فقه الاستشفاء الحضاري (5)

هندسة القوة والمال

هندسة القوة والمال

تقوم «هندسة الفضاء العام» في المجتمعات الحية على ركائز متكاملة تضمن توازنه وحيويته؛ والمقصود بـ«الفضاء العام» هنا ليس محصوراً في ساحات القرارات الكبرى كالسلم والحرب، بل يشمل كل حيز تتلاقى فيه مصالح الناس اليومية؛ من الرصيف والحديقة، إلى السوق وقاعات القضاء، ومنابر الرأي والجامعة والمسجد.

وحتى لا تستبد جهة بالتحكم في هذا المشاع الإنساني، فإن هندسته تقوم على أعمدة الحوكمة الأربعة التي سبق تأصيلها:

1- الدسترة: بوصفها الغلاف الحامي لحكم القانون وتحديد الصلاحيات، لكيلا يتحول الفضاء العام إلى ساحة لمزاجية السلطة.

2- الشورى: عقل الأمة التداولي الذي يضمن استقلال المؤسسات المعرفية والنقابية، وإسماع صوت المجتمع.

3- العدل والتداول: شريان الحياة الذي يمنع الاحتكار ويحفظ كرامة الإنسان وحقوقه في الموارد والفرص.

4- لجام الأغلبية والرقابة: الصمام الدستوري والمساءلة المؤسسية التي تمنع استبداد الكثرة بحقوق الأقليات والأجيال.

ولكن هذا المعمار يظل بحاجة إلى صيانة توازنه الوظيفي الدقيق؛ فالمؤسسة الدفاعية تمثل «الدرع الحصين» الذي لا غنى لأي أمة عنه لحماية كيانها الخارجي وسيادتها الوطنية.

غير أن التحدي الحضاري يبرز حين يختل خط الفصل المرن بين متطلبات الأمن الشامل وحيوية الفضاء العام، فتتداخل مسؤوليات حماية الثغور بمساحات التنافس التجاري الحر، أو تنشأ تحالفات مصلحية بين بعض أصحاب النفوذ ورؤوس الأموال تخل بقواعد السوق الطبيعية وتكافؤ الفرص.

إن صيانة استقرار الدول في عصرنا تتطلب التناغم التام بين المشروعية المؤسسية والقوة الحامية للوطن؛ بحيث تظل القوة سنداً حامياً للقانون، وتظل المؤسسات المدنية رافعة للتنمية.

وأي اضطراب في توزيع هذه الأدوار قد يورث الجسد الحضاري، وهنا اقتصادياً ينعكس سلباً على الطبقة الوسطى التي هي عماد التوازن والاستقرار.

لذلك، تأتي هذه المحطة الرابعة والأخيرة من «رباعية الحوكمة» لتقدم فقه التعافي والتوازن؛ عبر تفكيك هذه المعادلة هندسياً ومالياً من خلال مسارين متلازمين؛ حوكمة القوة الصلبة وصيانة احترافيتها السيادية من جهة، وتأمين بنك الدم المجتمعي عبر الاقتصاد التشاركي ومؤسسة الوقف من جهة أخرى.

أولا: حوكمة القوة الصلبة.. من شخصنة السلطة إلى سيادة المؤسسة:

استنزف الفقه السياسي الكلاسيكي جهداً في شروط شخص الحاكم، بينما يقتضي التجديد المعاصر نقل المركزية إلى حوكمة وظائف الدولة، ولصيانة هيبة المؤسسة الدفاعية ودورها السامي في حماية الأمن القومي دون الإخلال بحيوية الفضاء المدني، نعتمد مرتكزين أساسيين:

1- الترسيخ الدستوري لمهنية المؤسسة وحيادها: النص على أن القوات المسلحة مرفق سيادي جامع ولاؤه للوطن والدستور؛ فبقاء المؤسسة العسكرية فوق التجاذبات السياسية يحصن إجماع الأمة حولها، ويتكامل مع المناعة الوطنية الشاملة التي تبنيها النقابات والجامعات ومؤسسات الوعي المدني.

2- حوكمة الموارد والانضباط المالي: إخضاع الموازنات لمعايير الشفافية والانضباط المعتمد عبر لجان تشريعية متخصصة، توازن بحكمة بين حفظ السرية لمقتضيات الدفاع الإستراتيجي، وتحقيق التكامل مع الخزانة العامة.

ثانياً: ضوابط النشاط الاقتصادي.. بين الأمن الإستراتيجي وتكافؤ الفرص:

اتسع المفهوم المعاصر للأمن ليشمل الأمن الإستراتيجي والغذائي؛ ومن الطبيعي والمشروع أن تدير المؤسسات السيادية صناعات دفاعية، أو مشاريع تقنية متقدمة، أو خطوط إمداد لوجستي تعزز الاكتفاء الذاتي للدولة في أوقات الأزمات.

غير أن التحدي المقاصدي يظهر حين يمتد هذا الدور ليزاحم النشاط التجاري والخدمي اليومي؛ فالمؤسسات السيادية تمتلك إعفاءات وقدرات لوجستية استثنائية خصصت أصلاً لمهام الردع، ونزولها لمنافسة الأسواق العادية يحدث مزاحمة غير متكافئة تربك المبادرة الخاصة وتنهك الطبقة الوسطى، فضلاً عن خطر نشوء تحالفات نفعية تستغل تلك المزايا للاحتكار.

لذا، يقضي فقه التعافي بحصر استثمارات المؤسسات السيادية في القطاعات الدفاعية والتكنولوجية الكبرى، وترك مساحات التجارة والإنتاج المدني لحركة المجتمع، حفظاً لمبدأ تكافؤ الفرص وصيانة للمؤسسة الحامية من احتكاكات السوق.

ثالثاً: رأس المال الوطني.. وملء الفراغ بالتمويل التشاركي:

إن تنظيم دور القوة الصلبة في الاقتصاد لا ينبغي أن يفسح المجال في المقابل لهيمنة رأسمالية متوحشة أو لاحتكارات خاصة تلحق الضرر بالصالح العام؛ فالانتقال من الهيمنة العامة إلى جشع الاحتكار الخاص ليس إلا استبدالاً لخلل بخلل مثله.

وهنا تبرز الرؤية المقاصدية للاقتصاد الإسلامي ورأس المال الوطني الواعي لضبط هذه المعادلة:

1- تفعيل مقصد التداول العادل: التحول من نمط التمويل القائم على تعظيم المديونيات وتكديس الثروة في نطاق ضيق، إلى صيغ التمويل التشاركي والاستثماري الحقيقي؛ تحقيقاً للتوجيه القرآني الصارم: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7).

2- الاستثمار في الاقتصاد العيني الحقيقي: توجيه السيولة نحو الزراعة، والصناعة، والتطوير العمراني المتوازن، وتجنب أسواق المضاربات السريعة التي تفرز ثراء وهمياً لا يعود بنفع حقيقي على المجتمع؛ وبذلك تتسع قاعدة الطبقة الوسطى وتتنوع مصادر الدخل الوطني.

3- أجهزة الرقابة ومكافحة الاحتكار: تطوير أجهزة حماية المنافسة والرقابة المالية والشرعية لتقوم بدور الضابط الأخلاقي والاقتصادي؛ فتحظر التحالفات الاحتكارية التي ترفع الأسعار، وتضمن بيئة تنافسية شفافة يطمئن فيها المستثمر والمستهلك على حد سواء.

رابعاً: هندسة القطاع الثالث.. الوقف كبنك دم مجتمعي:

حتى لا يقع المجتمع بين مطرقة البيروقراطية وسندان تقلبات السوق، ينهض «الوقف الإسلامي» كقطاع اقتصادي ثالث يضمن استقلال الفضاء العام ومناعته:

1- الحوكمة والاستثمار الذكي: تحرير إدارة الأوقاف من الجمود الإداري، وتشغيلها وفق معايير الشفافية وأدوات التمويل المعاصر كالمحافظ والصكوك الوقفية؛ بحيث تستثمر الأصول المعطلة بالشراكة مع رأس المال الوطني، لتوليد عوائد مستدامة مع بقاء أصل الرقبة محصنا لصالح الأمة.

2- تحرير المعرفة والصحة من الاحتكار: توجيه عوائد الوقف نحو تمويل الجامعات، والمراكز البحثية، والمستشفيات؛ فالتمويل الوقفي المستقل الضمانة الأكيدة لحرية العلم وتكافؤ الرعاية الصحية، وحماية العقول والمجتمع من أعباء المديونيات أو التبعية والابتزاز

بهذه المحطة، نكون قد أتممنا بحمد الله تشييد رباعية الحوكمة الرشيدة؛ بأركانها الدستورية، والمجتمعية، وتوازن القوة والمال، غير أن العدالة وسيادة القانون لا تكفيان وحدهما لصناعة البهجة وجودة الحياة؛ إذ يظل الجسد الحضاري بحاجة إلى روح تحييه، فكيف نفعل مناعة الجمال لمقاومة القبح الإداري والمعماري؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة