; لماذا تردد ذكر الإسلام في حملة الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا تردد ذكر الإسلام في حملة الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986

مشاهدات 100

نشر في العدد 762

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 08-أبريل-1986

• أكثر الفرنسيين لا يعرفون عن الإسلام سوى الرداء الذي تضعه المرأة المسلمة.

 

• اليمين الفرنسي: عليك أيها المغربي المسلم أن تتجنس قلبًا وقالبًا، وإلا فإنك لن تقبل.

 

 يلاحظ من تتبع حملة الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة، أن تلك الحملة تميزت عن سابقاتها بالرتابة الروتينية، بل وفقدت حتى حرارتها وحماسها المعهودين، ولم تمر الرياح الساخنة على تلك الحملة إلا عندما تطرق الخطباء إلى موضوع المهاجرين العاملين بفرنسا، ذلك أن اليمين الفرنسي قد خطط مسبقًا على أساس التركيز على هذا الموضوع لجذب انتباه الناخبين والحصول على أصواتهم، وهو الذي رفع الشعار القائل الهجرة تؤدي إلى البطالة والبطالة تؤدي إلى فقدان الأمن، ورفع هذا الشعار لا يقصد به سوى إثارة الناخب الفرنسي العادي ومسه في حياته، وكذلك إيقاظ مخاوفه وتضخيم الأفكار المسبقة التي يحملها عن المهاجرين المغاربة المسلمين، وهذا الأسلوب الرامي إلى القدح في كل ما له علاقة بالإسلام صار معروفًا للخاص والعام، وهو يتمثل في الطرق على حقائق تستند إلى أرقام خاطئة وإلى تحليل ليس له من العلمية شيء، لأن الغاية الأساسية منه ليس الإفهام والإقناع، بل تمرير رسالة يقبلها اللاشعور الجماعي للمجتمع.

 

 أما اليسار الفرنسي فلم يفعل شيئًا في مواجهة هذه الإستراتيجية التي سبق أن طبقها اليمين في الانتخابات البلدية سنة 1983، بل نراه يترك موجة العداء للمهاجرين المغاربة، والمهاجرون لا يفعلون شيئًا مثلما حدث في انتخابات مارس الأخيرة، حيث انساق مع تلك الموجة وحاول أن يبرر موقفه معلنًا أنه أغلق حدود البلاد الفرنسية في وجه المهاجرين، وطرد الموجودين بها بصورة غير شرعية، وأقر بأن الهجرة ليس لها وجه اقتصادي فقط، بل لها أوجه أخرى ثقافية، وحضارية وهي الأخطر، وإذا عدنا إلى اليمين الفرنسي المتحامل على العمال المغاربة وعلى المسلمين عمومًا، نلاحظ أن موقفه هذا ليس بالجديد، وأنه سبق له أن أعرب عن مناهضته لقيام أي نشاط إسلامي في فرنسا. وفي سنة 1983 اغتنم فرصة الإضرابات التي وقعت في بعض الشركات الكبرى ومنها شركتي صنع السيارات «رينو» و«تالبو- سيمكا»، حيث يعمل عدد لا بأس به من المغاربة، ليشن حملة شعواء على هؤلاء العمال، ويصف المطالب التي طالب بها العمال المهاجرون بالذات بأنها غير شرعية، ولم يقف الأمر عند ذلك بل رأى -مثلما رأت الحكومة كذلك- أن يدًا خفية لإحدى آيات الله هي التي حركت تلك الإضرابات.

 

 وذهب السيد «فاستون دي فار» إلى حد القول «بأن الأصوليين الإسلاميين هم الذين حركوا تلك الإضرابات وهم -أي الأصوليون المسلمون- يدخلون المساجد ولا يلبثون أن يصبحوا مسؤولين عنها ومسيرين لها، ثم يبدأون في عملهم الدعائي من أجل نشر الإسلام ومن أجل كسب أنصار جدد»، ويختم قائلًا: «وهكذا يصبح عيش الفئات المختلفة أمرًا أكثر إشكالية».

 

 ومن التناقض الفاضح أنه في نفس الوقت الذي كان يقال فيه هذا الكلام، كان معظم الفرنسيين -إن لم نقل كلهم- يتعاطفون مع عمال بولونيا المنضوين تحت لواء المنظمة النقابية «تضامن»، ويطالبون بتأييد حق هؤلاء العمال في أداء الصلوات وفي استعمال الدين كوسيلة لمقاومة جماعية وشمولية «جاروزلسكي».

 

 فالظاهر إذن أن الإسلام في فرنسا يفهم على أنه خلاف غير مقبول من طرف مجتمع يسيء فهمه على حقيقته، وليس من المبالغة في شيء القول بإن بعض الفرنسيين لا يعرفون عن الإسلام سوى الرداء الذي تضعه المرأة المسلمة.

 

الهجرة والمهاجرون موضوع قديم جديد

 جاء في جريدة «لومانيتي» «الإنسانية» بتاريخ 31/ 1/ 1911، «نحن وإن كنا عالميين، إلا أننا لا نستطيع أن نقبل بأن يأتي زملاء لنا للعمل بأجور تافهة لكي نموت نحن جوعًا».

 

 وقد كتب منذ ذلك الحين عضو البرلمان، «آلبار هيوفس» سائلًا: «لماذا لم تتخذ إجراءات جدية من قبل، لمنع طوابير العمال الأجانب الذين يأتون وحقائبهم على ظهورهم، مهاجرين إلى مراكزنا الصناعية وحضائرنا، وفي الوقت نفسه تسود البطالة بين عمالنا».

 

 لقد جرى نقاش في السادس من حزيران 1985 في المجلس الوطني حول الهجرة، قدمت فيه وزيرة العائلة والتضامن والهجرة سياسة الحكومة الاشتراكية فيما يتعلق بالهجرة، وهي وإن أبدت في خطابها كرمًا وأعربت عن معارضتها للعنصرية، وصححت بعض الأخطاء من أمثال: «المهاجرون يملأون المستشفيات»، و«المهاجرون يأخذون شغل الفرنسيين» إلا أنها التقت بطريقة أو بأخرى مع الخطوط الكبرى لليمين الفرنسي، ونعني بذلك التأكيد على المراقبة الشديدة لظاهرة الهجرة، وتتبع المهاجرين للمقيمين بفرنسا دون أوراق رسمية، والمساعدة على عودة المهاجرين إلى أوطانهم واستيعاب الذين يريدون منهم البقاء في فرنسا بصفة نهائية، ولكن هل سيطبق كل ما يقال؟؟

 

 إن اليمين الفرنسي يبدو في الفترة الأخيرة أكثر تهديدًا وأكثر تصلبًا، وحزب التجمع من أجل الجمهورية (RPR) مثله مثل حزب الاتحاد الديمقراطي الفرنسي (UPF)، يعتزم بعد الوصول إلى السلطة تحوير قانون الجنسية الفرنسي، وإلغاء النقل 44 منه، وينص هذا الفصل على ما يلي: «كل طفل مولود بفرنسا لأبوين أجنبيين، يمكنه أن يختار الجنسية الفرنسية ويحصل عليها بصفة آلية في سن الثامنة عشرة» ومن أجل ذلك لا بد أن يكون قد أقام بفرنسا إقامة متواصلة ما بين سن 13 سنة و18 سنة، ومن ناحية أخرى إذا نسي أن يعلم كتابيًا أنه يرفض الجنسية الفرنسية، فإنه يصبح فرنسيًا بصفة آلية.

 

 كما يعتزم الحزب المذكور آنفًا إلغاء الفصل 33 من قانون الجنسية الفرنسي المعروف «بقانون دوبري الصادر في 9 يناير 1973» وهو ينص على ما يلي: هو فرنسي كل طفل ولد بفرنسا من أبوين أحدهما على الأقل ولد على تراب فرنسي» وحسب هذا القانون يعتبر الجزائريون المستوطنون بفرنسا مواطنين فرنسيين باعتبار أن آباءهم ولدوا على تراب الجزائر والمولودون بها.

 

 الذي كان يعد في عهد الاستعمار ترابًا فرنسيًا.

 

 ونادى «لودلوج» «من اليمين الوطني» يسعى هو الآخر إلى إلغاء هذين الفصلين، إذ الجنسية في تقديره تستحق ولا توهب بصفة آلية بمقتضى علاقات نسب أو باعتبار مكان الولادة. ومما جاء في كتاباته: «إن الوضع الحالي للفصلين 44 و23 يضر بقيمة جنسيتنا الفرنسية وآثارهما السيئة أكثر من أن تحصى. إضافة إلى قضية الجنسية، هناك سؤال يفرض نفسه على اليمين وعلى اليسار في فرنسا في نفس الوقت وهو كيف يمكن العيش مع أولاد هؤلاء المهاجرين؟

 

الذوبان في المجتمع الفرنسي

 يقول اليمين الفرنسي لابن الأجنبي الذي حصل على الجنسية الفرنسية بأسلوب ينصح تعسفًا: يجب عليك أن تذوب في المجتمع، أي أن تعتنق وتؤمن بكل مبادئ وقيم المجتمع الذي استقبلك وحضنك، وأن تتخلى عن كل ما حملته في نفسك من مبادئ وقيم ومثل وعقائد، أخذتها من بلادك الأصلية وثقافتك الأصلية، وبعبارة أوضح عليك أن تتجنس قلبًا وقالبًا وإلا فإنك لن تقبل، ولكن الفرنسيين لم يخاطبوا بهذه اللغة الإيطاليين والبرتغاليين والأوروبيين الآخرين الذين نالوا الجنسية الفرنسية، فما السبب يا ترى؟؟ بكل بساطة هو أن وراء هذه اللغة التي يخاطب بها المغاربة المسلمون ما ترسب في نفوس الفرنسيين من حرب الجزائر والإسلام، فهم يعتقدون أن هؤلاء المغاربة ينتمون إلى حضارة وثقافة تختلف عن حضارتهم وثقافتهم، ويدينون بدين مختلف كذلك عن دينهم، وكل هذه الاختلافات تشكل عوامل لا تساعد على الانصهار والذوبان، بل ربما ولدت أحيانًا ضربًا من العداوة، ولكن يبدو أن المشكل الأساسي ليس في هذه الاختلافات التي يراد لها أن تكون حاجزًا بدل أن تكون عامل إثراء وتفاعل، بقدر ما هي فيما يقال عن الإسلام من أقاويل زائفة، وما يلصق به من شعوذات وينسج حوله من بدع هو منها براء، فعندما يذكر الإسلام لا يذهب الفرنسيون بتفكيرهم إلى عظماء المسلمين من أمثال ابن عربي وابن خلدون وابن بطوطة وغيرهم، بل يقفز إلى أذهانهم الخميني وكل المتعصبين الذين ظهروا في لبنان وفي غير لبنان، وقد تطاير الشرر من عيونهم، وهددوا بالويل والثبور وعظائم الأمور.

 

 وفي نفس هذا السياق يمضي جمهور الفرنسيين في هذيانهم المحموم عن قصد أو دون قصد، فيخلطون بين الشيعة في إيران والعرب أجمعين من المحيط إلى الخليج، وهكذا تراهم في سنة 1986 يعودون إلى نفس الأفكار السابقة التي كانوا يحملونها عن العرب إبان الحروب الاستعمارية.

 

المهاجرون والمنزلة بين المنزلتين

 يوجد في فرنسا حاليًا قرابة مليونين وثلاثمائة ألف مغربي مسلم، حصل منهم مليون إلى حد الآن على الجنسية الفرنسية، ويعتبر أربعمائة ألف طفل مغربي أعمارهم دون الخامسة عشرة فرنسيين بالقوة، لأنهم سيحصلون على الجنسية الفرنسية بصفة آلية، عندما يبلغون الثامنة عشرة من العمر حسب ما ينص عليه القانون الفرنسي الحالي.

 

 ومن خلال هذا العدد البسيط من الأرقام، يمكن القول إن الوجه الديمغرافي للهجرة المغربية إلى فرنسا قد تغير، حيث زادت نسبة الشباب لتبلغ 45% «الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة حسب تعداد 1982» ومن ناحية أخرى صارت نسبة القوى العاملة من المهاجرين المغاربة توازي تقريبًا نسبة القوى العاملة الفرنسية، فقد كانت هذه النسبة تمثل 71% من المهاجرين سنة 1970، وهي اليوم لا تتجاوز 43%، وهي لا تبتعد كثيرًا عن نسبة القوى العاملة الفرنسية التي تقدر بـ41%، وتفسير ذلك هو أن الهجرة في بدايتها كانت مقصورة على الرجال الذين يأتون للعمل بفرنسا تاركين عائلاتهم في بلادهم الأصلية، ولكن الصورة تغيرت اليوم إذ لم يرض العمال الشبان بترك زوجاتهم وأطفالهم بعيدًا عنهم، وحتى العمال الأكبر سنًا جلبوا عائلاتهم إلى حيث يعملون، وبمرور الزمن توالدوا على الأرض الفرنسية واستقروا بها، وهذا ما حدا ببعض الفرنسيين إلى القول «إن فرنسا كانت فيما مضى موطن هجرة وقتية، ولكنها الآن في طريقها إلى أن تكون موطن هجرة استيطانية».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

978

الثلاثاء 17-مارس-1970

دروس من الهجــرة وما سبقها

نشر في العدد 2100

118

السبت 01-أكتوبر-2016

دروس للمهاجرين المعاصرين