قلوب معلَّقة بالله

خالد الملا

28 أكتوبر 2026

19

رجل وامرأة يدعوان تحت شجرة تتصاعد منها قلوب مضيئة نحو السماء

اقرأ أخي الحبيب هذه الوصية الجامعة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كتبها لابنه عبدالله، رضي الله عنهما، في غيبة غابها فقال: «أما بعد، فإنه مَن اتقى الله وَقَاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جَزَاه؛ فاجعل التقوى جِلاءَ بصرك، وعِمَادَ ظهرك، فإنه لا عمل لمن لا نِيَّة له، ولا أَجْرَ لمن لا حسنة له، ولا خير لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خلق له».

وصية عمر بن الخطاب.. التقوى والتوكل طريق الطمأنينة

إنها وصية جامعة من الفاروق تربط القلب بخالقه، وتغرس فيه معاني التقوى والتوكل والرجاء، فالقلوب لا ترتاح إلا بالله، والأرواح لا تأنس إلا بالله جل جلاله، والأيام لا تطيب إلا بالقرب من الله تعالى؛ (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهَ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» (رواه النسائي)؛ فالله وحده هو الذي يصلح الشؤون، حتى عند قيام الساعة يظل الأمل بالله عز وجل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» (حديث صحيح)، لم يقل: اتركها، وإنما ازرع واغرس حتى آخر لحظة، حتى آخر أمل، حتى وإن لم يستفد أحد من عملك.

التعلق بالله يمنح القلب الأمل والثبات أمام الابتلاء

وهذا مصطفى صادق الرافعي يعلمنا ألا نيأس فيقول: «ليسَ لمصباح الطريق أن يقول: إن الطريق مظلم، إنّما قوله إذا أراد كلاماً أن يقول: ها أنَذا مضيء»، فالابتلاء في الحياة ليس اختباراً لقوتك، وإنما هو اختبار لقوة استعانتك بالله سبحانه.

فإذا ضاق صدرك، تدبر قول الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ {97} فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ {98} وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر).

وما أجمل قول الشاعر:

جَهَلَتْ عُيُونُ النَّاسِ مَا فِي دَاخِلِي    فَوَجَدْتُ رَبِّي بِالْفُؤَادِ بَصِيرا

يَا أَيُّهَا الْحُزْنُ الْمُسَافِرُ فِي دَمِي      دَعْنِي فَقَلْبِي لَنْ يَكُونَ أَسِيرا

رَبِّي مَعِي فَمَنِ الَّذِي أُخْشَى إِذَا     مَا دَامَ رَبِّي يُحْسِنُ التَّدْبِيرا

وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِي قُرْآنِهِ           وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرا

‏وورد في الأثر عن عمر بن الخطاب قال: «كلّ يوم يُقال: مات فلان وفلان؛ ‏ولا بد من يوم يُقال فيه: مات عُمَر»، فكلنا إلى زوال (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن: 27).

فلنستعد لهذا اليوم، ولنجعل قلوبنا معلقة بالله، وجوارحنا عامرة بطاعته، وأيدينا ممتدة بالخير، وقلوبنا مستعدة للقائه؛ فالسعيد من عاش لله، وعمل للآخرة، وترك في هذه الحياة أثراً طيباً، فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكاها، أنت ولينا ونعم النصير يا الله.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة