العنوان معركة العاشر من رمضان ٦ أكتوبر
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009
مشاهدات 68
نشر في العدد 1867
نشر في الصفحة 26
السبت 29-أغسطس-2009
أكاديمي سعود-
المشرف على موقع التاريخ
www.altareekh.com
حرب
العاشر من رمضان اندلعت والعسكر مصلون صائمون يطمعون في الشهادة ويريدون الله
والدار الآخرة.
بعد
الحرب الرمضانية والمنحة الربانية عاد الحجاب للظهور في القاهرة وبغداد ودمشق
وكثير من عواصم الإسلام.
يوم
العبور أنزل الله الغمام «الشبورة» على سطح القناة
فعبر المصريون إلى الضفة الشرقية دون أن يراهم اليهود.
ليس
هناك حدث - فيما أقدر في الأربعين سنة الأخيرة أشد تأثيرًا ولا أعظم أثرًا ونتائج
من حرب العاشر من رمضان، ولا أريد هنا أن أناقش المعركة من الجانب السياسي المحض،
وهل كانت حرب تحرير أم حرب تحريك؟ والمقصود بالتحريك: تحريك الراكد من الساحة
السياسية؛ ليتوصل بهذه الحرب إلى إقامة السلام الموهوم.
ولا
أريد الحديث عن ثغرة «الدفرسوار» التي التف بها الجيش اليهودي على الجيش المصري،
ولا عن مفاوضات الكيلو ۱۰۱، فإن كل ذلك لا
يعنيني هنا في شيء، إنما أريد الحديث الميداني عن المعركة نفسها، مما جرى قبلها
وبعدها. ولابد حتى أوفي المعركة حقها أن أعود إلى الوراء قليلا لأتحدث عن نكبة سنة
١٣٨٧هـ / ١٩٦٧م، تلك النكبة الهائلة التي فقدنا بسببها سيناء والجولان وأجزاء من
الأردن وفقدنا القدس وبقية فلسطين، وفقدنا الكرامة والعزة.
كان
الجيش العربي المقاتل في تلك النكبة بعيدًا - في الجملة - عن إسلامه وإيمانه موزعًا
في انتمائه بين الناصرية، والبعثية، والعروبة والقومية وقليل جدًا من أفراد الجيش
وضباطه من يصلي ويؤدي الشعائر فما الذي جرى علينا في تلك النكبة؟
أما
الجبهة المصرية فقد فرّ الجيش من أمام اليهود فمنهم من قتل ومنهم من ضل الطريق في
الصحراء حتى مات جوعًا وعطشًا ومنهم من كان اليهود يتفننون في طرائق قتله ومن وصل
منهم إلى مأمنه وصل على أسوأ حال، أما الجبهة السورية فقد صدر الأمر للجنود
الموجودين في القنيطرة بالانسحاب الكيفي قبل دخول أي جندي يهودي إليها!! والانسحاب
الكيفي أي الانسحاب كيفما اتفق للجندي، فمن وجد مركوبًا من سيارة أو دابة فليركب،
ومن لم يجد فقدماه تغنياه!! وكان الجند يحملون صورًا له «شي جيفارا» الأرجنتيني
الكوبي الشيوعي، و«هوشي منه» الفيتنامي الشيوعي، و«تيتو» اليوغوسلافي الشيوعي
يستنصرون بها على اليهود ويرفعونها
في المعركة!!
واخترعت
قيادة الجيش المصري صيحة يصيحها الجنود إذا شعروا بالخوف وبها ينتخون وهي صيحة
هاع»، وحرموا على الجند والضباط التكبير الذي هو شعار المسلمين في المعارك، وصدق
من قال: هم «رعاع» لذلك صاحوا «هاع»، وفي ليلة المعركة سهر الضباط الكبار على
الأغاني والرقص والمجون واستيقظوا على الهول والفزع، وكانت النتيجة أن دمرت كل
المطارات والطائرات وانكشفت سماء مصر بل الدول العربية كلها وسلبت منا الأرض
وسلبنا العزة والكرامة التي طالما تغنى النظام الناصري بها، ومن أراد الاستزادة من
أخبار المعركة فيرجع إلى الوثائق والكتب المتعلقة بتلك المدة، وليرجع إلى المقابلة
المنشورة في مجلة «المجتمع» مع اللواء أركان حرب جمال الدين محفوظ، ومما قاله: إن
الضباط الكبار اجتمعوا بعد المعركة يتساءلون عن سبب تلك الهزيمة المرة؛ فتوصلوا
إلى أنه ترك الدين والحرب التي كانت على الإسلام آنذاك، فأنشئ في الجيش ما يسمى ب
الوحدة المعنوية؛ ذلك أن الجنود الناجين من المعركة كانت معنوياتهم منهارة، وسمح
للمشايخ وطلبة العلم بدخول الجبهة وتعريف العسكر بدينهم، وكان من هؤلاء الشيخ
الغزالي رحمه الله تعالى.
وما
هي إلا سنوات ست ويدخل العسكر المعركة في العاشر من رمضان سنة ١٣٩٣هـ ٦ أكتوبر
١٩٧٣م، لكن العسكر كان غير العسكر والحال غير الحال، ففي هذه المدة امتلأت جوانب
القناة بالتكبير ودخل كثير من العسكر المعركة وهم مصلون صائمون، يريدون الله
والدار الآخرة ويطمعون في الشهادة، فماذا صنع الله جل جلاله؟ أنزل الله تعالى
الغمام حتى كاد يلامس ماء القناة فيما يعرف بـ «الشبورة» فلم ير اليهود الجنود وهم
يقتحمون القنال، وأكرم الله تعالى الجند بكرامات كثيرة فمن ذلك ما قصه على أحد
الجنود الذين كانوا في أحد القوارب التي عبرت القناة فقال: كان هناك حبل يحرك به
المحرك، فرأيت قاربي قد تحرك محركه وانطلق قبل أن يمس أحد الحبل!!
ومن
الكرامات الباهرة ما ذكره لي الأستاذ الفاضل أحمد جلبط وهو مصري يعمل في الندوة
العالمية للشباب الإسلامي في جدة، فقال لي: كنت ضابطًا في الجيش الذي قاتل في
معركة رمضان، وكنا ندفن شهداءنا على عجل ونعلم على قبورهم بعلائم، وكنا ندفن
اليهود جانبًا، وبعد المعركة أغلق الميدان ستة أشهر تقريبًا بسبب المفاوضات
الدائرة آنذاك، فلما فتح الميدان انطلقت ومعي عدد كبير من أهالي الشهداء فلا أحصي
عدد القبور التي فتحت وأنا واقف عليها، فما نكاد نزيح التراب قليلًا إلا ورائحة
عظيمة تملأ المكان فما شككت أنها من الجنة وليست من الدنيا وبعض القبور التي فتحت
ليس فيها رائحة لكن لم نفتح قبرًا فوجدنا فيه جنديًا متغيرًا قط كل الجنود الذين
وصلنا إليهم كانوا كأنهم وضعوا في قبورهم الساعة!! بل إن بعض الجنود كان موضع
الرصاص في أجسادهم ينزف دمًا!! وهذه كرامة باهرة جليلة، والأستاذ أحمد جلبط ثقة -
عندي - إن شاء الله تعالى وكانت نتيجة المعركة الجليلة أن اليهود كانوا يهربون
كالفئران، وهزموا لأول مرة من جيش نظامي عربي، ولم يكونوا يعهدون الهزيمة قبل ذلك،
ولو كنا أهلًا لأكمل الله لنا النصر إلي القدس لكن هيهات، فقد أقبلنا على الله
شيئا من الإقبال فرزقنا الله بعض النصر، لكن كيف ننتصر كل النصر وعواصمنا ملأي
بالخمر والميسر والزنى والربا؟ إنما أراد الله تعالى شيئًا فيسره لنا لما عدنا إلى
رشدنا شيئًا ما، ورجعنا إلى ديننا بعض الرجوع.
لكن
الأهم من هذا كله ما جرى بعد المعركة من ابتداء الصحوة الإسلامية الجليلة العظيمة
المباركة التي أتى الله بها بنيان الكافرين والضالين والعلمانيين والمتفلتين من
القواعد ورد كيدهم في نحرهم، وأفسد مخططاتهم، ذلك أن نكبة سنة ١٣٨٧هـ / ١٩٦٧م كانت
صدمة العامة الناس أيقظتهم شيئًا ما وشككتهم في الذي كانوا يتبعونه ويعتنقونه من
مبادئ وأفكار بعيدة عن الإسلام لكن وجود الطاغية الهالك عبد الناصر على رأس هرم
السلطة آنذاك كان عائقًا كبيرًا بين الناس وإسلامهم، فلما هلك مجللًا بالخزي
والعار ثاب الناس قليلًا إلى إسلامهم ودينهم، فلما حصلت معركة رمضان كفر أكثر
الناس بالطاغوت، وأدركوا أن سعادتهم ونجاتهم إنما هي بالإسلام، وبالإسلام فقط لا
غير، فإذا بالقوم الذين كانوا بين ناصري وبعثي وقومي ينقلبون إلى الإسلام بعد ضلال
طويل وتفريط كبير، وبعد الحرب الرمضانية والمنحة الربانية عاد الحجاب للظهور في
القاهرة والإسكندرية وبغداد ودمشق، وكثير من عواصم الإسلام بعد غياب طويل وتفسخ
معيب وعاد الناس إلى الصلاة والصيام والحج، وامتلأت المساجد بالشباب بعد هجران
طويل، وظهر في الأرض الاقتصاد الإسلامي بإنشاء أول مصرف إسلامي في العالم، بنك دبي
سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م، وأنشئ البنك الإسلامي للتنمية، وأنشئ بيت التمويل الكويتي بعد
ممانعة ناصرية طويلة، وتوالت المصارف واحدة بعد الأخرى لتمتلئ الأرض بهذه المصارف
وبهذا الاقتصاد الإسلامي الذي سماه الإعلام الناصري الخبيث في الثمانينيات الهجرية
الستينيات الميلادية خرافة !!
وظهر في الأرض الإعلام الإسلامي من برامج ونشيد وقنوات، وكنا قبل ذلك
نفرح ببرنامج فريد أسبوعي يطل علينا من بين الركام الفاسد والروائح المنتنة!!
وظهرت في الأرض المؤسسات الإسلامية المنوعة ولله الحمد والمنة وهي اليوم تعد
بعشرات الآلاف، والأهم من ذلك كله أن الجهاد عاد من جديد ليملأ سمع الناس وأبصارهم
بعد غياب أو تغييب طويل، وأذكر أن شيخي الأستاذ د. عبد الستار فتح الله سعيد قال
لي: إن شيخه في الأزهر الذي قرأ عليه الفقه كان إذا وصل إلى باب الجهاد قال له:
اقفز يا بني!! فإن الجهاد قد انتهى منذ زمن طويل!! فأتى الله بالجهاد في أفغانستان
والجهاد العظيم الجليل في فلسطين، وأتي الله بأبطال «حماس» وأسود «الجهاد»، بعد ذل
وضياع وهوان واستسلام في صورة سلام!! وليس هذا مكان سرد أحداث الصحوة وحسناتها
ومنجزاتها، فلذلك مكان آخر، أعده على مهل ومكث وسأخرجه في الوقت الذي يريده الله
تعالى، لكن الغرض هو بيان أن معركة رمضان الجليلة كانت بداية حقيقية لهذه الصحوة
المباركة التي عم نورها الدنيا، واستضاء بها الملايين بعد ظلام وضلال طويلين،
وهكذا هو رمضان وبركاته وأنواره ونصره، وأرجو أن نعود إلى الله تعالى في هذا الشهر
الكريم حتى نسعد بالنصر العظيم، وليقينا الله تعالى شرّ مؤامرات الكافرين
والظالمين والمنحرفين، فإن الأمة الإسلامية اليوم على مفترق طرق، فإن لم تتداركها
الرحمة الإلهية والمنحة الربانية عصفت بها أهواء القوم الظالمين وأنا على يقين -
والله تعالى أعلم - أننا قادمون لنتولى السيادة والريادة من جديد، ولتعقد لنا
معاقد العز والشرف ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾
(الإسراء:51)، ﴿... وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿4﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿5﴾ ﴿وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
ووَعْدَ الله لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ولَكن أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿4﴾ (الروم)، والله أكبر والعزة للمؤمنين والصغار والذل والهوان للكافرين والضالين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل