; الولاء ومناعة الأمة | مجلة المجتمع

العنوان الولاء ومناعة الأمة

الكاتب منال أبو الحسن

تاريخ النشر السبت 21-نوفمبر-2009

مشاهدات 70

نشر في العدد 1878

نشر في الصفحة 38

السبت 21-نوفمبر-2009

  • الولاء لله يحقق لصاحبه استقرار النفس وراحة البال وثقة المرء في نصر الله طالبًا حسن الدنيا والآخرة
  • هل تجريم تقرير جولدستون لما فعله اليهود في غزة يمثل إجابة مخزية كافية لمن أيدوهم، أم ما زالوا على برائهم؟!

هل ما زلنا أمة يجمعها دين واحد وزمان واحد ومكان واحد رضينا أم أبينا؟ أم أصبح الجهل بالدين، واختلاف قيم الأجيال وتفرقها وصعوبة الحدود الجغرافية والعصبية من مشتتات الأمة فيفوقنا الدواب والطيور في صناعة الأمة عندما نرى قدرتها على الاجتماع على سنة واحدة وبنظام دقيق، قال تعالى:﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ﴾ (الأنعام: 38).
وعندما يختلط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، وتنقلب المفاهيم وتتغير، ويشيع استخدام ما شوه منها، يضيع المصطلح برمته، وتفقد الأمة ثابتًا أساسيًا من ثوابتها فلا يبقى أمامنا غير أن نصحح مفاهيمنا وتؤصلها ونحترم معناها، ونتغنى بها ولا نرضى بغيرها بديلًا، ساعتها يتشكل الجسد بكل تفاصيله، وتتكامل أعضاؤه لينشئ ثمرة الود والرحمة والعطف.

تشويه الصورة
إن العديد من الكتاب لجؤوا إلى تشويه صورة أمة الإسلام من خلال استخدام مصطلحات لم يستطع البعض العمل بها في إطار الشريعة وبما يرضي الله ورسوله، وتجاهلها الكثير، إما عن قصد أو عن جهل أو خوفًا من استخدامها بعدما تشوهت واختلطت بغيرها وجرمت أحيانًا. ومصطلحا الولاء والبراء» ربما يدخلان ضمن هذا الحديث، ومن المؤكد أنهما أصبحا يظهران على الساحة السياسية والإعلامية دون أن يأخذا حقهما التربوي والدعوي، ومما يدعو للكتابة في هذين المصطلحين ما أصاب الأمة من وهن وتعصب، وموقف العرب من قضية القدس وأحداث غزة والموقف الأمريكي تجاه المسلمين، مما أسموه «الإرهاب»، والموقف الدولي وجمعيات حقوق الإنسان من ردود الفعل السياسية تجاه المسلمين في مواقف عديدة من العالم.

تجلي المفهوم
لم يصبح الولاء إذن قاصرًا على تشبه المسلمين بالكافرين في المأكل والملبس والتسمي بأسمائهم، ومدحهم والإشادة بهم بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم وإنما تجلى المفهوم بالصوت والصورة والألوان للفاهم والجاهل وللمخلص والمنافق، وللصغير والكبير. 
فقد تناول بعض الكتاب مفهوم «الولاء والبراء» لكي يشيع في الإعلام العربي صورة ذهنية سيئة عن الاتجاهات الإسلامية المتعددة، من حيث سوء فهم الإسلام واتجاههم الإرهابي، وكتب آخرون حول ضعف قدرتهم على الاندماج في المجتمع واتهمهم البعض بالتخلف والرجعية وتكفير المسلمين، وتقسيم المجتمع المسلم إلى مسلمين ومكفرين للمسلمين؛ وذلك مع وجود العديد من الاتجاهات المعتدلة التي تأخذ وتعمل بصحيح الدين، والتي وضعت أصولًا لحركتها تضبط الفهم وتوازن العمل ومن هذه الأصول ما يقر بأننا: «لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض برأي أو معصية، إلا أن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملًا لا يحتمل تأويلًا غير الكفر»، ومثل هذه الأصول تمثل مرجعًا ثابتًا لا يتزعزع وقت الأزمات، وتمثل ردًا رادعًا لكل من حاول النيل من ثوابت الأمة ومن خيريتها.

مواقف عديدة : إن مفهوم «الولاء والبراء» لا يمكن أن نتناوله من اتجاه واحد في حياتنا الدنيا لأنه أوسع مما يتصوره البعض فيه حاسة تمكننا من تذوق حلاوة الإيمان وبه نستكمل الإيمان، وتمتلئ حياتنا بالعديد من مواقف «الولاء والبراء»؛ ففي الغذاء لا ينكر أحد منا سلامة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في المأكل والمشرب، وكيفية التوازن الغذائي بعدم الإفراط في الطعام، وتحري الأكل الحلال والطيبات من الرزق والاجتماع على الطعام وما زال العلم يثبت تأثر صحة البشر بسبب عدم اتباع الفطرة السليمة في الغذاء، ومما ثبت طبيًا جراء الانحراف عن الفطرة في الغذاء ارتفاع معدلات مرض الفشل الكلوي وارتفاع ضغط الدم، وضعف المناعة، ومنها نشر قيم استهلاكية وتغير عادات المستهلك العربي في المأكل والمشرب، مما يضيع قيمة الجماعة التي تميز أمة الإسلام على طريقة «التيك أواي»، وغيرها الكثير مما أصاب الأمة الإسلامية من أمراض جسمية ونفسية واجتماعية وبيئية، فمن نوالي إذن وممن نتبرأ! وعندما تصبح العصبية الرياضية ثغرة تلغي جميع قيم الأمة، لا تستطيع أية قوة مواجهة عواقبها من صراع وتفتت وضياع وهل ما حدث بين المصريين والجزائريين من حروب إعلامية عصبية، وخاصة بين فئة الشباب فيما يخص فريقا كرة القدم لدى البلدين إلا مظهرا من مظاهر ضعف مناعة الأمة!
فالولاء يقي الأمة الإسلامية من العصبية على جميع المستويات السياسية والرياضية والاجتماعية، مما يرد الفئات المتعصبة إلى رشدها لترى الحق حقًا، ويحجم قوى الجهل والتحيز والمحاباة والعصبية القاتلة التي تنسي أصحاب الدين القيم نعمة انتمائهم لأمة الإسلام.

دعائم الظلم
وعلى مستوى حقوق الإنسان هل يمكن المفاوضة على حق الإنسان في أرضه وماله؟ لا يمكن أن ينكر أحد منا أو من الآخرين ذلك، ولكن عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين وحقهم في العودة وحقهم في أرضهم وحقهم في الجهاد من أجل الدفاع عن الوطن والعرض والدين، نجد مفهوم «الولاء والبراء» يتجلى للعيان بالصوت والصورة والألوان، فهذا طرف لا تجده مهتمًا لا إلى هذا ولا إلى ذاك، وطرف آخر يتحجج بالاتفاقات الدولية بيننا وبين أعدائنا، ونجد طرفًا ثالثًا ممن لهم دور في المجتمع المدني من خلال الجمعيات والنقابات والنوادي وغيرها، نجدهم يسعون لكسب مزيد من الرأي العام المساند لقضيتهم، قضية حقوق الإنسان، أما الطرف الرابع فهم واضحون ومصرون على الظهور مخالفين للقانون الدولي ولحقوق الإنسان التي يدعون إليها أصلًا للحصول على مزيد من الحقوق التي تتعدى جميع حقوق الآخرين، وتتخطى جميع القيم الإنسانية، فلا يكتفي هذا الطرف برفض حقوق الناس ولكنهم يستخدمون كل ما أوتوا من قوة في تثبيت دعائم ظلمهم على مسمع ومرأى من المجتمع الدولي، وباستخدام جميع الضغوط المادية والنفعية لترويض ضعافي النفوس والقلوب، وكسبهم في صفوفهم. وهنا يظهر لمن الولاء وممن البراء.

دعوة سياسية
وعلى مستوى الدبلوماسية الدولية وفي الوقت الذي اتهم فيه الولاء والبراء بأنهما يقسمان اتجاهات المسلم إلى قسمين، لا ثالث لهما، فإما الولاء لله والبراء من غيره، وإما غير ذلك نجد من يطلق شعار: «من ليس معنا فهو ضدنا، واعتبره منطلقًا لعلاقاته الخارجية ضد ما سماه «الإرهاب»، ودافعًا أساسيًا لإطلاق الحرب على المسلمين، فهذه دعوة سياسية صريحة للولاء والبراء على الطريقة الأمريكية الإرهابية، فالموالاة الأمريكا طريق السلامة الدولية والداخلية وطريق الاستقرار السياسي للموالين لها، وطريق لتلقي المساعدات المادية والتكنولوجية والاستراتيجية، وسبيل للوقاية من العقوبات السياسية والاقتصادية، فمن نوالي؟ وممن نتبرأ؟
ونرى نماذج أخرى للولاء والبراء على الطريقة التكنولوجية الحديثة، فيما شكله شباب على موقع لل«فيس بوك» على الإنترنت من خلال مجموعة: «عفوًا لست متضامنًا». فقد تبرأت من مناصرة أهل غزة وهم تحت الحصار وتحت النار لأسباب سياسية، أو دعائية، أو غير ذلك، بغض النظر عن حقوق الإنسان، وعن المغتصب، قال تعالى: ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 80- ٨١).

إجابة مخزية
فهل ما أصدره تقرير «جولدستون» من تجريم لليهود يمثل إجابة مخزية لهم أم مازالوا على برائهم؟! وعلى المستوى الدولي والتحرك لنصرة المظلوم وحقوق الإنسان ظهر الولاء جليًا واضحًا، أدهش الموالي وغير الموالي للمسلمين، وأبكى كثيرًا منهم واختلطت ساعتها المشاعر والأحاسيس تجاه الموقف المخزي لمن ساند العدو الظالم بعدم إدانة أو تأجيل إدانة الأعمال الإجرامية والقتل العمد للمدنيين، ومحاربة شعب محاصر على مرأى ومسمع من العالم، حتى قالوا عن المدنيين المحاصرين بأنهم: «هم الذين اختاروا مصيرهم وليس نحن» فمن يوالي هؤلاء وممن يتبرؤون قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 51).

الولاء لله
إن «الولاء والبراء» لا يمكن أن يختفي وراء الكلمات أو المواقف الكاذبة، فهو واضح وصريح، حتى ولو حاول الفرد أو الإعلام تنميق الفرد وتزيين مفرداته ومواقفه، ذلك لأنه نابع عن إرادة وإصرار واقتناع بأن ما يوالي له الفرد هو الطرف الرابح، وما يتبرأ منه هو الطرف الخاسر لذلك فإن على مستوى الولاء لله يجد الفرد نفسه قادرًا على تذوق حلاوة إيمانه فيعيش مستقر النفس مرتاح البال، متوقعًا للنصر، طالبًا لحسن الدنيا والآخرة. فيجد نفسه يكره لله ويحب لله ويعطي لله ويمنع لله مما يؤهله لاستكمال الإيمان.

الرابط المختصر :