; ومازال الجدل مستمرًا.. أوروبا والتحدي الأخلاقي في مجال الاستنساخ البشري | مجلة المجتمع

العنوان ومازال الجدل مستمرًا.. أوروبا والتحدي الأخلاقي في مجال الاستنساخ البشري

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 59

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 24-يونيو-1997

نصح مستشارو اللجنة الأوروبية التي تتابع موضوع التحقيق في التناقض الأخلاقي في مجال العلوم التكنولوجية الحيوية «بالتجريم والمنع القاطع للاستنساخ الإنساني بهدف التكاثر»، أو بمعنى آخر، تحریم تولید أفراد يطابقون تمامًا أفرادًا آخرين في الخلقة.

إلا أن الاستشاريين العاملين في هذه اللجنة التي انبثقت عن المؤتمر الذي عقده المجلس الأوروبي في مدينة أوبيدو الإسبانية، لبحث هذا التحدي الأخلاقي الجديد، لم يغلقوا باب العمل في هذه التجارب بصورة قاطعة، وذلك لما يمكن أن تحققه من فوائد ترجى في ميدان البحوث العلاجية، خاصة في تلك البلدان التي تسمح قوانينها بإجراء التجارب على العلاقات الإنسانية التي هي الببيضات الملقحة، حتى ستة عشر يومًا من عمرها، حسبما ذكرت صحيفة الباييس بتاريخ 31/5/1997م.

ويجد علماء الاتحاد الأوروبي أنفسهم أمام  اكتشاف علمي سبق قدرة القوانين التشريعية الأوروبية على ضبطه باعتباره كشفًا علميًا يتعلق . مباشرة بكرامة الإنسان، وحياته سيدًا مطلقًا وراثًا لا ينبغي التلاعب بنوعه الحيوي، ولا إجراء تجارب تخص وجوده الإنساني المميز.

وكان المجلس الأوروبي قد وافق على وثيقة لاهاي الصادرة يوم 29/5/1997م، والتي حاولت إيجاد جواب مناسب على المستوى الأوروبي للحوار الأخلاقي العميق والخطير، الذي وضعته قضية استنساخ النعجة «دوللي» على بساط البحث المُلح.

وكانت معظم بلدان المجلس التي يناهز عددها الخمسين، قد طرحت إمكانية سنها لقوانين تحرم تحريمًا قاطعًا قضية الاستنساخ هذه بشطريها الحيواني والإنساني، إلا أن المستشارين في هذا المجال أصدروا إعلانًا ذكروا فيه: «بأن الاستنساخ لا ينبغي أن يكون محرمًا إلا في مجال الاستنساخ البشري، وبهدف التكاثر، أما الاستنساخ الحيواني فينبغي أن يتوجه في إطار جني الفوائد الضرورية» - نفس المصدر السابق -.

وهناك تخبط واضح بين السلطات التشريعية الأوروبية، وبين اللجان العلمية التي تبحث في تطبيع القوانين العامة حتى لا تفلت هذه القضية بالغة الخطورة من سلطة القانون، وهذا التخبط يعود إلى تشوه الصورة أصلًا، والضياع العقيدي وعدم الاستناد إلى أسس متينة من التصور الديني لوجود الإنسان على الأرض، لأن الشريعة والقانون في البلدان الأوروبية خصمان عنيدان لا يلتقيان وإن جرت محاولة جادة، من قبل البابا الحالي لروما من أجل إخضاع الدين الكاثوليكي لرغبة القانون والمجتمع المدني الأوروبي.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن الاستنساخ الذي نجح في حالة النعجة دوللي والذي كشف النقاب عن تجارب مماثلة وموازية له، وفي العديد من المخابر السرية والعلنية، في أكثر من دولة ليس إلا مجموعة من التجارب الوراثية التي تم عن طريقها التلاعب بعادة الحياة، وكشف مدى التطور الذي طرأ على مدى التقنيات العلمية وفي الحين ذاته الكشف عن مدى العجز الهائل الذي تبديه هذه التقنيات في مجال الكشف عن أسرار الحياة، بل إن المشتغلين في مجال العلوم الطبيعية أعربوا عن تأخر العلماء في إحداث هذا النوع من «التوليد الحيواني» قياسًا إلى ما كان قد أحرزه العلم من قبل في مجال علمي الخلية. والجنين، وفك رموز الصيغ الوراثية لنوى الخلايا في الأحياء.

أبناء زوجين من جنس واحد

ويحاول هؤلاء العلماء في أوروبا، إيجاد حل لبعض المشكلات الاجتماعية في ظل قضية الاستنساخ، كعادة أوروبا في البحث عن حلول بعيدة دائمًا عن أصل المشكلة التي تحتاج إلى حل، فقد قالت «نويل لينوار» رئيسة «لجنة الأخلاقيات المتعلقة بعلوم الأحياء» في اليونسكو: «ينبغي منع إعادة تخليق الأشخاص، ورفض أهواء ونزوات أصحاب الملايين الذين يريدون الاستئثار بتخليد أنفسهم عن طريق استنساخها»، وأضافت: «إن القضية الوحيدة التي يبدو أنها مقبولة في هذا الباب، إنما هي تطلع بعض الأزواج إلى استنساخ أبنائهم المتوفين أو توليد أبناء بين زوجين من جنس واحد، أو توجه المجتمع إلى استنساخ بعض المتفوقين من العباقرة في مجالات الفن والعلوم»!.

إن المرء ليضطر إلى إعادة قراءة تصريحات هذه السيدة مرة بعد أخرى، ليتأكد من سلامة قدرته على الفهم !!

فلقد كانت المشكلة ..... نجاح تجربة الاستنساخ الحيواني، ومحاولة المجلس الأوروبي المسارعة لوضع حل أخلاقي - قانوني - يضبط اتساع استخدامات هذه التجارب في مجالات قد تساعد على توجيه أعمق الأذى للإنسان من حيث كرامته ووجوده، فانقلبت المشكلة الأخلاقية لتصبح حلًا لمشكلات اجتماعية طارئة ومترتبة عن مشكلات عقيدية عميقة، منها على سبيل المثال عدم الرضا بالموت، ومحاولة استبدال ابن متوفی بابن متبنی أو بابن مستنسخ من الابن المتوفى !!!

ومن هذه المشكلات ما ترتب عن خضوع المجتمع لجماعات الشاذين، والشاذات بسبب سيطرة معظمهم على وسائل الإعلام، مما تسبب بمصادقة معظم البرلمانات الأوروبية على الزواج بين الشاذين من الجنس الواحد، بل لقد منحوا حقوقًا توازي حقوق الأزواج الشرعيين الطبيعيين، مثل الزواج في الكنيسة، وتبني الأطفال!!!

وهذه الأخيرة - من وجهة نظري على الأقل - أخطر مشكلة عرفها الإنسان، ولا تمثل إلا درجة الانحدار الأخلاقي، والتلاعب غير المشروع بأقدار الأطفال، والذي هو أشد انحدارًا من قضية الاستنساخ نفسها!

ولقد اجتهد علماء أوروبا في التفكير، حتى خُيِّل لبعضهم أن من حق الشاذين أن يستنسخوا من أنفسهم أبناء يولدون لهم، لأن طبيعة الأحياء لا تتناسب مع هذه الزيجات، وهذه التركيبات العائلية التي أفرزتها حضارة الغرب، ولا يمكن أن يولد أطفال طبيعيون بطرق طبيعية من زيجات غير طبيعية.

رئيسة لجنة الأخلاقيات باليونسكو: «القضية الوحيدة التي يبدو أنها مقبولة في مجال الاستنساخ هي تطلع بعض الأزواج إلى استنساخ أبنائهم المتوفين أو توليد أبناء من زوجين من جنس واحد «الشواذ» أو استنساخ بعض المتوفين من العباقرة».. نِعمَ الأخلاق!!

استنساخ العباقرة

وأما الأمر الثالث الذي إرتأت «نويل لينورا» أن يكون سببًا جوهريًا في عدم منع الاستنساخ، فهو استنساخ بعض المتفوقين العباقرة، وهو أمر ينقضه علماء النفس الإنسانية، والعقل البشري لأن الإنسان ليس مجرد صيغ وراثية، وخلايا تتركب وتتفكك، ودماغ له وزنه وشكله، إنه بالإضافة إلى هذا وذاك مشاعر تصوغها الأسرة  وأفكار تزرعها التجارب، وعقيدة وتصور ينموان بالتوجيه والرعاية.... ولو أن رجلًا حمل صبغيات هتلر، ووجه هتلر، وكبد ودماغ هتلر... عاش في نيكارجوا على سبيل المثال، لما كان أكثر من مزارع أحمق يعمل في جني محاصيل الكوكا ويفكر في لقمة عيشه.

إن الإنسان مخلوق وحيد من نوعه على سطح هذه الأرض، مكرم بالعقل، والعقل عرض لا جوهر له، ومكرم بالروح ... والروح شيء لا يلمس ولا يعرف كنهه، ومكرم بالإحساس والمشاعر السامية العليا، التي اجتهد علماء الغرب، ليجدوا أصلًا لها عند القردة ففشلوا، ومازالوا يتخبطون في نظريات النشوء  والارتقاء حتى أيامنا هذه، على الرغم من الكشوفات العلمية الهائلة التي أثبتت أو كادت أن تثبت فشل نظرياتهم تلك التي لم يفد منها الغرب غير الارتكاس في حماة العنصرية العرقية، وصنف أخباث البشر على هذه الأسس، حتى من حيث الذكاء والقدرة على التكيف مع ظروف الحياة التي تدخل في إطارها القدرة على إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات الطارئة، كقدرة أوروبا على حل مشكلاتها عن طريق الالتفاف عليها، كما حدث في مشكلة مرض فقدان المناعة «الإيدز» الذي يحاول الغرب إيجاد الحلول لها . بكل وسيلة ممكنة. مخبرية، أو وقائية، أو علاجية إلا الحل الجذري والوحيد، وهو المنع البات لمسبباته الجنسية.

لم تنس وثيقة لاهاي قضية البحوث العلمية التي ما فتئت تجرى على قدم وساق في مختلف المختبرات الأوروبية على العلقات الإنسانية و«هي البيضة الملقحة التي استقرت في جدار الرحم في الأسبوعين الأولين من الحمل في طريقها لتشكل المضغة»، فلقد جاء في الوثيقة: «إن من واجب الحكومة الأوروبية أن تدين بشكل واضح التكاثر الإنساني عن طريق الاستنساخ، كما ينبغي أن يمنع منعًا باتًا زرع «العلقات الإنسانية» - التي عولجت في المخابر بنفس الآلية التي أدت إلى ولادة النعجة دوللي في رحم إنسانية»، وإجراء البحوث الاستنساخية عليها مادامت تدعو إلى تحريم استنساخ البشر!؟

والجواب هو ما ورد في بيان اللجنة الصادر يوم ۲۹ مايو الماضي: «فتح المجال لإمكانية استخدام هذه التجارب في مجال المعالجة في المستقبل، كتخليق سلسلة من الخلايا التي تساعد على إعادة بناء العضلات أو بعض الأعضاء، ويعني ذلك السماح المفتوح لإجراء دراسات مخبرية على هذه العلقات التي تحوي الصبغ الوراثية للأفراد، والتي تحدد وبالضبط كل خلية فيها العضو المستقبلي الذي سيتشكل منها، فبعض خلايا هذه العلقة يصبح قلبًا، وبعضها الآخر كبدًا .... والمراد هو دراسة ومعالجة هذه العلقات، لعل العلماء يستطيعون التوصل إلى تخليق كبد حي، أو قلب حي عن طريق هذه العلقات... ولماذا؟!

 من أجل استخدام هذه الأعضاء في عملية «زراعة الأعضاء» التي تكمن وراءها في أيامنا هذه شبكات مريعة للمتاجرة بالبشر في طول الأرض وعرضها. والتي تشرف على كبرها وتتولاه إسرائيل باعتراف أعلى الجهات الرسمية الأوروبية!

وإذا سرنا في طريق التخيل الأوروبي .... لربما اضطر الأطباء إلى استنساخ أطفال وفقط بهدف استخدام أعضائهم لإنقاذ حياة أطفال آخرين يستحقون الحياة ... لأنهم ولدوا في بلد ما لعرق إنساني متفوق!! وذلك كبديل عن اختطاف الأطفال، أو بيعهم، وقتلهم في سبيل استئصال أعضائهم لمعالجة أطفال ولدوا مشوهين، ففي ميدان العرض والطلب، يصبح كل شيء ذا ثمن... حتى الكرامة والإنسانية وتفقد الأشياء معناها، حتى لو كانت... بسمة الأطفال وبراءتهم وطهرهم.

وقد صرح «جاك سانتيير»، رئيس المفوضية الأوروبية في بروكسل بموافقته التامة على النتائج التي تمخضت عن اجتماعات «اللجنة الاستشارية» المنتدبة من قبّل الاتحاد الأوروبي لبحث الأبعاد الأخلاقية - القانونية لموضوع الاستنساخ، وقال: «إنني أشارك اللجنة رأيها في تطبيق المنع التام لهذه القضية».

إلا أن المفوضية الأوروبية، لا تملك سلطات تشريعية ملزمة، وهذا الوضع يفتح باب التجارب على مصراعيه، وليس لدى المفوضية إلا أن تلجأ إلى الوسائل الأدبية لجعل المنع ساري المفعول، عن طريق التأكيد على عدم القيام بهذه التجارب من جهة، ومن جهة ثانية منع تمويل المخابر التي تقوم بالتجارب من قبل الاتحاد الأوروبي، وكذلك الحيلولة دون منح رخص البراءة والاعتراف بهذه الاكتشافات.

كما طالبت المفوضية المؤتمر الخامس للبحوث والتطور الأوروبي الذي سيعقد عام ۱۹۹۸م، أن يدرج في برنامجه العام إدانة واضحة لكل تجربة استنساخ بشري، وأن يضع خطة مناسبة لحماية الجنس البشري من التلاعب بمستقبله، وأن توفر قوانين الحماية اللازمة من الناحية القانونية والأخلاقية .

إلا أن الوضع يختلف من حيث وجهة نظر اللجنة في قضية استنساخ الحيوانات التي اعتبرتها موجهة لتحقيق الفوائد المتوخاة وخاصة في مجال علم الصيدلة - لاستخراج الإنزيمات والبروتينات الضرورية - وكذلك في مجال تنمية الثروة الحيوانية، وزيادة الإنتاج عن طريق انتخاب الأجناس وتحسين الأنواع، على أن يلتزم المشتغلون بهذا النوع من التجارب بالشروط الأخلاقية، كمنع معاناة الحيوانات أثناء إجراء التجارب، وضمان استمرار التعدد الوراثي والحيوي للأجناس الحيوانية المختلفة.

حل مشكلات المجتمع

من الملفت للنظر أن بحث اللجنة حول قضية الاستنساخ قد خرج عن إطار بحث الأبعاد الأخلاقية والقانونية للموضوع، لتوظف الكشوفات في خدمة حل مشكلات المجتمع الغربي، وكأن الاستنساخ سيحل مكان طرق التكاثر الطبيعي بشطريه الإنساني والحيواني، أو أن يخلقوا كخلق الله ، وهم أعجز ما يكونون عن ذلك، كما قال البروفسور «كفتانا»، العضو الإسباني في اللجنة «إن عملية الاستنساخ في أصلها ليست إلا عملية انتخاب  وراثي يقوم على أساس تقليد عمل الطبيعة».

هذه الطبيعة التي طالما ظلمت باستعمالها بديلًا عن كلمة الخالق، الذي تحدى الخلق بأن يأتوا بشيء من مثل ما خلق... ولقد عجزت صفوة هؤلاء أن تعرف سر الحياة الذي مازال مقفلًا، لم يستطع العلماء الكشف عن كنهه، فضلًا عن خلق شيء يتمتع بحياة ذاتية كذبابة، أو بعوضة، أو خلية، أو حتى صبغي أو مورثة واحدة من الموروثات المصفوفة على الصبغيات الموجودة في نوى الخلايا.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل