الحوار الوطني، ومعالجة المظالم المحلية، وإصلاح المؤسسات الأمنية، يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار، بينما قد يؤدي استمرار أسباب التوتر دون حلول جذرية إلى بقاء الأزمات رغم الفوز الانتخابي الكبير.

وقد حقق حزب الازدهار انتصاراً انتخابياً واسعاً عزز موقعه بوصفه القوة السياسية المهيمنة في إثيوبيا، لكنه في الوقت نفسه ورث مجموعة من الملفات الشائكة التي ستحدد مستقبل البلاد خلال السنوات المقبلة.

وبين الآمال التي يعلقها المواطنون على الحكومة الجديدة في تحقيق الأمن والتنمية، والتحديات المرتبطة بالنزاعات الداخلية، والضغوط الاقتصادية، وتعزيز التوافق الوطني، يبقى نجاح الحزب مرهوناً بقدرته على تحويل شرعيته الانتخابية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن الإثيوبي في حياته اليومية؛ فالفوز في صناديق الاقتراع يمثل بداية الطريق، أما الاختبار الحقيقي فسيكون في إدارة الدولة ومعالجة الأزمات التي لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الإثيوبي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة