العنوان الدكتور توفيق الشاوي يكتب للمجتمع من غابة الشياطين في أوروبا.. شياطين «النازي»
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
مشاهدات 62
نشر في العدد 1065
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
أرهقتني جولتي في أربع جمهوريات في آسيا الوسطى، وآلمني بالذات ما سمعته عن محنة المسلمين في طاجيكستان. ولما كنا قد سلمنا قيادة الرحلة لصديقنا الذي يقيم في أوروبا، والذي كان دليلنا ومترجمنا في هذه الرحلة الشاقة، فإنه حذرنا من زيارة طاجيكستان وأوزبكستان ونصحنا بأن نؤجل ذلك إلى فرصة قادمة، وأشار علي بأن أصحبه إلى إحدى البلاد الأوروبية؛ لأن أوروبا فيها -على حد زعمه- مفاتيح جميع الفتن والمحن التي تواجه المسلمين في جميع القارات.
كنت آمل أن أجد في أوروبا فرصة للراحة مما
لقيته من شياطين المخابرات المتنافسة والمتعددة والأخبار التي سمعتها في آسيا
الوسطى، ولكني وجدت نفسي وجهًا لوجه أمام «شيطان آخر» لا يقل خطرًا عن شياطين
الإنس اسمه التلفزيون، الذي ألقاه في كل مكان وأسمع منه وأرى -مجبرًا أو مختارًا-
أنباء المجازر الوحشية والمذابح البشعة وصورها المؤلمة، ويزيد إلى أن ضحاياها هم
المسلمون في كل مكان، وخاصة في البلقان وفي فلسطين.
إن سياسة الإبادة التي تنفذ في البوسنة
والهرسك تحت سمع العالم وبصره هي سبة في جبين المجتمع البشري، وكل صورة من صور
العدوان على المسلمين التي أراها في التلفزيون هي شهادة بإدانة السياسة الأوروبية،
وما يسمونه النظام العالمي الذي تمثله الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وما يتبعها من
بيروقراطية متآمرة حاقدة على المسلمين متحيزة ضدهم منفذة لأهواء الصهيونية
وحلفائها الأوروبيين والأمريكيين.
إن الأساليب الوحشية التي ترتكب بها أعمال
القتل والاغتصاب وتخريب المدن والقرى وهدم المساجد الأثرية وجميع المعالم
التاريخية في تلك البلاد يذكرنا بالهجمات الصليبية في العصور الوسطى.
إن كثيرين يصرون على أن ساسة بعض الدول
الأوروبية يشنون على مسلمي البلقان حربًا صليبية لا تقل في همجيتها عن الحملات
الصليبية التي سمعنا ما ارتكبته من فظائع في بلادنا، بل إنهم يدبرون الفتن في كل
مكان ضد المسلمين سواء في إفريقيا وآسيا والآن في أوروبا ذاتها، ولم يعودوا يخجلون
من إعلان ذلك أو كتابته في تقاريرهم ووثائقهم وإعلامهم.. ويقولون إن عدوهم الأول
هو الإسلام بعد أن زال خطر الشيوعية. وقد كنت أنتقد الذين يبالغون في الكلام عن
الروح الصليبية النامية في أوروبا وأمريكا ضد الإسلام والمسلمين، لكن صديقي استطاع
أن يقنعني بأن ما يراودني من الشك في ذلك سببه هو اعتقادي أن الحروب الصليبية في
العصور الوسطى كانت حروبًا دينية، ولكن الحقيقة أنها كانت حملات استعمارية قصد بها
الاستيلاء على مصادر الثروة في الشرق التي كان الأوروبيون يطمعون في الاستيلاء
عليها، وكانوا يعتبرون أن طريق الوصول إليها يمر بالعالم الإسلامي في غرب آسيا
وشمال إفريقيا، وكانت الدول الإسلامية في نظرهم عقبة تحول دون وصولهم إليها.
فاستغلوا الحماس للدين المسيحي لجر الشعوب نحو هذه الحملات ضد المسلمين في الشرق
الأدنى لكي يصلوا بعد ذلك إلى الشرق الأقصى أو الهند عن طريق الشرق الأوسط.
والدليل على ذلك أن نابليون قد هاجم مصر لهذا الغرض السياسي الاستعماري، وحالت
أفكار الثورة الفرنسية دون أن يعطي لحملته على مصر صورة صليبية أو هدفًا دينيًا
كما فعل الأوروبيون في العصور الوسطى، بل إنه حاول خديعة المصريين بإعلان إسلامه
حتى يبدد من ذهنهم ذكريات الحروب الصليبية وصورتها.
وإن المرء ليدهش من نمو النزعة الصليبية لدى
الساسة الأوروبيين في هذه الأيام أكثر مما هي موجودة لدى الشعوب ذاتها، وهذا ما
كشفت عنه مأساة البوسنة والهرسك التي اعترفت بها الأمم المتحدة، وتشجيع الصرب على
العدوان عليها ومساعدتهم على إتمام عملية الإبادة بصورة همجية لا مثيل لها في
التاريخ الحديث؛ إبادة ليست موجهة إلى الدولة البوسنوية فقط بل إن المقصود بها هو
الشعب المسلم في البلقان، وذلك من وراء ظهر شعوبهم التي لا تعرف هذه الحقيقة لأنهم
يحاولون تضليل شعوبهم حتى لا تعرف تلك الحقيقة، بل إنهم لا يخجلون الآن من تحريض الشعوب
الأوروبية على ذلك بكلامهم عما يسمونه الخطر الإسلامي الوهمي، مما يدل على أن
القضية في نظرهم ليست قضية جمهورية البوسنة ولا قضية البلقان، وإنما هي قضية
الإسلام ذاته. والشعوب نفسها في أوروبا لا تفهم ذلك، رغم محاولاتهم لإحياء النزعة
الصليبية في أوروبا التي كان نابليون ذاته يتبرأ منها بتأثير الثورة الفرنسية
المعادية للدين والمسيحية بالذات.
جاءني صديقي في أحد الأيام ومعه رفيق له قدمه
إلي باعتباره أحد الخبراء الألمان في شؤون السياسة الأوروبية، ودار حديثنا حول هذه
النكسة التي أصابت السياسة والفكر في أوروبا، فقال هذا الخبير: إن سببها هو
الصهيونية؛ لأن الحقيقة أن الإسلام خطر على المخططات الصهيونية لا على المصالح
الأوروبية ولا الأمريكية، وإن كثيرًا من رجال الأحزاب والسياسة في الدول الأوروبية
أصبحوا يعملون لحساب السياسة الصهيونية أكثر مما يعملون لمصالح بلادهم ذاتها، بل
إنه يعتقد جازمًا أن شعوب أوروبا سوف تكتشف قريبًا أن كثيرًا من حكامها وساستها وقادة
أحزابها وأقطاب اقتصادها وشركاتها مستعدون للعمل لصالح الصهيونية ولو كان ذلك فيه
تضحية بمصالح شعوبهم ذاتها.
قال لي: إن أحد السياسيين أسرَّ له يومًا بأنه
يعتقد أنه إذا كان الهدف المعلن للصهيونية هو السيطرة على الشرق الأوسط، وكثير من
ساسة أوروبا وأمريكا قد خدعتهم الدعاية الصهيونية وجعلتهم يعتقدون أن السياسة
الصهيونية لن تتعارض مع السيطرة الأوروبية العالمية على جميع الأقاليم بما فيها
الشرق الأوسط، لكن خبراء آخرين هو يعرفهم يوقنون بأن الصهيونية بنت خططها على أن
الطريق لتحقيق أملها في السيطرة على الشرق الأوسط وإقامة إمبراطورية
"إسرائيلية" فيه لن يكون إلا عن طريق سيطرتهم على سياسة أمريكا وأوروبا،
وإنه يرى يقينًا أنهم حققوا خطوات كبيرة للسيطرة على حكام أمريكا وأوروبا وشعوبها
أكثر مما حققوه في سبيل السيطرة على شعوب الشرق الأوسط وحكامه، وإنه يرى أن أمل
شعوب الشرق الأوسط في مقاومة النفوذ الصهيوني أكبر بكثير من أمل الأمريكيين أو
الأوروبيين في أن يتحرروا من سيطرة الصهيونية في بلادهم ذاتها. وعندما بدأت أتململ
من هذه الأقوال أشار إليّ صاحبي بالاستماع لبقية حديثه، فلم أجد ضررًا من ذلك
لأنني تعودت أن أسمع كلام الشياطين رغم أنني لا أطمئن إليه ولا أثق فيه كثيرًا.
فإذا بهذا الخبير الألماني يقول لي: إن الشعوب
الأمريكية والأوروبية تحسد شعوب بلادكم لأنها تقاوم السيطرة الصهيونية، أما شعوبنا
فهي لم تفكر للآن في أن تبدأ هذه المقاومة وهي يائسة من ذلك. لقد حاول ذلك هتلر
والنازيون في ألمانيا بطريقتهم اللاإنسانية ومبادئهم العنصرية التي أثارت العالم
كله ضدهم، ولذلك فشلوا، وما زالوا يدفعون ثمن هذا الفشل ومازال الشعب الألماني
يدفع فاتورة التعويضات "لإسرائيل" بحجة التبرر من الأعمال الوحشية التي
ارتكبها النازي ضد اليهود وغيرهم. ومن بين هذه الفاتورة -بل أول بنودها منذ عهد
«أديناور»- التأييد المطلق لسياسة "إسرائيل" في كل ما تقوم به من خطط لإبادة
عرب فلسطين والتوسع في البلاد العربية الأخرى لإنشاء ما يسمونه
"إسرائيل" الكبرى، أي إن هدفهم هو إمبراطورية يهودية في الشرق الأوسط
والعالم الإسلامي، وحجتهم أن «روما» كانت مدينة واحدة ومع ذلك أنشأت إمبراطورية
رومانية، و"إسرائيل" أولى من روما بأن يكون لها إمبراطورية.
لكن المشكلة أن ساسة أوروبا يجهلون حدود هذه
الإمبراطورية ومركزها الرئيسي. إن هذا الخبير العجيب يصر على أنه من المؤكد لديه
هو أن للصهاينة الآن إمبراطورية فعلية قاعدتها أوروبا وأمريكا، وأنهم يسيطرون على
تلك الدول وشعوبها أكثر مما يسيطرون على دول الشرق الأوسط أو شعوبها، وإذا كانت قد
تحققت لهم سيطرة ما في الشرق الأوسط فإنها ليست إلا نتيجة لما حققوه من سيطرة على
السياسة الأمريكية والأوروبية، بل وعلى المجتمعات في تلك الدول الكبرى بصورة لا
يمكن التكهن بآثارها ونتائجها في المستقبل.
عندما غادرنا هذا الخبير الألماني، عاتبت
صديقي قائلًا: إنني جئت معك هنا لأستريح من مخالطة الشياطين في آسيا الوسطى، وإنني
أخشى أن يكون صاحبك هذا من شياطين النازية الجديدة التي بدأت تنمو في ألمانيا
وتهاجم المسلمين وتعتدي عليهم وترتكب الجرائم ضدهم. قال: إنه لا ضرر في أن تستمع
إليه، فقد يكون في ذلك معلومات تفيد في معرفة كثير مما يجري في بلادنا ذاتها؛ لأن
الفتنة التي يتعرض لها المسلمون في ألمانيا وأوروبا والبلقان خاصة ليست إلا صورة
مصغرة لخطة عالمية تنفذ في جميع الأقاليم بما في ذلك الأقطار العربية والإسلامية ذاتها،
بنفس الأساليب وبنفس الأهداف.
عندما التقينا مرة ثانية بهذا «الخبير
الألماني» وجهت إليه سؤالًا مباشرًا عن رأيه في «النازية الجديدة» والموجة
العنصرية التي تجتاح أوروبا، ولماذا توجه ضد المسلمين؟ وهل لها طابع ديني أو منابع
مسيحية؟ فقال: إن رأيه هو أن هذه الظاهرة ليست إلا رد فعل تدل على قلق الرأي العام
في أوروبا من السيطرة الصهيونية على سياسة الدول الكبرى وحكامها، لكنهم يوجهون
أعمال العنف والاضطهاد ضد المسلمين الآن لسببين: الأول أن المسلمين جالية ضعيفة
مستضعفة وهدف سهل لأعمال العنف، وهم يفضلون أن يجربوا أساليب العدوان والاضطهاد
عليهم قبل أن يوجهوها ضد اليهود، لكنهم سوف يفعلون ذلك حتمًا عندما يشتد عودهم
ويثقون بأن الرأي العام قد تهيأ لذلك. والصهيونيون أنفسهم يعلمون ذلك ويخططون
لمقاومة هذا التيار الجديد بطريقتهم الخاصة.
قلت مستدركًا: إنك قلت إن اتجاه النازيين
الجدد للاعتداء على المسلمين له سببان، ولكنك ذكرت واحدًا منهما فما السبب الثاني؟
قال: هو ما أشرت إليه من تداخل الأجهزة الصهيونية واستغلالها لهذا التيار الجديد؛
إن الأسلوب الذي جربوه ونجحوا به في جميع الحالات هو أن أفضل طريق لمقاومة
التيارات أو الحركات الأخرى هو التسلل لها، بل وتزعمها عند الاقتضاء؛ لأن ذلك هو
الذي يمكنهم من الاستفادة في حالة نجاحها، ويسهل لهم كذلك القضاء عليها عندما يكون
لهم مصلحة في ذلك.
إن ما نسمعه عن حوادث العنف والاعتداء على
المسلمين في بلادنا أو في أوروبا بصفة عامة ليس كله من صنع النازيين أو العنصريين
في فرنسا أو في البلقان، بل إنني أعتقد أن نسبة كبيرة من هذه الاعتداءات تنفذها
عناصر صهيونية سواء عملت ذلك مباشرة أو عن طريق تسللها ضمن العاملين في هذا التيار
العنصري الجديد، بقصد تحويله إلى العنف الذي يثير عليه الحكومة الألمانية بل
والشعب الألماني ليدفعهم للقضاء عليه قبل أن يشتد عوده ويصل إلى السلطة ويعيد
مأساة السياسة النازية في اضطهاد اليهود وغيرهم. وأنا أدعوك عندما تعود إلى بلادك
أن تبحث عما إذا كانت أعمال العنف التي تسارع أجهزة الإعلام باتهام الجماعات
الإسلامية بها ليست من صنع الاستخبارات الصهيونية.. إنني واثق من ذلك، بل إنني
أعتقد أن نسبة العنصر الصهيوني في هذه الحوادث أكثر منها فيما يقع في أوروبا.
قلت: يكفيني.. لا أريد أن أسمع أكثر من ذلك.