العنوان من الحجر إلى البشر رسالة متعددة الدلالات
الكاتب أبو اليزيد العجمي
تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1464
نشر في الصفحة 44
السبت 18-أغسطس-2001
لم أكن شاعري المنحي حين قرأت دلالات عقلية في لغة الحجر، ذلك إنه خلق من خلق الله يسبح بحمده وإن لم نفقه لغته ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)
وهو كذلك سيعين موقع اليهودي للمسلم: «يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله» ويزيد الأمر وضوحًا حديث رسول الله ﷺ له عن جابر بن سمرة t قال: قال رسول الله: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن»، رواه مسلم في صحيحه 15/36
وعليه فالحجر الذي يتحرك ويقذف به الفلسطينيون اليهود كائن له وجود، ولحركته دلالات يجدر بنا أن نتأملها.
أولًا: يهتك الحجر الغطاء الزائف للحضارة الغربية ليظهر عوارها الأعين الناس.
وذلك من خلال محاكمتها وفقًا لما تدعيه هي منذ عصر النهضة من تبنيها لحقوق الإنسان وإعلاء شأنه، وتحريره من القيود التي فرضت عليه، اليس الفلسطينيون من بني الإنسان لهم حق في الحياة، والأمن والعمل والتعليم ونحو ذلك؟!
ثم صمت العالم الغربي عما يحدث، وإذا تكلم بعضهم نطق بكلام الا مضمون له مثل على الأطراف ضبط النفس التصعيد خطر على المنطقة، ونحو هذا، لكن هذا العالم حرك كبار المسؤولين «الأمين العام للأمم المتحدة» من أجل جنود ثلاثة صهاينة لدى المقاومة اللبنانية.
ثم كيف نفهم استخدام أمريكا لحق النقض في مجلس الأمن وعدم موافقتها على إرسال قوات دولية للمراقبة إلا إذا وافقت تل أبيب، فضلًا عن إمدادها إياها بأحدث الأسلحة. فهل هذه حضارة تستحق أن يفتن بها العقلاء؟
الحجر يسأل المفتونين بالحضارة الغربية التي تمثل عندهم نهاية التاريخ وتمثل عندهم الدستور الأمن، وينافحون عنها ضد حضارتهم وهويتهم – يسأل الحجر: هل أسفر الصبح لذي عينين أم أن الأمر لا يزال في دائرة المرض حيث المريض لا يستطعم الحلو لأن فاه وذوقه – فضلًا عن عقله – مريض:
ومن يك ذا فم مر مريض*** يجد مرًا به الماء الزلالا
ثانيًا: وسط الصخب الدائر حول التطبيع، رفضًا من مجموع الأمة، وقبولًا من دعاة الذل والهوان فيها، وسط هذا الجو يهمس الحجر في أذن من ينادون من المثقفين بالتطبيع قائلًا: ربما التمست لكم عذرًا قبل الانتفاضة (قبل 28/۹/2000م) وقلت لعلهم أحسنوا النية، وإن أساءوا الفهم والتقدير، لكنه بعد الذي ترون صباح مساء من قتل وتدمير، وانتهاك لكل الحرمات، وتدنيس للمقدسات، بعد هذا المر يوح هذا لكم بصدق ما حدث القرآن الكريم به عن اليهود، ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74) ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (الأنفال: 56) ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]، فضلًا عن اضطراب عقيدتهم، كما جاء في توراتهم وتلمودهم.
ألم ينكشف لكم الحق حتى تغيروا وجهتكم فتعودوا إلى ساحة الحق والعود أحمد، ولتعلموا أنكم لن تنجوا من أيدي هؤلاء وغدرهم فتاريخهم القديم والحديث يؤكد هذا ويثبته بأدلة ليس هنا موضع عدادها.
ثالثًا: ينظر الحجر إلى ولاة الأمر في الأمة المسلمة نظرة إكبار وتقدير، لأنهم على قدم النبوة، ولأن الله هيأ لهم من مقدرات الأمور ما يجعلهم سادة العالم، ولأنهم أحفاد من صنعوا الحضارة الزاهرة التي يشهد لها العالم العدو قبل الصديق، ولأنهم يؤمنون بدين يعلمهم أن العزة لله ولرسوله والمؤمنين.
لكن الحجر يتعجب من موقف معظم أولى الأمر، وعدم تحركهم بما يناسب الموقف والكرامة، ويعزو هذا الموقف إلى سببين هما:
1- الانخداع بمقولات السلام والتعايش السلمي ونحو هذا مما بات مفضوحًا أمره مكشوفًا ستره.
٢- ظن البعض أن المصلحة في الصمت أو التصريح بما لا يحتوى مضمون إيثارًا للسلامة، وحرصًا على علاقات مع الغرب بشكل أو بآخر لكن الحجر يقول أذكر والذكرى تنفع المؤمنين – بالقول المأثور أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وأذكر بأن الكيان الصهيوني لا يريد القدس وحدها ولا فلسطين وحدها، وإنما يريد كل ما تحت يد الأمة العربية والإسلامية أرضًا يقيم عليها حلمه، وقدرات يحارب بها العالم لتكون الحكومة التي تحكم العالم خفاء في البداية، وظهورًا في الوقت المناسب.
وليس هذا خيالًا اتخيله بل هو ضمن تصريحاتهم عبر ندوات متعددة بعضها كشف أمره وبعضها لايزال سرًا.
ويقول الحجر: لكني لا أزال أتطلع إلى أولى الأمر وقد غضبوا غضبة مضرية توقف العدو عند حده، وتعيد للإنسان العربي المسلم عزته وكرامته. وأما عن المصالح فـ ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النحل:٩٦)
رابعًا: لم يذكر الحجر موقف الشعوب العربية المسلمة من الانتفاضة لكنه – وقد لاحظ أن فتوراً حدث – راح يذكر الشعوب بحلول عملية وهي في الإمكان، مثل مقاطعة كل ما هو أمريكي وصهيوني وليس الأمر هنا قيمة مادية بقدر ما هو تعبير عن وجود يملك صاحبه أن يقول ولاء لمن يهيئه، ومثل العون المادي وحبذا لو كان قليلًا دائمًا، وليس بكثير علينا أو عليكم أن يتبرع كل عربي وكل مسلم بتكلفة وجبة كل أسبوع.
خامسًا: قال الحجر قد قلت ما قلت وفاء بحق البيان والنصح ولست استشعر ضعفًا ولا تراجعًا، بل أحب أن أؤكد حقيقتين هما:
۱- قوة الحق الذي ندين الله عليه، وأننا نتحرك لنصرة دينه، وإنقاذ مقدساته، وأننا ندافع عن أمتنا بحكم موقعنا ومسؤوليتنا ودليلي على اننا أقوياء صفوف الشهداء الذين يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الظفر بإحدى الحسنين.
ولا ندعى أننا لا نحتاج عون إخواننا بل نطمئنهم أننا ماضون على العهد لن نخيس، ولن تنكص، وقوتنا مدد من الله ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ «محمد:٧» ثم روح من أخوة إخواننا تسرى في كل حركتنا.
٢- ضعف الباطل المدجج بأعتى الأسلحة، وحالة الهلع والخوف التي تسيطر على كل أفراد العدو، حكومة ومستوطنين، وليس العنف الذي يمارسونه دليل قوة، بل هو علامة جين، وضربة خوف، ظنًا منهم أن ذلك قد يفت في عقيدنا.
لكننا نقول لهم ما يعلمونه جيدًا من أن الأمر بالنسبة لنا دين وحياة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران ١٦٩)، و« قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار».
فإما حياة تسر الصديق *** وإما ممات يغيظ العدا
اللهم فاشهد. اللهم فاشهد. اللهم فاشهد.
([1]) أستاذ الفلسفة الإسلامية كلية الشريعة الكويت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل