الاستهلاك التفاخري.. وقلق السعي إلى المكانة!

الاستهلاك التفاخري.. وقلق السعي إلى المكانة!

يُعرِّف آلان دي بوتون في كتابه «قلق السعي إلى المكانة» هذا القلق بوصفه قلقًا يساورنا خشية فشلنا في مجاراة قيم النجاح التي وضعها مجتمعنا، هذه القيم المعتمدة بالأساس على الإنجازات الفردية، المقتصرة في الغالب على الماديات(1)، والقلق سواء تعلق بالمكانة أم بغيرها يظل شعورًا سلبيًا قائمًا بالنفس لا تبغي عنه إلا تحولًا وانفكاكًا.

وما أيسر ذلك في عصر جعل من الاستهلاك دواءً لكل داء، خصوصًا داء حيازة المكانة الاجتماعية، والذي صار أيسر من أي وقت مضى.

فقديمًا كانت المكانة الاجتماعية مقتصرة على الحسب والنسب، أما الآن فكل ما يحتاجه المرء أن يقتني ما تقتنيه الفئة الاجتماعية التي يسعى إلى الانتساب إليها حتى دون حيازة القدرة المادية التي تؤهله للقيام بالأعباء المادية التي تتطلبها المقتنيات، ودون النظر إلى الوبال الذي ستجره عليه تلك القرارات الشرائية في المستقبل.

ليتحول الإنسان إلى مشتغل باقتناء ما لا يلزمه، لإبهار من لا يكترث لأمره، ومن هنا أتى مصطلح «الاستهلاك التفاخري» الذي عرفه الاقتصادي ثورستين فيبلين بوصفه شراء السلع والخدمات التي توضح ثروة الفرد أو وضعه الاجتماعي للآخرين(2).

غير أن ثورستين حين وضع هذا التعريف منذ أكثر من قرن من الزمان لم يكن الإنسان قد عرف الإنترنت، ناهيك أن يعرف أن هذا النمط من الاستهلاك سيصبح النمط المهيمن يومًا ما بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي زادت نار الاستهلاك استعارًا من جهتين:

الأولى: أنها تُوسع دائرة المقارنات، خصوصًا وأن الإنسان  يميل بفطرته إلى تقييم ذاته عبر مقارنتها بالآخرين كما أشار لذلك عالم النفس ليون فستنجر في نظرية المقارنة الاجتماعية(3)، وكانت دائرة المقارنات فيما مضى مقتصرة على الأصدقاء والأقارب والجيران، أما الآن فهي تشمل كل من ينتمي لنفس الشريحة العمرية ولو بظروف مادية واجتماعية مختلفة بالكلية.

الثانية: التغذية البصرية لمختلف المنتجات المادية، فلا ننفك نراها أينما يممنا وجوهنا، بغض النظر عن التطبيق الذي ستعمله، وهنا يتجلى دور الخوارزميات في دفع المستخدم دفعًا لا يشعر به تجاه شراء سلعة أخرى جديدة.

خلق الاحتياج

لا يكون الإنتاج الضخم مربحًا إلا إذا كان من الممكن الحفاظ على إيقاعه؛ أي إذا كان بإمكانه الاستمرار في بيع منتجه بكمية ثابتة أو متزايدة، ولا يتأتى هذا بانتظار الجمهور حتى يطلبوا المنتج، بل يجب على العرض أن يسعى بنشاط إلى خلق الطلب المقابل له، وأن يحافظ على اتصال دائم، من خلال الإعلان والدعاية ليضمن لنفسه الطلب المستمر الذي وحده سيجعل مصنعه الباهظ الثمن مربحًا(4).

وعملية خلق الطلب تتخذ مناهج عدة، منها:

1- تشويه صورة القديم:

من خلال استغلال العامل النفسي الذي تستهدفه وسائل التواصل الاجتماعي بالأساس؛ وذلك عن طريق ربط السلع القديمة في العرف الاجتماعي بضعف القدرة المادية، وما يصاحب هذا الربط بانخفاض في سلم التراتبية الطبقية في المجتمع.

الاستهلاك التفاخري قائم بالأساس على الاستهلاك من أجل الغير وعن صورتنا لديهم، وتحسين هذه الصورة يرتبط باقتناء الجديد الذي قد لا نحتاجه بالأساس، ولا نستطيع تحمل تكلفته في كثير من الأحيان، فحتى لو كان لدينا مثلًا سيارة أو هاتف قديمان لكنهما يعملان بكفاءة، ويلبيان كل احتياجاتنا المادية منهم، لكنهما وبسبب عدم تلبية احتياجنا النفسية، وخجلنا اجتماعيًا من الظهور معهم سواء على أرض الواقع أو في صورة على مواقع التواصل الاجتماعي، نجدنا مدفوعين لاستبدال الأجدد والأحدث بهم.

وتجد هذا الأمر منتشرًا بين المراهقين والشباب حيث تكثر المقارنات ويزداد التنمر، فلا تجد الشاب محتاجًا للتغيير بقدر احتياجه للتخلص أو حتى وقاية نفسه من أي تنمر مستقبلي، وفي حالة من إنكار العواطف الكامنة وراء عملية الاستبدال هذه، فإننا نكسوها حُللًا تبدو أقل إحراجًا عند الإفصاح بها، كالملل مثلًا، جهلًا منا بأن هذا العذر وإن كنا نعده مقبولًا في زماننا، إلا أنه كان مرفوضًا بالكلية عند من ندعي أننا نتخذهم قدوة، قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: لا أملّ ثوبي ما وسعني، ولا أملّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أملّ دابتي ما حملتني، إن الملال من سيِّئ الأخلاق(5).

2- الإغراء بالجديد:

لما كان من الطبيعة البشرية أن الشيء يتضاعف حُسنه في عين مستحسنه(6)؛ صار لزامًا على الشركات تجميل هذا الجديد، وأبلغ دليل على نجاح الشركات في مسعاها تحول الأجهزة المنزلية كالغسالة والثلاجة التي لم يكن أحد يرغب منها في أكثر من أن تقوم بوظيفتها.

أما الآن فصار عدم القدرة على تشغيل الغسالة من خلال تطبيق على الهاتف الذكي من المزايا التي تتوق لها أنفس المستهلكين، كما لا تكتفي الشركات والجهات بالإغراء فحسب، بل يخلقون عند المستهلك حاجة لم تكن موجودة في حياته من قبل، ويجعلونه يراجع نفسه وقراراته الاستهلاكية بحيث يصل للمرحلة التي يسأل نفسه فيها فور شراء المنتج واستخدامه أن كيف عاش عمره دون هذه السلعة المبهرة؟!

3- خلق احتياج عاطفي:

ولا مكان أنسب لها من وسائل التواصل الاجتماعي، التي قبل أن يبدأ أحدنا في تصفحها كان يعيش حالة من السلام النفسي ما لبثت أن تحولت إلى رغبة استهلاكية مدفوعة بشغف بعد رؤيتنا لشخص مشهور، أو مؤثر نتابعه، أو حتى أحد من دائرة علاقاتنا التي توهمنا تلك الوسائل باتساعها، بعد رؤيتنا لأحدهم وقد اقتنى شيئًا جديدًا وبدأ يتحدث عنه، أو حتى اكتفى بمجرد الظهور به، وإذ فجأة بالهاتف الذي ظهر في صورة سيلفي المرآة(7) يتسلق سلم ترتيب الأولويات، متربعًا على قمتها، ومتوجًا على عرش رغابتنا الاستهلاكية رغم أننا لم نكن ندري به أو حتى نهتم باقتنائه منذ بضع دقائق سبقت رؤيتنا للصورة أو المنشور.

والحال كذلك، فإلى متى سنسمح للشركات ووسائل التواصل أن تسير حياتنا وترسم طريقنا وتحدد احتياجاتنا وما يلزمنا من سلع وتطبيقات وغيرها من الأمور؟! ومتى سننضج ونرقى بتفكيرنا حتى نعرف أنه ليس لأحد، سواء شخص أو طبقة اجتماعية، أن يفرض علينا أسلوبًا معينًا للشراء أو نمطًا بعينه للمعيشة؟! وأننا نملك كامل الحق والحرية في اختيار الأنسب لنا وإن اختلف معنا غيرنا، فكل في النهاية أدرى بما يصلح له.

الهوامش
  • 1 قلق السعي إلى المكانة: الشعور بالرضا أو المهانة، آلان دي بوتون، ترجمة: محمد عبد النبي، (بتصرف)
  • 2 The Theory of the Leisure Class, Thorstein Veblen.
  • 3 A Theory of Social Comparison Processes، Festinger, L.
  • 4 A Brief History of Consumer Culture، The MIT Press.
  • 5 تاريخ دمشق، ابن عساكر.
  • 6 طوق الحمامة، ابن حزم الأندلسي.
  • 7 صورة شخصية يلتَقِطها الشّخص لنفسه أمام المرآة، يظهر فيها هاتفه (الأحدث والأغلى غالبًا) وما يرتديه لذلك اليوم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة