فقه الإصلاح وقت الفتن
كيف جمع زيد بن صوحان بين جرأة النصيحة وطاعة الخليفة؟
أورد الذهبي عن
حُمَيْد بن هِلَالٍ، قَالَ: قَامَ زَيْدُ بنُ صُوْحَانَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ:
يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، ملتَ فَمَالَتْ أُمَّتُكَ، اعْتَدِلْ يَعْتَدِلُوا،
قَالَ: أَسَامِعٌ مُطِيْعٌ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: الْحَقْ بِالشَّامِ،
فطلق امْرَأَتَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِحَيْثُ أَمَرَهُ(1).
يمثل هذا الخبر
صورة مكثفة من صور التعامل مع السلطة والنصيحة والمسؤولية الاجتماعية في عصر
الصحابة والتابعين، وهو موقف يحتاج إلى قراءة متأنية تراعي سياقه التاريخي؛ فقد
وقع في فترة حساسة من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين بدأت تظهر اضطرابات
سياسية واجتماعية في بعض الأمصار، وزيد بن صوحان العبدي من الشخصيات المعروفة في
كتب السير بالزهد والعبادة والشجاعة، وكان من وجوه قومه، وله حضور في الأحداث التي
شهدها ذلك العصر.
ولا تهدف قراءة
هذا الموقف إلى إصدار أحكام عامة على أحداث تاريخية معقدة، وإنما إلى فهم القيم
التي يعكسها الخبر؛ قيمة النصيحة، ومعنى الطاعة، وحدود المسؤولية الفردية، وكيف
كان جيل الصحابة والتابعين ينظر إلى حفظ الجماعة مع استمرار بذل النصح.
لماذا لم تكن نصيحة زيد بن صوحان تمردًا؟
لم يكن زيد بن
صوحان رجلاً عاديًا في قومه؛ فقد اجتمع له شرف الصحبة عند بعض أهل العلم، مع مكانة
اجتماعية جعلته قادرًا على مخاطبة الخليفة مباشرة، وتذكر كتب التراجم أخبارًا عن
عبادته وشجاعته، وعن إصابته في سبيل الله حتى فقد يده.
وهذه الخلفية
تفسر طبيعة كلمته أمام عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ فلم تكن كلمة طالب جاه، ولا اعتراض
صاحب مصلحة، وإنما خرجت من إحساس رجل يرى أن موقع القيادة يحمل أثرًا يتجاوز صاحبه
إلى الأمة كلها.
ولهذا جاءت
عبارته شديدة الاختصار: «ملت فمالت أمتك، اعتدل يعتدلوا»، فهي ليست مجرد ملاحظة
سياسية، وإنما تصور عميق لعلاقة القيادة بالمجتمع؛ فالناس يتأثرون بالقدوات،
والقادة يحملون مسؤولية مضاعفة لأن أفعالهم تصبح رسائل عامة.
ومما يدل على
ذلك موقف أبي عبيدة بن الجراح حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مدداً لعمرو بن
العاص في غزوة «ذات السلاسل»، فلما قدم قال عمرو: أنا أميركم، فقال المهاجرون: بل
أنت أمير أصحابك وأميرنا أبو عبيدة، فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلاً حسن الخلق
لين الشيمة، متبعاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلمه وعهده، سلّم الإمارة لعمرو،
متحملاً مسؤولية حفظ الجماعة وتقديم مصلحة الأمة على حظوظ القيادة والنفس(2).
ومن مظاهر
التحمل للمسؤولية المجتمعية من منطلق الإيمان والتقوى ما جاء في موقف علي بن الحسين، الذي لم تمنعه مكانته من تحمل مسؤولية إطعام المحتاجين سراً، حيث كان علي
بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ
غضب الرب عز وجل، ولم يعلم الناس بمدى مسؤوليته إلا بعد وفاته حين فقدوا ما كانوا
يؤتون به بالليل(3).
التمييز بين نصيحة الإصلاح والتشهير المثير للفوضى
من أبرز المعاني
في هذا الخبر أن زيدًا جمع بين أمرين قد يظنهما بعض الناس متعارضين؛ الجرأة في
النصيحة، والمحافظة على مكانة ولي الأمر، فقد قال كلمته بوضوح، لكنه لم يجعل
النصيحة بابًا للطعن أو التشهير، وهذا يوافق المعنى العام الذي جاءت به النصوص في
فضل النصيحة، ومنها ما جاء في الصحيحين عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»،
قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ
الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(4)، وكذلك ما ثبت عَنْ جَرِيرِ بْنِ
عَبْدِاللهِ قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»(5).
والنصيحة في
المنهج الإسلامي ليست خصومة شخصية، وإنما إرادة للإصلاح، ولذلك كان العلماء يفرقون
بين بيان الخطأ بقصد التقويم، وتحويل الخطأ إلى وسيلة لإثارة الفوضى أو إسقاط
الثقة بالمجتمع، فهذه معاتبة أبي عبيدة بن الجراح لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب
رضي الله عنهما في قراره بالرجوع بالناس هرباً من طاعون عمواس، ومواجهته بصدق
قائلاً: «أفراراً من قدر الله؟»، فتقبلها عمر بن الخطاب مع حفظ هيبة الناصح ومقامه
قائلاً: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ
اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ(6).
وهذا أبو مسلم
الخولاني يدخل على معاوية بن أبي سفيان، ويقوم بين السماطين قائلاً: السلام عليك
أيها الأجير، فقالوا: مَه، قال معاوية: دعوه فهو أعرف بما يقول، وعليك السلام يا
أبا مسلم(7)، ثم وعظه وحثه على العدل، فواجه الحاكم بصدق وأوصل النصيحة
بوضوح، وتقبلها الحاكم بحلم حافظاً لهيبته ومقام الناصح.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، سواء في الأسرة أو التعليم أو العمل، تظهر الحاجة إلى هذا
التوازن؛ فالمجتمع الذي يمنع النصيحة يتحول إلى بيئة صامتة أمام الأخطاء، والمجتمع
الذي يحول كل نقد إلى صراع يفقد القدرة على البناء.
كيف يؤثر القائد في الجماعة؟
تكشف عبارة زيد بن صوحان عن قانون اجتماعي مهم؛ أن سلوك القيادة يترك أثرًا في سلوك الأتباع، وهذا المعنى تؤيده إشارات قرآنية إلى مسؤولية الإنسان عن أثره، ومنها:
- قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس: 12).
- كما أن القرآن يبين أثر القدوة في الناس، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21).
- وفي بداية الدعوة جاءت مشاركة
النبي صلى الله عليه وسلم الفعّالة لأصحابه الكرام في بناء المسجد النبوي؛ ليكون
قدوة عملية لهم، حيث كان ينقل اللبِن والحجارة بيده الكريمتين؛ ما أرسى معايير
السلوك وحفز الجماعة للعمل(8)، وكذلك مشاركته في حفر الخندق(9).
فالقيادة ليست
قرارات إدارية فقط، بل هي صناعة للمعايير، عندما يرى الأب الصدق، يتعلم الأبناء
الصدق، وعندما يرى الموظفون الانضباط، يتشكل سلوك الفريق، وعندما يرى المجتمع عدل
المسؤول، يقوى معنى المسؤولية العامة، ولهذا فإن إصلاح الجماعة يبدأ غالبًا من
إصلاح مراكز التأثير فيها.
كيف أدار عثمان بن عفان الأزمة دون تخوين زيد بن صوحان؟
جاء رد عثمان بن عفان رضي الله عنه: «أَسامعٌ مطيعٌ أنت؟»، ليكشف عن جانب آخر من إدارة القيادة للأزمات،
فلم يدخل في جدل طويل حول العبارة، وإنما انتقل إلى سؤال جوهري: هل النصيحة مصحوبة
بالالتزام أم أنها بداية تمرد؟ فلما أجاب زيد بن صوحان بالإيجاب، أمره باللحاق بالشام.
وهنا يظهر معنى
مهم في إدارة الخلاف: ليس كل اختلاف في الرأي يعني سقوط الثقة، وليس كل إجراء
تنظيمي يعني انتقامًا شخصيًا، فالدول والمجتمعات تحتاج أحيانًا إلى توزيع الأشخاص
والأدوار بما يحقق المصلحة العامة.
ويحتاج القائد
المعاصر إلى هذه الحكمة؛ فليس المطلوب أن يلغي الأصوات المختلفة، ولا أن يترك
التوترات تتوسع، وإنما أن يحسن التعامل مع الشخصيات المؤثرة ووضعها في السياق الذي
يخدم الاستقرار.
وقد اختبر أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأحنف بن قيس قبل أن يعتمد عليه أو يتخذ
قراراً بشأنه، حيث احتبسه عنده حولاً كاملاً ليختبر صدق ولائه وانضباطه، فلما خبره
قال له: «قد بلوتك وخبرتك فرأيت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل
علانيتك»(10).
لماذا قطع زيد بن صوحان ارتباطاته استجابة لأمر الخليفة؟
أكثر أجزاء
الخبر إثارة للتأمل قوله: «فطلق امرأته، ثم لحق بحيث أمره»، ولا ينبغي فهم هذا
الفعل بمعزل عن ثقافة ذلك الجيل ومفهومه للامتثال وتحمل التكليف، فقد رأى زيد بن صوحان أن
الانتقال إلى مكان جديد يستلزم قطع بعض الروابط التي قد تعوق تنفيذ الأمر، فاختار
أن يجعل استجابته كاملة، وهذا يعكس درجة عالية من التجرد؛ فليس المقصود مجرد
الحركة من بلد إلى بلد، وإنما تقديم الالتزام بالمبدأ على الراحة الشخصية.
ومن ذلك أيضاً
امتثال أبي ذر الغفاري لأمر عثمان بن عفان رضي الله عنهما حين أمره بالخروج من
المدينة، فرغم رأيه واجتهاده، اختار طاعة ولي الأمر والانضباط لقراره قائلاً: «سامع
مطيع، ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت»، فخرج إلى الربذة
وترك مقامه استجابة لأمر الخليفة(11).
ويتطابق مفهوم
التضحية بالروابط الشخصية من أجل الطاعة والمبدأ مع موقف أم المؤمنين أم حبيبة رضي
الله عنها، حين قدمت طاعتها وولاءها للنبي صلى الله عليه وسلم على رابطة الأبوة،
فطوت فراش النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه أبوها أبو سفيان (قبل إسلامه)،
وقالت له بحسم: «بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك»(12).
وكذلك تجلى هذا
المفهوم لدى أم سليم حين قدمت الانقياد للدين على رغبات النفس، فرفضت الزواج من
أبي طلحة قبل إسلامه وجعلت طاعته لله الشرط الوحيد للارتباط به، قائلة: فإن تسلم
فذلك مهري لا أسألك غيره فأسلم أبو طلحة وتزوجها(13).
ومع ذلك، فإن
المعنى الأوسع الذي يمكن استخراجه اليوم ليس الدعوة إلى ترك المسؤوليات الأسرية أو
الاجتماعية بلا سبب، وإنما إدراك أن الإنسان قد يواجه لحظات تحتاج إلى تقديم
الواجب على الرغبات الخاصة، وأن النجاح في المهام الكبرى يحتاج إلى قدرة على
التضحية والانضباط.
المعادلة الدقيقة بين حرية النقد واستقرار المجتمع
يقدم هذا الموقف
نموذجًا دقيقًا للتوازن بين حق الفرد في إبداء رأيه، وحق المجتمع في الاستقرار، فزيد
لم يسكت عن رؤيته، ولم يحول رأيه إلى خصومة، وعثمان لم يجعل النصيحة جريمة في
ذاتها، لكنه أكد معنى الطاعة والانضباط.
ومن المواقف
الداعمة لهذا التوازن ما جاء في المشاورة التي أجراها عمر بن الخطاب رضي الله عنه
حين تفشى الطاعون بالشام، حيث كفل للصحابة حرية التعبير وإبداء الرأي، فاختلف
المهاجرون، ثم اختلف الأنصار، ثم استشار مشيخة قريش، فاستمع للأصوات المختلفة
بحرية تامة، ثم اتخذ قراره بالرجوع بالناس حفظاً للجماعة من الهلاك(14).
وهذا التوازن من
أكثر القضايا حضورًا في المجتمعات الحديثة؛ فالبيئات الناجحة هي التي تسمح بالنقد
المسؤول، لكنها تمنع أن يتحول النقد إلى هدم للثقة أو تعطيل للعمل.
- ففي الأسرة، يحتاج الأب إلى سماع أبنائه،
- وفي المؤسسة يحتاج المدير إلى سماع فريقه،
- وفي
المجتمع تحتاج القيادة إلى أصوات ناصحة، لكن كل ذلك لا يستقيم إلا مع مسؤولية في
الخطاب ومسؤولية في التعامل مع القرار.
كيف اختصرت الكلمات القليلة قانونًا اجتماعيًا؟
من الناحية
البلاغية، تمتاز عبارة زيد ب صوحان بالقوة والإيجاز، فقد قابل بين «الميل» و«الاعتدال»،
وربط بين حال القائد وحال الأمة في تركيب قصير، فالعبارة ليست وصفًا لحادثة فقط،
بل صياغة لمبدأ أن الانحراف الصغير في مركز التأثير قد ينتج عنه أثر واسع في
الأطراف.
وهذا من خصائص
الحكم البليغة؛ أنها تختصر تجارب طويلة في كلمات قليلة، وتبقى قابلة للقراءة في
أزمنة مختلفة.
الدروس المعاصرة من موقف زيد بن صوحان
يقدم هذا الخبر
نموذجًا لإنسان يحمل مسؤولية رأيه ومسؤولية موقفه معًا، فهو لا يكتفي بالكلام، ولا
يهرب من تبعات كلامه.
وفي زمن كثرت
فيه الآراء السريعة عبر الإعلام والمنصات الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى هذا النموذج؛
أن يكون الإنسان شجاعًا في قول الحق، حكيمًا في أسلوبه، مستعدًا لتحمل نتائج
مواقفه.
فالكلمة المؤثرة
ليست التي ترفع الصوت فقط، وإنما التي تجمع بين الصدق والحكمة، وبين الإصلاح
والانضباط.
من خلال ما سبق، يتبين أن زيد بن صوحان العبدي يرسم صورة واضحة للمدرسة التربوية التي ترى أن:
- الإصلاح يبدأ بالنصيحة الصادقة،
- وأن المسؤولية لا تنفصل عن الطاعة،
- وأن قوة الشخصية لا تعني الخروج عن الجماعة،
- كما أن المحافظة على الجماعة لا تعني الصمت عن الخطأ، فبناء المجتمعات لا يكون بالقوة وحدها، ولا بالكلام وحده، وإنما برجال يجمعون بين وضوح الموقف وحسن العاقبة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 497).
- 2 إمتاع الأسماع: المقريزي (1/ 345).
- 3 صفة الصفوة: ابن الجوزي (2/ 96).
- 4 صحيح مسلم (55).
- 5 صحيح البخاري (57).
- 6 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: ابن الجوزي (4/ 224).
- 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (27/ 223).
- 8 شذرات الذهب (1/ 113).
- 9 سيرة ابن هشام (2/ 217).
- 10 تهذيب الكمال في أسماء الرجال: المزي (2/ 285).
- 11 الطبقات الكبرى: ابن سعد (4/ 172).
- 12 زاد المعاد: ابن قيم الجوزية (3/ 482).
- 13 صفة الصفوة (2/ 65).
- 14 شذرات الذهب (1/ 164).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً