شجاعة النصيحة..

كيف نواجه كِبْر أصحاب النفوذ؟ يزيد بن المهلب ومطرف بن الشخير

رسم تصويري يوضح كيف نواجه كبر أصحاب النفوذ؟ يزيد بن المهلب نموذجا

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن يَزِيْد بن المُهَلَّبِ كَانَ ذَا تِيْهٍ وَكِبْرٍ، رَآهُ مُطَرِّفُ بنُ الشِّخِّيْرِ يَسْحَبُ حُلَّتَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ، قَالَ: أَوَ مَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: بَلَى، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِلُ العَذِرَةَ(1).

قد تكشف مشية الإنسان عن معنى لا تنطق به الكلمات، وقد تختصر إجابة واحدة مواجهةً عميقة بين سلطان المنصب وسلطان الحقيقة، وفي هذا الخبر المنقول عن يزيد بن المهلب ومطرف بن عبد الله بن الشخير، لا تتوقف الدلالة عند موعظة أمير اشتهر بالتيه والكبر، بل تمتد إلى طبيعة النفس حين تُفتن بمكانتها، وكيف يعيدها التذكير بحقيقتها الإنسانية إلى ميزان التواضع، وقد عاش الرجلان في العصر الأموي؛ فكان يزيد بن المهلب من كبار القادة والولاة، بينما عُرف مطرف بن عبد الله بن الشخير بالعلم والعبادة والورع.

الفرق بين التجمل المباح والاستكبار المذموم

بدأ الموقف بمشهد ظاهره حركة جسدية مألوفة: رجل يمشي ويسحب حلته، لكن مطرفًا لم ينظر إلى الحركة مجردة عن دلالتها الأخلاقية؛ فقد جاءت الرواية مقرونة بوصف يزيد بن المهلب بأنه «كان ذا تيه وكبر».

فالتيه هو التبختر والتعاظم، والخيلاء صورة من صور إظهار التفوق على الآخرين، وقد تصبح الهيئة الخارجية عند بعض الناس وسيلة للإيحاء بالمكانة والسلطان، حتى تتجاوز حدود الزينة المشروعة إلى التعالي والاستكبار.

قال الله تعالى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً {37} كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) (الإسراء)، قال ابن كثير: يقول تعالى ناهيًا عباده عن التجبر والتبختر في المشية»، ثم فسر المرح بأنه التبختر والتمايل بمشية الجبارين(2)، وقد بيّن الإمام النووي أن الخيلاء، والمخيلة، والبطر، والكبر، والزهو، والتبختر، كلها بمعنى واحد، وهو حرام(3)، غير أن الإنكار في هذا الموقف لا ينبغي أن يتحول إلى ذم الأناقة وحسن المظهر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ ‌جَمِيلٌ ‌يُحِبُّ ‌الْجَمَالَ»(4)، ومن اللافت أن الذهبي نفسه وصف مطرفًا بقوله: كان مطرف له مال وثروة وبزة جميلة(5)، فالمواجهة لم تكن بين رجل يرفض الجمال وآخر يحبه، وإنما بين خلق التواضع ومظهر الخيلاء.

وفي واقعنا، قد تظهر هذه الآفة في طريقة تعامل المسؤول مع الموظفين، أو نظرة صاحب المال إلى الفقراء، أو استعلاء صاحب الشهادة على من دونه، فالمشكلة ليست في امتلاك أسباب التميز، وإنما في تحويلها إلى ذريعة لاحتقار الناس.

كيف يكشف سؤال المكانة عن آفة الكبر؟ يزيد بن المهلب نموذجاً

تمثل هذه العبارة نقطة التحول النفسية في الموقف، فلم يرد يزيد، بحسب الخبر، بمناقشة مضمون النصيحة، وإنما استدعى معرفته ومكانته: «أَوَمَا تَعْرِفُنِي؟».

وقد توحي هذه الإجابة بأن صاحبها يرى في منزلته الاجتماعية ما يستوجب معاملة خاصة، أو ما يجعل توجيه النقد إليه أمرًا مستنكرًا، لكن النص لا يكفي لتحديد جميع دوافعه النفسية، ولا للحكم على ما كان يعتمل في نفسه.

وهنا تظهر دقة التعريف النبوي للكبر؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»(6)، وقد بيّن الإمام النووي أن بطر الحق هو دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، وأن غمط الناس احتقارهم(7)، فالاستكبار لا ينحصر في المظهر الخارجي، وإنما يكشف عن نفسه عندما يصبح الإنسان أقل استعدادًا لقبول الحقيقة إذا جاءت ممن يراه دونه.

وقد نقل ابن رجب عن بعض السلف أن التواضع أن تقبل الحق من كل من جاء به، وإن كان صغيرا، فمن قبل الحق ممن جاء به، سواء كان صغيرا أو كبيرا، وسواء كان يحبه أو لا يحبه، فهو متواضع، ومن أبى قبول الحق تعاظما عليه، فهو متكبر(8).

وهذا التحليل يفسر جانبًا من خطورة السلطة على النفس؛ إذ قد تكثر حول صاحب المنصب عبارات المدح والتأييد، حتى يضعف استعداده للمراجعة والنقد.

وفي الإدارة والتعليم والأسرة، تتكرر صورة «أَوَمَا تَعْرِفُنِي؟» بعبارات مختلفة: أتعترض على قراري؟ أتعرف خبرتي؟ أتعلمني ما ينبغي فعله؟ وعندما يصبح السؤال عن مكانة المتكلم بديلًا عن البحث في صحة الكلام، تتراجع الحكمة وتتسع مساحة الخطأ، فالقيادة الراشدة لا تجعل المنصب حصانة من النصيحة، بل تزيد صاحبها استعدادًا لسماعها.

كيف يهدم التذكير بأصل الخلقة غرور الإنسان؟

جاء جواب مطرف على غير ما قد يتوقعه صاحب الجاه؛ فلم يعدد مناقب يزيد، ولم ينازعه في منزلته السياسية، وإنما نقله من عالم الألقاب إلى حقيقة الوجود الإنساني: «أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِلُ العَذِرَةَ».

لقد استحضر مطرف ثلاثة أحوال لا يملك الإنسان دفع حقيقتها عن نفسه: بداية ضعيفة، وحياة جسدية محتاجة، ونهاية بالموت، وهذه الموعظة متصلة بأصل قرآني عظيم؛ قال تعالى: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ {18} مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ {19} ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ {20} ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) (عبس).

وليس المقصود من هذا الاستحضار احتقار الإنسان أو نفي كرامته، وإنما المقصود أن يدرك المرء أن كرامته لا تجعله مستقلًّا عن خالقه، ولا تبيح له الاستعلاء على عباده.

فما الذي يملكه الإنسان من أمر نشأته؟ وما الذي يستطيع دفعه عن نفسه من الشيخوخة والموت؟ وكيف تتحول النعم الموهوبة إلى أسباب للعجب بدل الشكر؟

وإذا تأمل القائد هذه الحقائق لم تمنعه من الثقة بقدراته، لكنها تردعه عن الغرور؛ فهو يملك من الكفاءة ما قد يؤهله للقيادة، لكنه يظل إنسانًا محدود القدرة، محتاجًا إلى الله وإلى الآخرين.

لماذا يحتاج أصحاب النفوذ إلى الناصح الأمين؟

يقابل في الرواية رجلان يختلف مصدر تأثيرهما؛ الأول يزيد بن المهلب صاحب قيادة وإمرة، والثاني مطرف بن الشخير صاحب علم ومكانة دينية، وقد جاء اعتراض مطرف مرتبطًا بمعيار شرعي لا باعتبارات المنصب، حين قال: «إِنَّ هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ».

وهذا يمنح الشجاعة الأخلاقية معناها الصحيح؛ فليست بطولة الناصح في قدرته على إحراج صاحب السلطة، وإنما في قول الحق بعلم وحكمة وإخلاص.

ولا يدل الخبر على أن مطرفًا كان يخاطب جمهورًا محتشدًا، أو أنه أراد إضعاف نفوذ يزيد بن المهلب السياسي؛ وإنما الثابت في صورته المنقولة أنه واجهه بكلمة إنكار مباشرة.

وفي واقع العمل، يحتاج أصحاب القرار إلى من يلفت انتباههم إلى الأخطاء دون تملق، كما تحتاج المؤسسات إلى بيئة يستطيع فيها الموظف تقديم الملاحظات المهنية دون خوف من الانتقام، وحين يُغلق القائد باب النصيحة حماية لهيبته، فقد يحافظ على المظهر زمنًا، لكنه يفقد مصدرًا أساسيًّا من مصادر تصحيح القرار.

الموازنة بين الصرامة والرفق في علاج الكبر

من أبرز خصائص جواب مطرف أنه جاء شديدًا ومباشرًا؛ فلم يعتمد على التلميح، بل استحضر حقائق ضعف الإنسان بألفاظ قوية، ويمكن النظر إلى ذلك بوصفه أسلوبًا من أساليب التنبيه الحاد الذي يقصد إلى قطع الاسترسال في الغرور، لكن لا يصح الجزم بأثره النفسي على يزيد؛ فالرواية لا تخبرنا هل تغير سلوكه بعد الموعظة، أو كيف تلقاها في باطنه.

كما لا يجوز تحويل موقف تاريخي واحد إلى قاعدة تربوية عامة تقضي بأن الإحراج أو الصدمة هما أنسب وسائل علاج الكبر، فالأصل في الدعوة قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ‌بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»(9).

وقد جمع ابن تيمية أصول هذا الباب بقوله: «فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده»(10).

وهذا التأصيل يضع الحزم والرفق في موضعهما الصحيح؛ فقد يحتاج المتكبر إلى كلمة واضحة توقفه عند حده، لكنه قد يحتاج كذلك إلى نصح خاص، أو حوار هادئ، أو تذكير لطيف يستنقذ قلبه من الغرور، والفرق كبير بين موعظة قوية يقصد بها الإصلاح، وإهانة مقصودة يراد بها كسر الإنسان.

وفي التربية الأسرية والتعليمية، ينبغي ألا تُستعمل الشدة لإذلال الأبناء أو الطلاب أو الموظفين بحجة علاج الكبر؛ فالمقصود تقويم السلوك، لا تحطيم الكرامة الإنسانية.

كيف هدمت الموعظة وهم العظمة؟

يستوقف المتأمل البناء البياني في جواب مطرف؛ فقد جاء موجزًا، متدرجًا، قائمًا على ثلاث صور متعاقبة.

  • الأولى: «أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ»، وهي تذكير بالبداية التي لا يملك الإنسان اختيارها.
  • الثانية: «وَأَنْتَ بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِلُ العَذِرَةَ»، وفيها استحضار للضعف الملازم للإنسان في حياته.
  • الثالثة: «وَآخِرُكَ جِيْفَةٌ قَذِرَةٌ»، وفيها تذكير بالموت وفناء الجسد.

وقد رُتبت هذه الصور في المقال على التسلسل الزمني للوجود، بينما قدّم مطرف في لفظ الرواية ذكر النهاية على ذكر الحال الحاضرة، مما يزيد وقع المقابلة بين أول الإنسان وآخره.

ومن أسرار البيان في العبارة اجتماع الإيجاز والمقابلة والجرس اللفظي في كلمتي «مذرة» و«قذرة»، مع تقارب خواتيم الجمل.

ولقد بلغ أثر هذا المعنى في الأدب أن نقله ابن خلكان في وفيات الأعيان، ثم أورد أبياتًا نسبها إلى أبي محمد عبد الله بن محمد البسّامي الخوارزمي:

عجبتُ من مُعجَبٍ بصورتهِ ... وكان من قبلُ نُطفةً مَذِرَهْ

وفي غدٍ بعد حُسنِ صورتهِ ... يصيرُ في الأرضِ جِيفةً قَذِرَهْ

وهو على عُجبِه ونَخوتهِ ... ما بين ثوبَيه يحملُ العَذِرَهْ(11)

وتكشف هذه الأبيات كيف ينتقل المعنى الأخلاقي من الموعظة إلى الشعر، فيبقى حاضرًا في الذاكرة الثقافية.

غير أن قوة البيان لا تعني أن خشونة الألفاظ مطلوبة في كل مقام؛ فالبلاغة الحقيقية هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وإيصال المعنى بما يحقق الإصلاح.

وفي زمن الإعلام الرقمي، الذي يسهل فيه ترويج المظاهر وصناعة الصور المتعالية للذات، تصبح الحاجة كبيرة إلى خطاب يعيد الإنسان إلى حقيقة قيمته، بعيدًا عن الافتتان بالثروة والشهرة وعدد المتابعين، فليس كل مشهور عظيمًا، ولا كل مجهول قليل القدر، وإنما الموازين الصحيحة أعمق من الصورة التي يراها الناس.

كيف يحرر التواضع الإنسان من أوهام الجاه؟

لم تكن إجابة مطرف بن عبد الله بن الشخير، في صورتها التي حفظتها كتب التراجم، إنكارًا لمكانة يزيد بن المهلب السياسية أو قدراته العسكرية، وإنما تذكيرًا بحقيقة تعلو على الألقاب: أن الإنسان، مهما بلغ من الجاه والقوة، لا يخرج عن حدود بشريته وافتقاره إلى خالقه.

وقد جمعت الموعظة بين التحذير من الخيلاء، والتذكير بأصل الخلقة، والدعوة إلى استقبال النصيحة من غير استعلاء، وهي معان تتصل مباشرة بتربية النفس وصلاح القيادة.

فالقائد لا يفقد منزلته حين يتواضع، بل يكتسب من الثقة ما لا تصنعه المظاهر، والعالم لا تكتمل شجاعته بمجرد قول الحق، بل بحسن القصد والحكمة في إبلاغه، والمربي لا ينجح بكسر شخصية المتكبر، وإنما بمساعدته على التحرر من آفة الكبر.

والسؤال الذي يبقى بعد قراءة هذا الخبر ليس: ما الذي كان يمتلكه يزيد بن المهلب من سلطة وجاه؟ بل: ما الذي ينبغي أن يتذكره كل إنسان حين تغريه مكانته بالنظر إلى الآخرين من علٍ؟

إنه أن يعرف أصله، ويتأمل مصيره، ويشكر نعم الله عليه، ويقبل الحق ممن جاء به؛ فالعظمة التي يحتاج صاحبها إلى احتقار الآخرين ليست عظمة، والهيبة التي لا تحتمل النصيحة هيبة هشة، أما التواضع فإنه يرفع قدر الإنسان من غير أن يضطره إلى استعراض مكانته.

وبقدر ما يتحرر المرء من سؤال «أَوَمَا تَعْرِفُنِي؟»، يقترب من فضيلة أسمى: أن يعرف نفسه على حقيقتها، عبدًا مكرمًا بنعم الله، مسؤولًا عن عمله، محتاجًا إلى رحمته.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 505).
  • 2 تفسير ابن كثير (5/ 70).
  • 3 شرح النووي على مسلم (14/ 60).
  • 4 صحيح مسلم (91).
  • 5 سير أعلام النبلاء (4/ 191).
  • 6 صحيح مسلم (91).
  • 7 شرح النووي على مسلم (2/ 90).
  • 8 جامع العلوم والحكم (2/ 275).
  • 9 صحيح مسلم (2594).
  • 10 مجموع الفتاوى (28/ 137).
  • 11 وفيات الأعيان (6/ 284).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة