; محمد صلى الله عليه وسلم أبًا | مجلة المجتمع

العنوان محمد صلى الله عليه وسلم أبًا

الكاتب محمد عبده يماني

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

مشاهدات 62

نشر في العدد 844

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

كانت بركة «أم أيمن» تهرول عبر السوق مسرعة، والفرح يعلو وجهها عندما اصطدمت بها سليمة الخزاعية فصاحت فيها:

- ماذا دهاك يا بركة؟ ولماذا تهرولين هكذا؟

- إني ذاهبة إلى الصادق الأمين بالبشرى.

- أية بشرى؟

- لقد وضعت الطاهرة ابنتها الرابعة.

فحدقت سليمة فيها مذهولة وقالت:

- أتبشرينه بالأنثى الرابعة؟!

- أجل.

فاقتربت منها سليمة وهمست:

- اصدقيني القول يا بركة.

- فيم؟

- كيف يتلقى سيدك خبر ولادة الأنثى؟

ضحكت بركة وقالت:

- سؤالك هذا ردني إلى اليوم الذي وضعت فيه الطاهرة ابنتها الأولى -زينب- وأمرت بنقل الخبر إلى الصادق الأمين فذهبت إليه وأنا أرتعد خوفًا، وأتوقع أن يدفنني مع الوليدة في حفرة واحدة، ولكنني فوجئت بما أدهشني وأثار عجبي.

- كيف يا بركة؟

- ما كاد يسمع أن زوجته قد وضعت أنثى، حتى أشرق وجهه بالفرح، وأسرع إلى الوليدة فحملها سعيدًا بها، ثم قبلها وهنأ أمها بها، ثم أمر بذبح الذبائح، ومد الولائم احتفالًا بمولدها.

قالت بركة هذا وانطلقت تهرول من جديد، بينما وقفت سليمة واجمة تفكر، لقد ذاقت مرارة الثكل مرات ثلاث عندما وأد زوجها فلذات كبدها، ولم يعبأ بتوسلاتها، أو يرق لبكائها ونحيبها، وكذلك يفعل معظم الآباء في بيئتها، إنهم مفتونون بوأد البنات، والقبر عندهم خير الأصهار، ومن لا يئد البنت يسومها الذل والهوان، ويقول لها وهي في الطريق إلى بيت زوجها إن كان من أقاربه «أيسرت وأذكرت ولا آنثت، وجعل الله منك عددًا وعزًا وجلدًا». وإن كان غريبًا قال لها: «لا أيسرت ولا أذكرت فإنك تدنين البعداء وتلدين الغرباء(1).

أکبرت سليمة فعل الصادق الأمين، وتمنت لو أن كل الآباء وفي مقدمتهم زوجها فعلوا فعله، ولم تكن تدري في وقفتها آنذاك أن محمدًا هو الرحمة المهداة إلى الدنيا، ولو قدر لحجب الغيب أن ترتفع عن عينها، لرأت الصادق الأمين وقد بعث رسولًا بالدين الحق الذي حرم الوأد، وكرم الأنثى، فأكد أنها والرجل من مصدر واحد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ (النساء: 1)، وجاء بتشريع كامل شامل ينظم وضع المرأة في المجتمع، ويكفل لها الحياة الكريمة بنتًا وزوجًا وأمًا.

لقد كان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولادة البنات، موقف الأب الإنسان الذي يستقبل الواحدة منهن سعيدًا مشرق الوجه، متهلل الأسارير، ليكون قدوة لأولئك الذين قست قلوبهم، وغلظت أكبادهم، وخلت نفوسهم من الرحمة: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (النحل: 58-59)، وكيف لا يكون رسول الله كذلك وهو سبحانه وتعالى يقول عنه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107).

ثمار الزوجة الأولى

رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوجته الأولى بأربع بنات هن: زينب، ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء، وبين رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وحدبه وحنانه، وعناية السيدة خديجة رضي الله عنها، وخبرتها في الأمومة والتربية، نشأت الزهرات الأربع في جو من الجلال والمجد والشرف والطهر.

وقد تزوجت زينب من ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وتزوجت رقية وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ولدي أبي لهب عم الرسول، وبقيت فاطمة في البيت فقد كانت دون سن الزواج.

ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت خديجة أسلمت البنات الأربع بعدها، ومضى الرسول الكريم ينفذ أمر الله ويدعو الناس إلى الإسلام، ولكن قريشا أبت الاستجابة.. واجتهدت في الكيد له ما استطاعت ذلك، واجتمع زعماؤها يومًا، فتشاوروا في أمره صلى الله عليه وسلم وقال أحدهم:

إنكم قد حملتم عنه همومه.. أبو العاص تعيش زينب في كنفه، ورقية وأم كلثوم تعيشان في عصمة عتبة وعتيبة.. طلقوا بنات محمد لينشغل بأمورهن عنا وعن هذه البدعة التي يريد أن يفرضها علينا.

وتردد الأزواج الثلاثة، فقد كان كل منهم يحب زوجته ولا يجد لها مثيلًا، أو يفكر في اتخاذ أخرى غيرها، ولكن أم جميل الكافرة الجحود الحقود، صممت على تنفيذ أمر قريش وقالت لولديها:

رأسي من رأسيكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد وتردانهما إليه. فاستجاب الولدان ونفذا لأمهما رغبتها، فعادت رقية وأم كلثوم إلى بيت أبيهما صلى الله عليه وسلم، ولكن إقامتهما فيه لم تطل فقد تزوجت رقية من الشهم الكريم، أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو عثمان بن عفان وهاجر بها إلى الحبشة، فكانا أول المهاجرين ثم هاجر بها إلى المدينة فمرضت وماتت بها يوم جاء البشير إلى المدينة بانتصار المسلمين في بدر.

وقد حزن عثمان رضي الله عنه حزنًا شديدًا على انقطاع صلة المصاهرة بينه وبين رسول الله بوفاتها، وقد رآه صلى الله عليه وسلم على تلك الحال فسأله عن ذلك فقال: وهل دخل على أحد ما دخل عليّ يا رسول الله؟ ماتت ابنة رسول الله التي كانت عندي وانقطع ظهري، وانقطع الصهر الذي بيني وبينك.

فطيب النبي صلى الله عليه وسلم خاطره، وزوجه من أختها أم كلثوم فبقيت معه إلى أن توفيت في السنة التاسعة للهجرة أي بعد بنائه بها بست سنوات(2).

وقيل إنه سمي بذي النورين لأنه تزوج من رقية وأم كلثوم ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلم أحد تزوج بنتي نبي غيره، وقيل إنه سمي كذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيه نور أهل السماء ومصباح أهل الأرض»، والمعروف أنه كان يختم القرآن كل ليلة في صلاته. فالقرآن نور وقيام الليل نور.

أما أبو العاص فقد قالت له قريش: «فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت» قال: «لا والله لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش»(3).

وتوالت الأحداث بسرعة فمات أبو طالب ولحقت به خديجة بعد أيام ثم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم واستقر بأصحابه في المدينة استقرار أصحاب الدار في دارهم، ثم وقعت معركة بدر التي قتل فيها معظم أبطال قريش وصناديدها وأسر عدد كبير من رجالاتها وبينهم أبو العاص واستعد أهل أبي العاص لفدائه، وكان الفداء قد وصل إلى أربعة آلاف درهم، ولكن زينب رأت أن تفتديه بما هو أعز وأثمن من المال، فأرسلت إلى أبيها قلادة كانت لأمها وقد أهدتها إليها يوم زفتها إلى أبي العاص، يقول ابن إسحق: «فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة» وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها: فافعلوا» قالوا: «نعم يا رسول الله» وردوا عليها الذي لها.

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يخلي سبيل زينب فوعده خيرًا، ولما وصل إلى مكة أمر أخاه كنانة فخرج بها نهارًا، وهي في الهودج فتصدى للركب هبار بن الأسود وآخر، وروَّعها هبار بالرمح وهي في هودجها، وكانت حاملًا فسقطت وطرحت ما في بطنها، فبرك كنانة ونثر كنانته وصاح في غضب: «والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمًا فتكركر الناس، وجاء أبو سفيان يعاتب كنانة لخروجه بها نهارًا، وطلب منه أن يعود وينتظر حتى تهدأ الناس ثم يخرج بها ليًلا فتم ذلك».

ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحادث غضب وأمر بتحريق هبار وصاحبه فلما كان الغد قال: «إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما»(4).

ولجأ أبو العاص بعد ذلك إلى زينب مستجيرًا بعد أن لقيته سرية فيها زيد بن حارثة ومعه مائة وسبعون رجلًا فأصابوا تجارته التي كان عائدًا بها من الشام إلى مكة فخرجت زينب حتى المسجد، وكان صلى الله عليه وسلم يكبر والناس معه يكبرون فصاحت: «أيها الناس إني أجرت أبا العاص بن الربيع». فلما سلم صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: «أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم. قال: «والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعت.. إنه يجير على المسلمين أدناهم». ثم انصرف ودخل على ابنته فقال: أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له»(5).

وقد رد المسلمون على أبي العاص تجارته فعاد بها إلى مكة، وسلم الأموال إلى أصحابها ثم قال لهم: «أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والله ما منعني من الإسلام عند محمد إلا تخوفي أن تظنوا بي الظنون، وأني أردت أكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم، وفرغت منها، أسلمت».

ثم خرج من مكة حتى قدم المدينة، والتقى برسول الله فأثنى عليه خيرًا ورد عليه زينب، وبعد سنة من ذلك توفيت زينب وتركت «أمامة» و«علي» لأبي العاص، لعله يجد فيهما العزاء، وقيل إن أمامة كانت صورة مصغرة من أمها زينب وأن رسول الله كان يجد فيها ما يخفف حزنه على أمها، فكان يأنس بها ويسبغ عليها الكثير من حبه وعطفه وحنانه، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يحملها على عاتقه ويصلي بها فإذا سجد وضعها حتى يقضي صلاته، ثم يعود فيحملها.

أما رابعة البنات فهي فاطمة الزهراء، التي تقول عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت قط أفضل من فاطمة غير أبيها». ويروي ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة ثم فاطمة ومريم وآسية». وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «سيدة نساء أهل الجنة فاطمة»، وعن الإمام علي كرم الله وجهه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة «إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك». وعن ابن عباس رضي الله عنه: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر قبل ابنته فاطمة» وقالت عائشة رضي الله عنها: «أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيها مشي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرحبا بابنتي. ثم أجلسها عن يمينه وأسر إليها حديثًا فبكت ثم أسر إليها حديثًا فضحكت فقلت: ما رأيت كاليوم أقرب فرحًا إلى حزن فسألتها عما قال رسول الله لها فقالت: ما كنت لأفشي على رسول الله سره. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها فأخبرتني أنه قال: إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين وما أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك، فبكيت فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟ فضحكت».

ولدت الزهراء وقريش تبني الكعبة وكانت على الدنيا وقريش تحكّم أباها لفض خلاف القبائل حول وضع الحجر الأسود في مكانه من البناء.

ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (الشعراء: 214) أخذ رسول الله ينادي في قومه: «يا بني عبد مناف: لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبدالمطلب: لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية بنت عبدالمطلب: لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت محمد: لا أغني عنك من الله شيئا».

ولقد عانت فاطمة الكثير وتألمت أشد الألم من تصرفات قريش الجائرة المؤذية لأبيها وهي طفلة صغيرة، فقد عاشت معه صلى الله عليه وسلم أيام الحصار، ورأت عصابة المشركين وهي تجادله بجوار الكعبة وتقول له: أنت الذي تقول كذا وكذا في آلهتنا، وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم أنا الذي يقول ذلك». وشهدت أحدهم وهو يأخذ بمجمع ردائه صلى الله عليه وسلم يريد أن يخنقه، بينما أبو بكر يبعدهم عنه صائحًا «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟».

رأت فاطمة وشهدت وسمعت هذا وبكت أشد البكاء لهذا كله: كذلك كانت بالبيت العتيق، وعقبة بن أبي معيط يضع سلا جزور على ظهر رسول الله وهو ساجد، فتقدمت من أبيها ورفعت عن ظهره ما وضعه الآثم عقبة، ودعت عليه، فرفع رسول الله رأسه ودعا: «اللهم عليك بالملأ من قريش، أبي جهل وعتبة وشيبة وعقبة بن أبي معيط والوليد بن عتبة وأمية بن خلف».

وفي حديث الإسراء والمعراج لابن عباس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بيت أم هانئ ليلة الاثنين السابع والعشرين من رجب وكانت معه فاطمة الزهراء وعمرها تسع سنوات، وإذا بالباب يطرق فخرجت فاطمة لترى الطارق، فإذا هو شخص عليه الحلي والحلل، فسألته عما يريد فقال: أريد محمدًا. فرجعت تستأذن للطارق، فخرج النبي فلما رآه، إذا به جبريل... إلى آخر ما ورد بالحديث الشريف(6).

كانت الزهراء في الثامنة عشرة من عمرها عندما تقدم أبو بكر رضي الله عنه لخطبتها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، انتظر بها القضاء»، فجاء عمر رضي الله عنه فخطبها، فقال له صلى الله عليه وسلم القول نفسه، فذهب علي كرم الله وجهه على استحياء ليخطبها، قال: فلما قعدت بين يديه صلى الله عليه وسلم أفحمت فما أستطيع أن أتكلم»، فقال: «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟» فسكت. فقال: «لعلك جئت تخطب فاطمة» قلت: نعم. فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، فلما بلغها ذلك بكت فقال الرسول: ما لك تبكين يا فاطمة؟ فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علمًا وأفضلهم حلمًا وأولهم سلمًا».

في ليلة زواج على من فاطمة رضي الله عنهما دعا رسول الله بماء فتوضأ منه ثم أفرغه عليها وقال: «اللهم بارك فيها وبارك عليها وبارك لهما في نسلهما». قال علي كرم الله وجهه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أينا أحب إليك.. أنا أم فاطمة». فقال عليه أزكى الصلاة والسلام: «فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها».

وتظهر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم للزهراء وأبوته الرحيمة، يوم عرف أن عليا قد قرر الزواج بمخزومية هي بنت عمرو بن هشام (أبو جهل) عدو الله وعدو رسوله فذهب صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ووقف على المنبر غاضبًا، وخطب أصحابه فقال: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم، اللهم إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم. فإن ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها وإني أتخوف أن تفتن في دينها».

وقد ذكر صلى الله عليه وسلم صهره أبا العاص بن الربيع وأثنى عليه في مصاهرته إياه أحسن الثناء ثم قال: حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا، ولكن الله لا يجمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في بيت واحد أبدًا»(7).

وقد أنجبت الزهراء الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، وقد أحبهم الرسول حبًا كبيرًا، وكان يسبغ عليهم فيضًا من عطفه وحنانه خاصة الحسن والحسين اللذان كان يقول فيهما: «هذان ابناي وابنا ابنتي.. اللهم إني أحبهما.. فأحبهما وأحب من يحبهما».

وروي أن رسول الله جاء ومعه علي والحسن والحسين آخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة، وأجلس حسنًا وحسينًا، كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهما كساءه وتلا الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (الأحزاب: 33) وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي».

ومرة أخرى تتجلى عواطف الأبوة بأبدع صورها في تصرفاته صلى الله عليه وسلم، فيرى حاملًا أحد حفيديه على كتفه حتى إذا بلغ المسجد وقام للصلاة وضعه إلى جانبه في رفق، وأخذ يؤم الناس الذين يأخذهم العجب إذ يجدونه يطيل في السجود على غير عادته فلما قضيت الصلاة سألوه:

- يا رسول الله إنك سجدت سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك.

فقال صلى الله عليه وسلم: «كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته».

ويرى وهو آخذ بكتفي الحسين وقدماه على قدميه صلى الله عليه وسلم يرقصه قائلًا: «ترق.. ترق». فما يزال الصبي يرقى حتى يضع قدميه على صدر جده، فيقول له: «افتح فاك» فيفتحه ويقبله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «اللهم إني أحبه فأحببه وأحبب من يحبه»(8).

وقد تعجب أحد الناس لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل حفيده وقال: أراه صلى الله عليه وسلم يصنع هذا بحفيده، فوالله إن لي أولادًا ما قبلت أحدًا منهم قط، فقال صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم».

وفي مرض الموت عندما اشتد الوجع برسول الله ورأته فاطمة يأخذ الماء بيده ويجعله على رأسه وهو يردد: «واكرباه» بكت وقالت: «واكربي لكربك يا أبتي» فرد عليها صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إليها بعطف: «لا كرب على أبيك بعد اليوم»(9).

وبعد ستة شهور(10) على ارتفاع روحه الطاهرة إلى الرفيق الأعلى، وافت المنية فاطمة الزهراء فكانت أول أهل بيته صلى الله عليه وسلم لحوقًا به، وكانت عندما شعرت بدنو أجلها قد اغتسلت ولبست ثيابًا جددًا، واضطجعت على فراشها مستقبلة القبلة، وقالت لجاريتها: «إني مقبوضة الساعة وقد اغتسلت فلا يكشفن لي أحد كفنا» ولما ماتت جاء علي كرم الله وجهه فدفنها بغسلها.

وقد رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة أيضًا بالقاسم، وبه كان يكنى ثم رزق بعبدالله، وهو الطاهر الطيب وقد سمي كذلك لأنه ولد بعد النبوة(11). وقد توفيا صغيرين، وقيل إن القاسم بلغ من المشي لكن رضاعته لم تكن قد تمت عندما مات. ويذكر الإمام السهيلي في الروض الأنف أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة بعد المبعث فوجدها تبكي فقالت: يا رسول الله درّت لبنية القاسم.. فلو كان عاش يستكمل رضاعته؟ فقال: «إن له مرضعًا في الجنة تستكمل رضاعته».

إبراهيم قرة العين

ورزق صلى الله عليه وسلم بولده إبراهيم من زوجته القبطية «مارية» وقد كان شديد الشبه بأبيه وكان هذا الشبه يزداد وضوحًا كلما تقدمت به الأيام وقد تعلق به رسول الله تعلقًا شديدًا، ولعل السبب في ذلك أنه جاء بعد موت القاسم والطاهر وموت زينب ورقية وأم كلثوم، وموت خديجة رضي الله عنهم أجمعين لكن سعادة رسول الله بولده إبراهيم لم تطل فقد مرض إبراهيم مرضًا شديدًا، فلما كان في الاحتضار، أخبر النبي بأمره فاستند إلى ذراع عبدالرحمن بن عوف لشدة ألمه وسارا حتى أتيا إلى النخل الذي كان به إبراهيم ودخل رسول الله فوجده في حجر أمه بأنفاسه فأخذه ووضعه في حجره وقد ملك الحزن فؤاده، وبدت صورة الألم في قسمات وجهه ثم قال: «إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئا». ثم وجم صلى الله عليه وسلم وذرفت عيناه، والغلام يجود بأنفاسه وأمه وأختها تصيحان فلا ينهاهما رسول الله(12)، فلما استوى إبراهيم جثمانًا لا حراك به ولا حياة فيه، زادت عينا محمد صلى الله عليه وسلم تهتانًا وهو يقول: «يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك أشد من هذا، ثم صمت صلى الله عليه وسلم لحظات قال بعدها: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون».

ورأى المسلمون ما به صلى الله عليه وسلم من حزن شديد وحاول بعضهم أن يردوه عن الإمعان في الحزن، فذكروه بما نهى عنه فقال: «ما عن الحزن نهيت، نهيت عن رفع الصوت بالبكاء، وإن ما ترون بي ما في القلب من محبة ورحمة، ومن لم يبد الرحمة يبد غيره عليه الرحمة».

ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس فقال المسلمون في ذلك معجزة وقالوا: إنها انكسفت لموت إبراهيم. فانزعج صلى الله عليه وسلم وخطبهم فقال: «الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد أو حياته.. فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة».

أي موقف جليل هذا؟

بل أي عظمة هذه التي تجعل رسول الله صلى الله وسلم وهو في أشد حالات الحزن المفجع، لا يترك رسالته ولا يسكت عن الصدق والحق بل يخرج من هول مصابه ليخطب في الناس مصححًا المفاهيم موضحًا حقيقة ما ظنه الناس معجزة.

حقًا لقد أحب رسول الله أولاده حبًا عظيمًا ولكن حبه للرسالة كان أعظم وأجل.

__________________

(1) كتاب المحبر لابن حبيب ص ۳۱۰

(2) ذو النورين عثمان بن عفان للعقاد ص 78/ 79

(3) سيرة ابن هشام ج (۲) ص/ ۲۱۹

(4) السيرة/ ابن إسحق/ ج (۲) / ص ۲۲۳

(5) السيرة ج (٢) ص ٢٣٤.

(6) مكذوب.

(7) صحيح البخاري 538/ 29- صحيح مسلم 44/ 14- سنن أبي داود- كتاب ۱۲- سنن الترمذي كتاب ٤٦- سنن ابن ماجة 9/ 56 مسند أحمد 4/ 326- 328.

(8) صحیح مسلم کتاب الفضائل 4/ 1882

(9) نص الحديث: «لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ: وا كَرْبَ أبَاهُ! فَقالَ لَهَا: ليسَ علَى أبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَومِ».

(10) الطبقات الكبرى لابن سعد ج/ 8/ 17                          

(11) الروض الأنف- للسهيلي- 1/ 123 الإصابة ٨/ ٦١ السيرة 1/ 202

(12) محمد حسنين هيكل- حياة محمد ص/ ٤٦٤

الرابط المختصر :