«الإيدز الحضاري».. انهيار حارس البوابة

هذه محاولة لتقديم تشخيص للأمراض التي تفتك بأمتنا، مستلهمين قوله تعالى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات: 21).

نستعير من جهاز المناعة البشري استعارة مركزية؛ فكما أودع الله في الجسد نظاماً دفاعياً (كريات الدم البيضاء) وظيفته اكتشاف العدو والتمييز والمقاومة المستمرة للحفاظ على صحة الجسد؛ فإن الأمة أيضاً لديها أجهزتها الدفاعية (العلماء، والمفكرون، والنخب).

عندما تتخلى هذه الأجهزة عن وظيفتها الأساسية في التمييز والمقاومة، فإن الأمة تُصاب بـ«الإيدز الحضاري»، الإيدز هنا هو قصة رمزية تُجسِّد قانوناً إلهياً صارماً؛ انهيار منظومة التمييز والمقاومة يؤدي حتماً إلى الزوال.

1- الكود البيولوجي.، الحارس الذي انقلب:

ولفهم هذا القانون الحضاري الصارم، يجب أن نُمعن النظر في النموذج البيولوجي الذي يحمل اسمه «فيروس نقص المناعة البشري» (HIV).

تأملوا في هذا الفيروس الخبيث: إنه لا يذهب إلى الخلايا السهلة أو الأنسجة العادية ليُدمّرها؛ بل يتجه مباشرة نحو قادة جهاز الدفاع؛ أي الخلايا التائية «CD4»، ومع رجائنا لأهل البلاء بالعافية، ومع التنبيه أن بعض المصابين لم يمارسوا الفاحشة (ربما نتيجة نقل دم أو انتقال المرض مع الزوج المصاب)، إلا أن في فهم آلية عمل المرض عبرة بليغة؛ ولا سيما أن أهم أسباب الانتقال هو ممارسة جنسية خاطئة، فكأن من فقد مقاومة هواه، فقد جسمه القدرة على مقاومة الجراثيم.

توضيح القيادة المناعية (CD4)

في جهاز مناعتنا، تُعد الخلايا التائية المساعدة (CD4) قائد الأركان أو غرفة التحكم، هذه الخلايا القائدة لا تهاجم الجراثيم مباشرة في الغالب، بل وظيفتها هي التمييز وإعطاء الأمر، عندما يدخل أي فيروس، فإن الخلايا التائية تكتشفه وتُحلله وتُصنّفه، ثم تُرسل الإشارات الكيميائية (رسائل قيادية) إلى باقي أنواع كريات الدم البيضاء لتقول لها: «هذا هو العدو، ابدؤوا الهجوم».

فيروس «HIV» ذكي وخبيث؛ فهو لا يُهدر وقته في مهاجمة الجنود العاديين، بل يذهب مباشرة إلى قائد الأركان (الخلايا التائية CD4)، يحتل هذه الخلايا القائدة، وتحوّلها إلى مصنع لإنتاج المزيد من الفيروسات.

هذه الخلايا التي خلقها الله لتكتشف العدو، تُصنِّفه، وتُطلق إشارة المقاومة تتحول عن وظيفتها وتعجز عن اكتشافه فبدل أن تقاوم الكرات البيضات للفيروس تصبح أكيله وجليسه وشريبه

ببطء، يتحول الجيش الداخلي للجسد من حامٍ إلى سبب في الفناء، حينما يتمكن الفيروس من تحطيم خط الدفاع هذا، يُصاب الجسد بـ«متلازمة العوز المناعي المكتسب» (AIDS)، ليصبح عاجزاً عن مقاومة أبسط الجراثيم الانتهازية التي كانت لا تُشكل أي خطر من قبل.

هذا هو الانهيار الكامل لآلية التمييز؛ حيث يفقد الجسد القدرة على التفريق بين العدو والصديق، بل ويُجنِّد الصديق لمحاربة نفسه.

2- النموذج الحضاري.. «عوز المناعة» الاجتماعي:

إن القانون البيولوجي لجهاز المناعة هو مرآة دقيقة للقانون الإلهي الذي يحكم صعود وسقوط الأمم، حين نتحدث عن «الإيدز الحضاري»، فإننا لا نشير إلى مرض عضوي، بل إلى انهيار وظيفي يتمثل في:

  • فقدان آليات التمييز: العجز عن التمييز النقدي بين ما يُعمِّر وما يُدمِّر، وبين ما يُناسب هويتنا وما ينسلخ عنها.
  • احتلال القادة والموجهين: تحوّل النخب الفكرية، والسياسية، والإعلامية من حماة للأمة إلى أدوات لترويج مشاريع التبعية والانسلاخ، وغالباً تحت شعارات براقة تخفي العوز الحقيقي.

الأمة القوية هي التي تمتلك جهازاً مناعياً متيناً يستطيع التعامل مع الأخطار الداخلية والخارجية، وهذا الجهاز، في الوعي الإسلامي، يبدأ بقانون «التدافع».

هذا الجهاز المناعي المتين يتطلب أساساً قوياً للتمييز؛ فالأمة تحتاج إلى الرؤية الكلية (World View)، التي تُبنى على الوعي المقاصدي.

هذه الرؤية تمكّنها من تمييز النافع من الضار وفقه الموازنات  ثم تنتقل إلى مرحلة العمل عبر تفعيل قانون التدافع الذي يُجسّد التفكير الإيجابي والاستباقي في الوقاية من الأخطار.

3- التدافع والضرورة الوجودية للمقاومة:

إن وجود المناعة والمقاومة ليس خياراً أخلاقياً إضافياً، بل هو ضرورة وجودية أقرّها الخالق للحفاظ على استمرارية وصلاحية الحياة على الأرض، فبدون مقاومة، يتحول كل شيء إلى فساد مطلق، كما يشير قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251).

إن كلمة «دَفْع» هنا لا تعني الحرب العسكرية فقط، بل تعني المقاومة بشتى صورها؛ الفكرية، والقيمية، والاقتصادية، والسياسية، فالأرض تفسد إذا توقفت وظيفة الدفع والمقاومة، والمجتمع ينهار إذا توقفت وظيفة التمييز والإنكار.

الأمة التي تُوقِف وظيفة الدفع والتمييز تُلغي في حقيقة الأمر سبب وجودها ككيان حضاري فعال، إنها تفتح الباب لـ«الجرثومة الانتهازية»، وهي في سياقنا الحضاري الفساد المالي، والظلم، والتحلل الأخلاقي، والتبعية المطلقة للغير، هذه الجرائم لم تكن لتقوى وتتغول لولا التحلل المناعي.

4- المجتمع كـ«الخلايا التنفيذية» وغياب صمامات الأمان:

إن التشخيص المتكامل للعوز المناعي الحضاري يكتمل بالنظر إلى دور المجتمع والمؤسسات، فإذا كانت النخب هي قادة الأركان (الخلايا التائية CD4)، فإن جمهور الأمة يمثل الكريات البيضاء التنفيذية التي تُنفِّذ الهجوم وتُمارس الإنكار والتطهير في الحياة اليومية.

عندما يتخلى هذا الجسد المجتمعي عن دوره كـ«ناهٍ عن المنكر» ويتحول إلى متفرج سلبي، فإنه يُعاني من شلل في الاستجابة المناعية؛ ما يسمح للفساد بالتغول.

كما أن غياب المؤسسات القوية والمحايدة القادرة على ممارسة الضبط والسيطرة كالقضاء المستقل والإعلام النزيه، يمثل انهيار صمامات الأمان الهيكلية التي تمنع النخب المخترقة من تدمير الجسد بالكامل، ولذلك، فإن استعادة القرار تبدأ بإحياء قدرة المجتمع على الإنكار الإيجابي ودعم بناء حوكمة رشيدة ترتكز على مؤسسات العدل والمحاسبة، كأدوات استشفاء وعلاج مضاد للفيروسات الحضارية.

5- الإشارة التحذيرية واستعادة القرار:

يجب أن يدفعنا هذا التشخيص إلى تساؤلات مؤرقة: هل يُعاني جسد أمتنا اليوم من عوز مناعي مكتسب؟ هل النخب تروّج للاستسلام بدلاً من المقاومة؟ وهل فقدنا قدرتنا على إنكار المنكر حتى تبختر المنكر في حياتنا؟

لكن يجب أن نقابل هذا التشخيص بحذر منهجي، فرغم الفائدة التفسيرية لاستعارة «الإيدز الحضاري»، التي تُحدد الفيروس والعلاج، يجب ألا تنقلنا إلى النزعة الحتمية واليأس، هذه الاستعارة قد تخاطر باختزال التعقيد التاريخي في مفهوم أحادي للمرض.

فالحقيقة أن «الإيدز الحضاري» ليس مصيراً حتمياً، وكما أن الداء البيولوجي لم يعد حكماً بالإعدام بفضل الأدوية، فإن العوز الحضاري قابل للعلاج؛ بشرط الأخذ بأدوات الاستشفاء.

تتمثل أدوات الاستشفاء في إقامة العدل والحوكمة الرشيدة كجزء من العمل الصالح والاستقامة، فالحوكمة الرشيدة هي العلاج المضاد للفيروسات الذي يعيد بناء القدرة الدفاعية، مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11).

التغيير المطلوب ليس خارجياً فقط، بل هو تغيير فكري وقيمي داخلي، وعليه ينبغي استخدام الاستعارات البيولوجية كأدوات تفسيرية للوظيفة، وليس أدوات تشخيصية نهائية لتحديد المصير، الهدف هو تحفيز الإرادة والعودة إلى السنن الكونية للبدء بإعادة بناء خطوط الدفاع المنهارة.



اقرأ أيضاً:

لماذا لم ننتصر؟!

‏الأمة وواجب الانبعاث الحضاري

حول التخلف الحضاري في العالم الإسلامي وأسبابه

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة