; بدعة اليسار الإسلامي والمثقفون بين اليمين واليسار | مجلة المجتمع

العنوان بدعة اليسار الإسلامي والمثقفون بين اليمين واليسار

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

مشاهدات 83

نشر في العدد 781

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

    • من العبث بالفكر والرشد الإنساني أن ينادي مسلم باتباع الماركسية أو الرأسمالية تاركًا شرع الله.
    • تناسى الماديون والشيوعيون أن نظريتهم تؤدي إلى إنكار وجود سلعة بدون ثمن أو مقابل.

    يظن بعض الكتاب المسلمين أن اليسار تعبير عن اتجاه يدعو إلى الأخذ بحلول جذرية لا تقبل المعالجة السطحية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، كما يظن آخرون أن اليمين بين المسلمين في عرف اليسار تعبير عن أشخاص تقليديين يلحون على الدعوة إلى الشعائر التعبدية التي لا تمثل المظالم والفوارق الصارخة، ويتعمدون السكوت على المنكرات والمظالم، فهل هذا هو اصطلاح اليمين واليسار بين المثقفين؟

    المعلوم للجميع أنه قد نشأ اليمين واليسار كرد فعل للثورة الفرنسية، فأصحاب اليمين كانوا يدافعون عن القديم، ومن ثم يتمسكون بالدستور ويدافعون عنه، وأصحاب اليسار يرون أن هذا القديم يمثل بقايا مظالم نظام الإقطاع في أوروبا ولذلك ينادون بتغييره.

    ومن المعلوم أن حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر ضد الكنيسة كانت تكافح تعاليم البابوية التي سماها تعاليم الشذوذ، ولهذا طالب بإلغاء سلطة البابا وإلغاء صكوك الغفران وصكوك الحرمان التي يمارسها البابوات على الشعب المسيحي.

    أما رد الفعل المتطرف فتمثل في فلسفة هيجل الذي ادعى أن خلق الكون يرجع إلى فكرة سماها العقل المطلق، فالله عنده عقل مطلق، ويقابل ذلك العقل المقيد وهو الطبيعة.

    ثم ظهر بعد ذلك ماركس وأخذ فلسفة هيجل، وقال إنها تسير على الرأس وتجعل القدمين في الهواء ويلزم في نظره أن تقلب؛ ولهذا قال إن الطبيعة والمادة هي أساس الخلق وليس العقل، أي إن الطبيعة خلقت العقل والحياة والإنسان، وتقوم فلسفة هيجل وماركس من بعده على أساس أن النظريات العلمية آنذاك قد توصلت إلى أن هناك تناقضًا في أجزاء الذرة، أي إن حركة الطبيعة تنطوي على تناقض في عناصرها؛ وبالتالي فالإنسان باعتباره من المخلوقات التي أوجدتها الطبيعة في نظرهم يخضع لهذا التناقض في حركته عبر التاريخ، ولهذا قال ماركس بالصراع الطبقي قياسًا على التناقض في عناصر المادة.

    ولكن ثبت علميًّا أن المادة تتكون من عناصر متعادلة ولا تناقض بينها، وأنه يمكن أن تتحول إلى أخرى عن طريق فصل أو تجميع الذرات وليس عن طريق التناقض والصراع، وهذا يسمى بقانون كولومبو، فالقنبلة الذرية صنعت على أساس فصل مكونات الذرة الواحدة، ولهذا تسمى هذه القنبلة بالانشطارية.

    وبدلًا من أن يعلن الماركسيون عن توبتهم عن اتباع هذا الخطأ، فإن بعضهم يبرر هذه الخطيئة فيدعي أن المادية الجدلية عند ماركس تقوم على افتراض لفظي عندما كانت حركة المادة غير معروفة، ويقول: ولعل هذا وضع لتبرير تطبيق القوانين الجدلية على المادة.

    هذا التبرير من بعض الأعراب ليس له أساس ويناقض أقوال قادة الماركسية أنفسهم.

    يقول لينين: «إن المعنى الدقيق للجدلية هو دراسة التناقضات داخل ذات جوهر الأشياء».

    ويقول ماوتسي تونج: «فالمتناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي السبب الرئيسي لنموها، بينما صلة الشيء أو الظاهرة المتبادلة للأشياء أو الظواهر الأخرى وتأثيرها عليها إنما هي أسباب ثانوية».

    ويقول إنجلز: «أما المادة الحية فهي تخضع أيضًا لعملية تطور مستمرة، فلقد تكونت ابتداء من أولى مراحل الحياة، لذا لم يعد بالإمكان الاعتقاد بالخرافة التي نشرها الدين منذ مئات السنين بأن الله خلق الأنواع مرة واحدة فهي لا تتغير».

    إنه بالمناقشة الهادئة لهذه المفاهيم الخاطئة نصل بعون الله إلى الحقائق التالية:

    أولًا: ليس صحيحًا أن هذا التفسير المادي للأحداث التاريخية هو من باب الاستفادة بتجارب الفكر الإنساني، فقد اتضح أن هذا التفسير المادي ليس علمًا من العلوم التي يستفاد منها، لأن هذه النظرية ثبت عدم صحتها كما ذكرنا من قبل.

    ثانيًا: وليس صحيحًا أن اليمين أو اليسار سبيل لتحقيق العدل وأنه أيما طريقة لاستخراج العدل فثم شرع الله.

    فالعدل قد اختلفت طرقه البشرية وتنازعت وتصارعت فيه المذاهب، فالماركسية ترى أن العدل يتحقق بسيادة الطبقة العاملة ودفنها لباقي فئات الشعب وتصفيتها جسديًّا.

    والرأسمالية ترى أن العدل يتحقق بترك الحرية المطلقة لأصحاب الأموال يستغلون حاجة العمال وغيرهم، حتى لو أدى ذلك إلى احتكار السلع وتجويع الشعوب.

    ثالثًا: إنه لمن العبث بالفكر والرشد الإنساني أن ينادي مسلم باتباع الماركسية أو الرأسمالية تاركًا شرع الله، الذي لا يميز العمال أو أصحاب الأموال ولا يفرق بين الناس بسبب المال أو النسب أو الجاه، حيث يصبح المسلم والحال هذه كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.

    ولهذا جاء البيان الإسلامي للإنسانية وتمثل في قول الله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256).

    رابعًا: وليس صحيحًا أن أمور الاقتصاد والاجتماع من الفروع التي تقع تحت طائلة الاجتهاد فيمكن للمسلم أن يبث النظام الرأسمالي أو النظام الشيوعي ويصبح يمينيًا أو يساريًا، ذلك أن الإسلام قد وضع لهذه الأمور قواعد كلية لا يجوز الخروج عليها، وهي القواعد الواردة في القرآن والسنة وفيها قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36).

    ولو كانت هذه فرعيات ومتروكة للاجتهاد كما يزعمون لأصبح لدى المسلمين إسلام ماركسي وإسلام اشتراكي وإسلام رأسمالي، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ (الأنعام: 162-163). ولو جاز في الإسلام مثل هذا الفهم لكان الإسلام من اجتهاد الناس وليس من عند الله تعالى.

    وأيضًا فإن الشيء وضده ينسب إلى الإسلام كتحريم الملكية على الأفراد أو ترك الحرية للاحتكار والاستغلال.

    خامسًا: وليس صحيحًا أن رفض اصطلاح اليسار واليمين يؤدي إلى فرض الانتماء السياسي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء، وهو في نظرهم انتماء لا يتفق مع مقتضيات عصره، فقد تجاهل هؤلاء أن الإسلام يطلق الاجتهاد للأمور التي تخضع للحواس أي للتجربة البشرية، فهذه يتركها للناس حيث قال صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم» أما ما لا يخضع للحواس والتجارب فقد نزل فيه الوحي بالقرآن والسنة، ومن ذلك النظام السياسي والاجتماعي الذي فرض الشورى في مصالح الناس الدنيوية، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159).

    فالإسلام يقوم على التسليم بسيادة الله وشرعته في الحلال والحرام، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23) وقال عز وجل: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ (الرعد: 16). ومن ذلك أيضًا نظام الملكية التي حظرتها الماركسية بينما يحميها الإسلام بقيود لصالح المجتمع وليست ذلك في النظام الرأسمالي.

    فإذا اتبع الخلفاء الراشدون ذلك واتبع المسلمون من بعدهم هذه النصوص فلا يقال إن أحدًا يفرض على المسلم انتماء من عنده، فكما أن الخلق لله فالحلال والحرام من عند الله القائل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54).

    سادسًا: وأخيرًا فقد تناسى الماديون والشيوعيون أن نظريتهم تؤدي إلى إنكار وجود سلعة بغير ثمن أو مقابل حيث لا يوجد إله يرزق الناس بغير ثمن، والواقع يكذب ذلك، فقد خلق الله الهواء والماء ليكونا من المنافع العامة المشاعة مجانًا للجميع من إنسان أو حيوان ونبات، ولأنها خلق الله فلا مجال لاحتكارها حتى لا يتحكم مخلوق في خلق الله الذي يتوقف عليه استمرار الحياة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار».

    لمَّا كان ذلك فإنه من السذاجة أن يشيع أتباع هذه الاتجاهات الخاصة أن الثقافة ترتبط بإنكارهم الرسل والرسالات وأنهم الطليعة المثقفة في وطنهم.

    وإنه من الخديعة والمغالطة أن تقتصر المؤتمرات الثقافية على هؤلاء ومن والاهم أو رضي بكفرهم بالله ورسوله، وأن تصدر منهم قرارات في شكل الإجماع أو الأغلبية المطلقة، ثم ينسب جذورها إلى المثقفين الغائبين في الحقيقة عن هذه المؤتمرات وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر: 82-85).

الرابط المختصر :