العنوان رد على السيد خالد الحسن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 474
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 18-مارس-1980
المقابلة التي عرضتها المجلة في العدد السابق مع السيد خالد الحسن قدمت آراء عدة، منها رأيه في المنهج السلفي.
وقد جاءت الدقة والأمانة في عرض آراء السيد الحسن على حساب الدقة في التعبير عن خط «المجتمع» المتبني لفهم السلف الصالح وتطبيقهم لشرعة الإسلام.
وتكتفي المجلة للتعبير عن رأيها في آراء السيد خالد الحسن بما أرسله بعض القراء الغيورين على خط المجلة.
-المحرر-
ماذا تعني السلفية؟
في مناقشة إسلامية للقضية الفلسطينية مع السيد خالد الحسن أحد القادة الفلسطينيين – نشرته مجلة المجتمع بتاريخ ربيع ثانٍ سنة 1400هـ الموافق 11 مارس 1980م. نسبت المجلة في صفحة 23 بلسان السيد خالد ما نصه «إنني سأبدأ بإصدار مجموعة من المقالات على شكل كتاب يدعو إلى العودة للأصول والتراث، وأنا لست سلفيًّا، والسلفية نقيض الإسلام؛ لأنها تلغي الصلاحية لكل زمان ومكان، ومشكلتنا في المجتمع الإسلامي أنه لم يوجد تحديات للإسلام في الماضي، فليس عندنا ثورة كل ما عندنا حركات تمرد وعصيان، وليس فيها عمليات تنظيم، كما في الأسلوب الحديث»..
وأنا إذ أقرأ هذه العبارة وجدت بينها وبين ما قبلها تعارضًا يدركه من يفطن لقوله: «كنت أحاول طوال حياتي في هذا الإطار وفشلت؛ لأن التصدي لقيادة الحركة الإسلامية يحتاج إلى فهم إسلامي واسع، وهذا غير موجود عندي».. الخ عبارته..
إذ كيف يقول خالد الحسن: إن السلفية نقيض الإسلام، وأنها تلغي الصلاحية لكل زمان ومكان، وهو يقر بأنه محتاج إلى فهم إسلامي واسع، وهو غير موجود عنده.. وضمن هذا الفهم الإسلامي معرفته السلفية! فماذا عرف عن السلفية؛ حتى يحكم عليها هذا الحكم، «والحكم على الشيء فرع عن تصوره» فإذا كان لا يتصور معنى السلفية الحقيقي؛ فالحكم إزاءها غير صحيح، ويتنافى مع الدقة في الحكم على الأشياء.
والسلفية نسبة إلى السلف الصالح؛ وهم من مضوا من الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - والذين تمسكوا التمسك الصحيح بالكتاب والسنة، واعتنوا بنصوص القرآن وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام.. فالسلفية إذن هي التمسك الصحيح بالعقيدة المأثورة عن السلف الصالح، الذين استقوا منهجهم من القرآن الكريم، وتحروا الثقة فيمن نقل إليهم النصوص حتى أبدعوا في علوم الجرح والتعديل؛ مما جعل المؤرخين يطلقون على هذه الأمة اسم «أمة السند»، فصار الدين في حصن حصين قائم على صحة مصادره.. والسلف هم الذين فهموا أسماء الله وصفاته، كما علمها لهم القرآن الكريم والسُنّة، وعرفوا الإيمان بالملائكة والكُتُب والرسل والبعث والقضاء والقدر، وهم يؤدون العبادات على النحو الصحيح الذي بيّنه لهم رسولهم صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي سار عليه الأئمة ومن قبلهم. وأما المسائل المتفرعة فالسلفية ليست جامدة فيها؛ بل هي تفتح باب الاجتهاد لكن من توفرت فيه هذه الكلمة، بحيث لا تصطدم مع نص من نصوص الدين واعتبار المصالح وما يريده أمر ضروري لذلك.
فالسلفية إذن ليست الجمود والتخلف، وإنما هي الدين الذي أنزله الله تعالى في الوقائع الثابتة وما سواها، فالأمر مفتوح لكل ذي دين..
لذلك نجد؛ بل ندرك أن السلفية ليست نقيض الإسلام؛ بل هي الإسلام الذي علمه الرسول للصحابة - رضوان الله عليهم - وسار عليه التابعون، واستنار به الأئمة الأعلام الذين رفعوا راية الحق للناس أجمعين..
ولا أعلم من أين استقى السيد خالد الحسن أن السلفية نقيض الإسلام.. وهل السلفية إلا التمسك بالإسلام. وهل هناك تعارض بين الإسلام وبين من يتمسك به!
والسلفية لا تلغي الصلاحية لكل زمان ومكان؛ لأنها ليست دعوى إلى إلغاء الصلاحيات، وإنما هي منهج يسير عليه المتمسكون من الناس بهذا الدين المتين، فهي تشيع الخير للناس، وتبث الصلاح بين أفراده، والتاريخ شاهد على ذلك.. ألا تذكر يا أخي مسيرة سليمان بن حرب، وأحمد بن علي بن حجر، والشافعي أحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، فهم أئمة السلف طبقوا فهمهم للإسلام، فبقي أثرهم في كل زمان ومكان.. فالحق أن السلفية سمحة تروض نفس الإنسان على التحلي بما تحلى به الأوائل - رضوان الله تعالى عليهم -.
كذلك فإني أخالف الأخ خالد الحسن في قوله: إن المجتمع المسلم لم يجابه تحديات في الماضي بمثل حجم هذه التحديات في الحاضر. أليس لكل عصر تحدياته وأساليبه؟ ألم تكن هجمات التتار والمغول الطاحنة تحديًا ماحقًا! ألم تكن هجمات الصليبيين الشرسة تحديًا لوجود الإسلام نفسه في فلسطين خاصة، وبلاد الإسلام المطلة على البحر المتوسط عامة! وهجمات الاستعمار الأوروبي الصليبي الحاقد التي لا زلنا نعاني منها.. تحديًا لفكر الإسلام ووجوده في طول البلاد وعرضها.. وما زرع كيان العصابات الصهيونية الخبيث في أرضنا الإسلامية إلا من نتاج هذا التحدي الصليبي الحاقد على الإسلام والمسلمين.
كذلك فإننا نختلف مع الأخ «أبو السعيد» في الأسلوب الذي ارتضاه للنضال؛ مع احترامنا لكل من حمل البندقية، وإجلالنا لكل من استشهد في سبيل الله. ولكن حمل البندقية شيء، وتربية الإنسان الذي سيحملها شيء آخر.
إننا لا نؤمن بغير الإسلام منهجًا وأسلوبًا لتحرير فلسطين، ولن يتم ذلك إلا إذا اتبع المسلمون منهج الله تعالى. والأحداث تؤكد ذلك فقد كانت كل فلسطين في يد المسلمين عندما كانوا متمسكين بدينهم.. ولكنهم أخذوا يخسرنها تدريجيًا كلما ابتعدوا عن منهج الله، حتى خسروها كلها عندما بلغ تجاهل المسلمين لدينهم أوجه، وركنوا إلى البشر من دون الله سبحانه، وإذن فتحرير فلسطين يحتاج منا عودة إلى الإسلام قلبًا وقالبًا، فكرًا ومنهجًا وممارسةً، وعندها «سيفرح المؤمنون بنصر الله».
وأخيرًا:
فإنني لا أقصد التهجم على الأخ خالد الحسن، ولكنني أرجو أن يعيد النظر فيما قاله عن الحركة الإسلامية، واتهامه للسلفية بالنقيض للإسلام، ومراجعة حساباته لتحرير فلسطين على أساس إسلامي محض..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
أبو سليمان العناني
-وزارة الأوقاف-