فقه الاستشفاء الحضاري (3)
هندسة «الفضاء العام».. عن سيادة المجتمع ولجام الأغلبية
إذا كُنّا في
مقاليْنا السابقيْن قد شيّدنا «الغلافَ الدستوريَّ الواقي» للدولة، وأقمنا فيها
أعمدةَ الشورى والعدل والأمانة، فإنّ هذا المعمارَ المركزيَّ يظلُّ يحملُ إغراءً
غريزياً بالتمددِ وابتلاعِ المجتمع؛ فالدولةُ الحديثةُ تميلُ بطبعها إلى التحوّلِ
من خادمٍ للكيان إلى محتكرٍ للوجود.
ولضمان نجاعة بروتوكول
الاستشفاء الحضاري، لا نكتفي بالدستورية الشكلية، بل نؤسس لـ«المعيار الذهبي
لسلامة النصوص»، بجعل التسبيب ركناً دستورياً أصيلاً، وهنا يستدعي فقهنا الإسلامي شروط
العلة الأصولية؛ فلا يصحُّ دستورياً أن يُبنى قرارٌ إداريٌّ على وصفٍ خفيٍّ أو
تقديرٍ غامض، إنَّ التسبيبَ الرصينَ يقتضي أن تكون الأسبابُ (وصفاً ظاهراً
ومنضبطاً)، يُخرجُ السلطةَ من دائرةِ الهوى إلى دائرةِ الانضباطِ الموضوعي، ويحمي
الأماناتِ من تغوّلِ الحاكم أو الموظف العام.
بناءً على ذلك،
تأتي المحطةُ الثالثةُ من «بروتوكول الحوكمة» لتنزلَ من أبراجِ السلطةِ إلى ساحةِ
الشارع، لتهندِسَ «الفضاءَ العام» بوصفه البيئةَ النسيجيةَ الحاضنةَ للجسدِ
الحضاريّ، إنَّ هذا الفضاءَ هو صمامُ الأمانِ الذي يحمي المواطنين من التحولِ إلى
مجردِ أرقامٍ في سجلاتِ النظام، ويضمنُ تحصينَ الحقوقِ من أي تغوّلٍ سلطويّ، سواء
كان استبداداً صريحاً أو ديمقراطيةً تفرطُ في حقوقِ الأقلية، لنؤسس بذلك لسيادةِ
مجتمعٍ يمتلكُ لجامَ حركتهِ وبقائه.
1- القاعدةُ الأصولية: الولايةُ الخاصةُ أصلٌ والعامةُ استثناء:
تنهضُ الهندسةُ
السياسيةُ الإسلاميةُ للفضاءِ العامِّ على قاعدةٍ حقوقيةٍ مذهلة، يغفلُ عنها
الفكرُ السياسيُّ المعاصر، وهي: تقديمُ الولايةِ الخاصةِ على الولايةِ العامة.
ففي الأصلِ
الفقهيّ، يولدُ الإنسانُ كاملَ السيادةِ على نفسهِ، وبيتهِ، ومالهِ، وأسرتهِ
(ولاية خاصة)؛ ولا يملكُ السلطانُ (الولاية العامة) حقَّ التدخلِ في هذا الفضاءِ
الفرديِّ والأُسريِّ إلا في حالتينِ صارمتين: (العجزُ عن القيامِ بالواجب، أو
البغيُ وتجاوزُ الحدود)، الولايةُ العامةُ في الإسلامِ هي سلطةٌ احتياطيةٌ تكميلية؛
تتدخلُ لِـتجبرَ الكسر، لا لِـتكسرَ العظم.
ولكي تحميَ
الحضارةُ الإسلاميةُ هذا الفضاءَ العامَّ من ابتلاعِ ميزانيةِ السلطة، ابتكَر
العقلُ الفقهيُّ أعظمَ (مَصدٍّ ماليٍّ ومؤسسيٍّ) في تاريخِ الاجتماعِ البشري:
«نظام الوقف».
لقد كان الوقفُ
في حقيقتهِ إعلاناً اقتصادياً لِسيادةِ المجتمع؛ فحين تكونُ المستشفى، والجامعة،
والمكتبة، وبئرُ الماءِ، وتكيةُ الفقراءِ، مُمَوّلةً من (أوقافِ الأهالي
المستقلة)، فإنّ السلطةَ السياسيةَ تفقدُ قدرتها على ممارسةِ أبشعِ أنواعِ
الابتزاز: (خنقُ حنفيةِ الرأي، عبرَ التلويحِ بِـقَطْعِ حنفيةِ الخبز)، الوقفُ هو
الذي جعلَ العالِمَ يقفُ في وجهِ الخليفةِ دونَ أن يرتجفَ لهُ جفن؛ لأنّ خبزَ
عيالهِ كانَ في كفالةِ (اللهِ ثم المجتمع الذي فقه حكم الله)، لا في خزينةِ
(الديوان).
2- هابرماس وسقوطُ المعمار.. التشوهُ الأنطولوجيّ في غزة:
إنّ هذا الهاجسَ
(حمايةُ المجتمعِ من تغوّلِ السلطةِ والسوق) هو ذاتهُ السؤالُ الوجوديُّ الذي أفنى
الفيلسوفُ الألمانيُّ يورغن هابرماس جُلَّ عمرهِ للإجابةِ عنه بعد الحرب العالمية
الثانية: كيف نمنعُ تكرارَ ظاهرةِ هتلر؟
لقد أدركَ
هابرماس مبكراً أنّ صناديقَ الاقتراعِ وحدها لا تحمي الشعوب، فقامَ بِـهندسةِ
المجتمعِ إلى عالمين:
أ- عالمُ النظام:
وهو (الدولة والاقتصاد)؛ وتديرهُ عقلانيةٌ أداتيةٌ باردة، تحكمها لغةُ الأرقام،
والربح، والسيطرة.
ب- عالمُ الحياة:
وهو (الفضاءُ العام، والأسرة، والمجتمع المدني)؛ وتديرهُ عقلانيةٌ تواصليةٌ قوامها
الحوار، والتفاهم، والقيم المشتركة.
وقررَ هابرماس
بعبقريةٍ أنّ الفاشيةَ تحدثُ حصراً عندما «يبتلعُ النظامُ عالمَ الحياة»؛ واشترطَ
للشرعيةِ السياسيةِ ألا يتغوّلَ الأداتيُّ على التواصليّ، ولِكبحِ جماحِ
(الأغلبيةِ البرلمانيةِ التي قد تُصوّتُ لدكتاتور)، ابتكرَ مبدأ «الوطنية
الدستورية»؛ جاعلاً احترامَ حقوقِ الإنسانِ قيداً صارماً فوقَ إرادةِ المصوّتين.
بيدَ أنّ هذا
المعمارَ الفلسفيَّ الباذخَ، سقطَ في امتحانهِ الأخلاقيِّ الأقسى على ترابِ غزة؛
حين وقّعَ هابرماس نفسُهُ بياناً يُشرعنُ إبادةَ المدنيين!
لماذا سقطَ
الفيلسوف؟ لأنّ معمارَهُ كان مصاباً بـ «تشوهٍ أنطولوجيٍّ (وجوديٍّ) متجذرٍ في
صميمِ العقلِ الغربيّ»، إنّ عالمَ الحياة عند هابرماس ليسَ فضاءً بشرياً مفتوحاً،
بل لهُ (حدودٌ جمركيةٌ تقفُ عند أسوارِ المركزيةِ الأوروبية)؛ فالشعوبُ القابعةُ
خارجَ المركزِ الغربيّ، يُنظرُ إليها في اللاشعورِ الفلسفيِّ على أنها كائناتٌ في
مرحلةِ ما قبل الحضارة، وبالتالي، هي تقعُ خارجَ (عالمِ الحياةِ المعصوم)، ويصبحُ
سحقُها ليسَ سقوطاً للأخلاق، بل مجردَ (إجراءٍ أداتيٍّ إستراتيجيّ) تتخذهُ الآلةُ
لحمايةِ النظامِ العالميِّ المهيمن!
3- العلاجُ القرآني.. الكرامةُ القَبْلِيّة فوقَ التداول:
هنا، وبأقصى
درجاتِ الاعتزازِ الإبستمولوجيّ، يتقدمُ الفكرُ الإسلاميُّ لِـيضعَ العلاجَ
الصارمَ لِـثغرةِ هابرماس.
إنّ الإسلامَ لم
يربطْ إنسانيةَ الإنسان بحوارٍ تواصليّ، ولا بعقدٍ اجتماعيّ، ولا بتصويتٍ برلمانيّ؛
بل جعلَها حقيقةً أنطولوجيةً سابقةً على الوجودِ السياسيّ؛ عبرَ إعلانٍ كونيٍّ
قاطع: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا
بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70).
هذا التكريمُ في
لغةِ القانون هو حقٌّ قَبْلِيٌّ غيرُ قابلٍ للتصرف؛ يثبتُ للفردِ بمجرد تحقق
الآدمية فيه، سواءً كانَ في ناطحةِ سحابٍ في دول الغرب، أو تحتَ خيمةٍ ممزقةٍ في
رفح، الكرامةُ في الإسلامِ ليستْ منحةً من النظام، ولا تسويةً في عالمِ الحياة؛
إنها الشفرةُ الوراثيةُ للكائنِ البشريّ، والتي تمنعُ أيَّ أغلبيةٍ في كوكبِ
الأرضِ من التصويتِ على إهدارِ دمه.
4- المصدّاتُ الدستورية.. الجمودُ المرن ولجامُ الأغلبية:
كيف نترجمُ هذه
الفلسفةَ إلى هندسةٍ دستوريةٍ معاصرة تحمي الفضاءَ العام؟ عبرَ آليتينِ صلبتين:
أولاً: مبدأ
«الجمود المرن» للثوابت: في الديمقراطيةِ الجوفاء، يمكنُ لـ51% من البرلمان أن
يُصوّتوا على إلغاءِ لغةِ أو دينِ الـ49%، أو حرمان أقليةٍ محتلةٍ من حقوقها كما
في فلسطين؛ بذريعة قرارٍ ديمقراطي من مُحتل، أما في الدستورِ الحضاريّ، فإنّ ثوابتَ
الهوية، وحقَّ الحياة، وحرمةَ المسكنِ والأسرة تُوضعُ في المادةِ فوق الدستورية
ذاتِ الجمود المطلق؛ فهي أصولٌ غيرُ قابلةٍ للتصويت، بينما تُتركُ المرونةُ لِتغييرِ
القوانينِ الإداريةِ والاقتصادية.
ثانياً: مَأسسةُ
«الثلث المعطّل» (لجام الأغلبية): وهو تصميمٌ هندسيٌّ يمنحُ ممثلي الفضاءِ العامِّ
كالنقابات، والجامعات، والمجالس الأهلية حقَّ الفيتو القانوني لِفرملةِ أيِّ
تشريعٍ سلطويٍّ يمسُّ استقلالَ المجتمعِ أو يهددُ أمنَ الأسرة؛ لِتكونَ السيادةُ
الحقيقيةُ في الدولةِ لتوازنِ المجتمع، لا لشهوةِ الحزبِ الحاكم.
نحو استكمالِ الرُّباعية
بهذا المقال،
نكونُ قد شيّدنا أركانَ الحوكمةِ الرشيدة: أمّنّا الغلافَ الدستوريّ، وأقمنا الأعمدةَ
الأربعة، وحصّنّا الفضاءَ العامّ، لكنَّ هذا المعمارَ يظلُّ مهدداً بسكتةٍ وظيفية؛
فمتى تغوّلت العضلاتُ الخشنة الشوكة والمال على عصبِ المجتمع السوقِ والطبقةِ
الوسطى، تحولَ الجسدُ الحضاريُّ إلى ساحةٍ للتسممِ الاقتصاديِّ والسياسيِّ القاتل.
إنَّ كمالَ
الحوكمةِ لا يتوقفُ عند تنظيمِ الفضاء، بل يمتدُّ إلى «هندسةِ الزمانِ والمسؤولية»
لضمانِ ألا تلتهمَ أجيالُنا الحاضرةُ بذورَ مواسمنا القادمة، ثم يعمل على «هندسةِ
القوةِ والمال» لضمانِ خضوعِ الشوكةِ للدستورِ لا للأشخاص.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً