العنوان تأثير القرآن الكريم في مجال اللغة والحضارة (٦ من ١٠) نبأ .. وخبر
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 59
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 38
السبت 13-سبتمبر-2008
- العرب وجدوا في القرآن الكريم تشريعًا شاملًا يجمعهم في وحدة إنسانية ولسانية وحضارية جعلتهم في المقدمة قبل قرون.
يتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن القرآن الكريم، فيقول: «فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل» ... هذه خلاصة القرآن الكريم، كما وضحها البشير النذير صلوات الله عليه وسلامه، وهذه الخلاصة تطرح المنهج الإسلامي كله في إيجاز لبناء الحاضر، وإبداع المستقبل. تأمل كيف قال: «ما قبلكم... وما بعدكم[1]»، ولم يقل: «من قبلكم.. ومن بعدكم».
إنه يقصد ما سبق بعقلائه وغير عقلائه من المخلوقات والكائنات والجمادات، والأمر نفسه بالنسبة لما بعده، وكأنه لا يقصد الناس وحدهم، وإنما يقصد الوجود الإنساني كله في إطار الحضارة والبناء والقوة والفكر والثقافة، وفي الوقت ذاته يشير إلى أنه الحكم أو الفيصل الذي يفصل بين الصواب والخطأ؛ لأنه جد وليس هزلًا؛ مما يرد على القائلين من أهل الهوى بأن القرآن منتج تاريخي أو أنه كتاب عبادة وليس كتاب عمل وأسلوب حياة.
ولذا نجد الرافعي، يشير إلى هذه المسألة إشارةً واضحةً دقيقةً، حين يقول: «... تجد الخطاب الأدبي مطلقًا في القرآن كله، كأنه نظام إنساني عام لا يراد به إلا حرية المنفعة للنوع كله، ثم الموازنة بين مقدار هذه المنفعة وبين مقدار الحرية التي تنال بها، وليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي، فإن إطلاق الحرية عبث وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار»[2].
وتأكيد الرافعي، تنظيم القرآن الكريم للمجتمع يوجب بالتبعية فهم القرآن فهمًا دقيقًا صحيحًا، ولا يتأتى ذلك إلا بفهم اللغة العربية واستيعابها لتخدم العرب، ومن أصبح في حكم العرب أي المسلمين، ومن عاش بينهم، ففي النبأ الذي يسوقه القرآن عن الأقدمين عظة وعبرة لمن يريد الاتعاظ والاعتبار والبعد عن المزالق المهلكة والسير في المسالك المنجية، وفي الخبر القرآني عن مصير الأمم التي استقامت أو انحرفت ما يغني أولي الألباب عن كثير من المتاعب والصعاب.
جيل نموذجي
وبعد الجيل الأول من المسلمين الذي عاش مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتشبع بتعاليم مدرسة النبوة الأولى دليلًا حيًّا على تأثير القرآن الكريم في العرب ولغتهم معًا، فقد شهد هذا الجيل، بل أحس حلاوة القرآن غضًّا طريًا، بحيث تحولت بلاغته إلى فطرة مركوزة في النفوس والأفئدة - كما سبقت الإشارة - فالفطرة الدينية مؤاتية والنفوس مستجيبة الدرجة أنه - أي هذا الجيل - خالف عاداته، وناقض طباعه، وخرج مما ألف وخلق على الكبر - كما يقول الرافعي - خلقًا جديدًا، ومع ذلك فإن الفلسفة كلها، والتجارب جميعها، والعلوم قاطبة لم تنشئ جيلًا من الناس ولا جماعة من الجيل، ولا فئة من الجماعة، كالذي أخرجته آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في علو النفس، وصفاء الطبع، ورقة الجانب، وبسط الجناح، ورجاحة اليقين، وتمكن الإيمان إلى سلامة القلب وانفساح الصدر ونقاء الدخيلة وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون في الإنسان من طهارة الخلق، ثم العفة في مذاهب الفضيلة من حسن العصمة وشدة الأمانة، وإقامة العدل، والذلة للحق، وهلم إلى أن تستوفي الباب كله[3] هذا الجيل النموذجي صنعه الفهم الصحيح للقرآن، فشده إلى بعضه، ووحده تحت راية واحدة هي راية القرآن، ولغته التي عدها بعضهم في مرتبة القداسة، حرصًا عليها، وضنَّا بها من الابتذال والعجمة.
مقارنة
إنها عقدة لغوية لا تتحلل منها الألسنة المختلفة أبدًا، وهذا من أرقى معاني السياسة، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية، لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق، وإذا كانت العربية القرآنية جمعت العرب أو الأمة من خلال جامعة لسانية فريدة في نوعها وخصائصها، فإن الأمر يختلف بالنسبة للتوراة والأناجيل؛ حيث لا يقرؤها بلغاتها الأصلية، إلا شرذمة قليلة من اليهود وغير اليهود.
فالذي أمسكه القرآن الكريم من العربية لم يتهيأ في لغة من لغات الأرض، ولن تتلاحق أسبابه في لغة بعد العربية، فالجرمانية مثلا انشقت منها فروع كثيرة في زمن جاهليتها، واستمرت ذاهبة كل مذهب، وهي تثمر في كل أرض بلون من المنطق وجنس من الكلام، حتى القرن السادس عشر للميلاد؛ إذ تعلق الدين والسياسة معًا بفرع واحد من الفروع هو الذي نقلت إليه التوراة، فاهتز، وريا، وأورق من الكتب وأزهر من العقول وأثمر من القلوب، وبعد أن صار لغة الدين صار دين التوحيد في تلك اللغات المتشابهة، وبقيت هي معه إلى زيغ حتى انطوت في ظله، ثم ضحى بنوره، فإذا هي في مستقرها من الماضي، ونسيت نسيان الميت.[4]
ولاشك أن العربية لم يحدث لها ما حدث للجرمانية، ولن تنسى نسيان الميت بمشيئة الله، فمازال العرب في ظل هوانهم أو ضعفهم المعاصر يلتقون، ومعهم المسلمون الذين لا يعرفون العربية حول القرآن الكريم وتذوق لغته، وإن لم يفهموها، وهي العنصر الجامع في «نشرة الأخبار»، و«خطب الزعماء»، و«قصائد الشعراء»، وسرد القصاص والرواة في كل بقعة فيها عربي أو مكان يستدعي آية من القرآن.
صورة مضيئة
إن هذا القرآن إنما هو أثر من لغة قوم جاوزوا في الحضارة حد أهلها من سائر الأجيال، وبلغوا من أحوال المدنية أرقى هذه الأحوال، وكانوا من العلوم في مقام معلوم؛ لأن هذا الماء الصافي الذي يترقرق في عبارته، وهذا النظم الجيد الوثيق، وما اشتمل عليه من بدائع الأوصاف، وما فيه من روائع الحكمة، ثم ما احتوى عليه من إشارات السماء إلى الأرض، وضراعة الأرض للسماء... إلى ما حله من معضلات الاجتماع، وكشفه من وجوه السياسيين النفسية والقومية لا يكون البتة في لغة أمة قد أناخت بها أخلاق البداوة في ساقة الأمم حتى عبدت الأصنام. ولم تعرف من الشرائع غير شريعة الإلهام، وما ملكها من ملوك الدهر غير سلطان الأوهام.[5]
والرافعي، يقول لنا بوضوح كاشف، وفي إيجاز دالٍّ : إن القرآن بلغته العربية، لا يكون في قوم يفهمونه، وينحطون إلى التخلف والوثنية، ولكنه ينهض بمن يستوعبونه إلى ذروة الحضارة والتقدم، وهو ما كان مع العرب البدو البسطاء الذين ارتقوا - وخاصة في صدر الإسلام - إلى صدر العالمين.
ويضرب لنا مثلًا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: ٣٨).
ويعلق على الآيات الكريمة بقوله: «إذًا هو - أي العربي البدوي - قرأ هذه الآيات البينات، ثم تدبرها، وأحسن حملها، وتأويلها، ولم يكن كدر الحس، ولا مريض الذوق، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى فيه أمة تضع في الحضارة، وتتخبط، ومدنية تضطرب في أهلها وتختلط، فلو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم .... لما أصابوا في غرضهم أسد ولا أحكم ولا أبلغ من تلك الآيات يعرضونها على القوم، فيبصرونهم صورة مجموعهم في مرأتها، ويعرفونهم مبلغ سيئاتهم من حسناتها، وينفضون إليهم جملة الحال في شبه الإيجاز النظري من كلماتها[6] والإيجاز النظري هو إيجاز الحقائق الحسية؛ أي استيعاب العين للحقيقة كلها في لحظة واحدة.
إذًا آيات القرآن الكريم في سورة الإسراء التي استشهد بها الرافعي تسطع بنور الأخلاق التي تبني المجتمع وتضيئه، وتقيم الحضارة وتعلي من شأنها، وهو ما استوعبه الجيل الأول من الصحابة أو العرب، وبنوا عليه صورةً مضيئةً يحتذيها العالم، ولو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي أرادوا نصيحة أمتهم لما قدموا إليها غير هذه الصورة التي تكشف لهم واقعهم بسيئاته وحسناته.
تشريع شامل
إن الحديث عن تأثير القرآن الكريم بلغته العربية وبلاغته المعجزة على العرب والمسلمين، يطول ويمتد، ولكن الذي يمكن أن نوجزه في كلمات هو أن العرب وجدوا في القرآن الكريم ولغته وبلاغته مصدرًا لتشريع شامل يجمعهم في وحدة إنسانية ولسانية وحضارية، وهو ما جعلهم في مقدمة العالم قبل قرون، ويمكن أن يتكرر الأمر، لو أرادوا وعملوا على فقهه وعرفوا لغته واقتربوا من بلاغته.
[1] هذا جزء من حديث أورده البخاري في فضائل القرآن والترمذي في كتاب فضائل القرآن، وكذلك أورده أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقيل: إن إسناده مجهول، ولكن دلالته واضحة.
[2] تاريخ آداب العرب ۱۱۰/۲ وما بعدها.
[3] السابق، 2/97.
[4] نفسه: 2/87 – 90.
[5] نفسه 2/75 وما بعدها.
[6] تاريخ آداب العرب: 2/75 - 77.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل