العنوان في رحاب الله- محمّد قاسم طاروسان
الكاتب د. محمد إسماعيل القطان
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1985
مشاهدات 42
نشر في العدد 739
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 29-أكتوبر-1985
عندما ترك قريته
«باكلود جراندي» متوجهًا في بداية تعليمه الابتدائي إلى العاصمة المحلية «مندناو»
ما كان يدور في خلده أنه سيكون في قابل الأيام: واحدًا من الرعيل الأول للحركة
الإسلامية في بلاده..
ويذكر جيدًا قول
أمه له وهي تودعه: «اذهب يا بني، فأنت خادم الإسلام».
كان اللقاء
الأول معه منذ سبعة عشر عامًا بالقسم الداخلي لمدرسة سيف الدولة بالقادسية
بالكويت، حيث كان في مستهل المرحلة المتوسطة، كان واحدًا من خمسة جاءوا كأول
مجموعة طلابية قادمة من الجنوب المسلم بالفلبين، وهناك قمت بزيارته، حيث تلاقت
روحانا لقاء يروع بناء الزمن.. ثم كان عهد وكان وفاء..
قضى اثني عشر
عامًا من الدراسة بالمرحلة المتوسطة والثانوية والجامعية ما كبا في واحدة منها..
بل كان من الأوائل حتى على أقرانه من «العرب» وفي درجة الليسانس كان الأول على
مجموعته.
وخلال هذه
الفترة الطويلة كان يتلقى أصول الدعوة، دعوة الحق والقوة والحرية، كان يسأل
ويستفسر عما يدور حوله من أحداث، وما تعج به الساحة هنا من اجتهادات ورؤى..
ومضى يستوعب
المفاهيم الصحيحة بهمة عالية وعقل متفتح منظم.. يصاحب هذا كله قلب خبت لله تعالى،
ونفس زكية زاكية ومجاهدة لا تنقطع.. فكان نهاره في الدراسة، وليله حافل باللقاءات
الخيرة، وسحره عامر بذكر الله.. ويشهد إخوانه الثقات أنه ما تخلف عن صلاة فجر، أو
تردد في فعل بر، أو أحجم عن حلقة علم وذكر، أو تقاعس عن سياحة فيها فضل أجر؛ فشارك
مع إخوانه في رحلات إلى لبنان وأفغانستان ومصر.. وهو في هذه المناشط كلها كان نعم
الأخ: أدبًا وخفض جناح.
عاد إلى بلاده
حيث الميدان الحقيقي الأولى بالرعاية، وهناك أصبح قائدًا يربي بعد أن كان هنا
جنديًا يتلقى- وعلم الله تعالى- ما تغير سمته في الحالين، ودعانا بإلحاح لزيارته
كي نشاهد غرسه، فذهب نفر من إخوانه- الذين عاش معهم أغلى أيامه- فرأوا رجلًا لا
يهدأ، يصل ليله بنهاره في خدمة دعوته.. محبًا لها متفانيًا فيها.. رأوه يجوب
القرى، ويلقي الدروس، وينظم الشباب، ويضع الخطط، ويقود الركب.. بل وينضم تحت
قيادته العلماء، وهو في هذه الميادين كان أصدق ما يكون افتقارًا إلى عون الله،
وأقوى ما يكون انبعاثًا وفرارًا إلى حمى الله عز وجل.
ثم جاء الملتقى
الإسلامي الأول منذ ثلاثة أشهر في مدينة «جناسي لاناو الجنوبي» وشعر بالإرهاق، ولم
يستطع المشاركة، واكتفى بإلقاء محاضرة، وزاد تعبه؛ فأخذوه إلى طبيب صيني مشهور في
مدينة «كاجيان»، وبعدها انتقلوا به إلى العاصمة «مانيلا»، حيث بقي في المستشفى
الكاثوليكي أيامًا، ثم انتقل إلى المستشفى العام، وبقي فيه يومين قبل أن يأتي إلى
الكويت، حيث آثر أن ينشد العلاج والراحة من الآلام بين إخوانه الذين يطمئن إلى
دينهم، ودخل مستشفى الصباح يوم الأحد السابع من المحرم 1406 هـــ، وبقي فيه حتى
خرج منه مودعًا الحياة الدنيا، يوم الثلاثاء السابع من صفر لعام 1406 هــ.
قال لي أحدهم:
ما بال الموت- وهو قدر الله وقضاؤه في خلقه- يطوي إخوانك الذين لم يكتهلوا بعد،
ولما تقضَ حاجاتهم في صدورهم؟؟
قلت: لئن
يصطفيهم الله- تعالى- بلقائه وهم شباب، وفي أكرم ميدان يعملون، آمرين بالمعروف،
ناهين عن المنكر؛ فإن لذلك دلالات لا تخفى على كل ذي لب فطن، وفضلًا عن ذلك فلقد
ثبت في الصحيح «أن أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون، الذين تسد
بهم الثغور، وتلقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء».
ويا أبا نبيل:
الفجيعة فيك ليست هينة، فأنت بضعة منا، وكنا نرى فيك امتدادًا للخط الأصيل الذي
قامت عليه الحركة الإسلامية؛ حيث كنت تتمثل دائمًا قول مؤسسها الإمام الشهيد حسن
البنا- رضي الله عنه وأرضاه في الجنة- «إن معركتنا نحن المسلمين معركتان: معركة
الفكرة الإسلامية ومعركة الأرض الإسلامية».
ويا أم نبيل
وأهله وذويه: عظم الله أجركم في أبي نبيل، وصبر جميل، ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف:18)، وإنا لله وإنا إليه راجعون.