العنوان صفحة من حياة عبد الله عزام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
مشاهدات 73
نشر في العدد 945
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
- - القوى الأجنبية تسمم الأجواء وتزرع
الفتنة بين الأفغان.
-
- لابد من مواجهة الجهاد حتى يعلم
المجرمون والطغاة بحقــوق المقهورين المظلومين.
-
- عبدالله عزام.. نموذج العلماء
المجاهدين
لقد فجع العالم الإسلامي والمسلمون في شتى أرجاء الأرض وهم يتلقون نبأ
استشهاد المجاهد وقائد مسيرة المجاهدين العرب في أفغانستان الشهيد الدكتور عبدالله
عزام -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- إثر المؤامرة الإجرامية التي تعرض لها وهو في
طريقه إلى مسجد سبع الليل لإلقاء خطبة الجمعة ومعه اثنان من فلذات كبده محمد نجله
الأكبر، وإبراهيم.
وقد دفن رحمه الله في نفس يوم استشهاده، حيث لاحظ المشيعون -وهم ألوف- رائحة
المسك التي انبعثت من دمه الزكي والتي عبقت في أنوف من حضر، وبقيت هذه الرائحة
الزكية حتى تم دفنه. كما لوحظ -وهذا من إكرام الله سبحانه- أن جسده قد حفظ من
التشويه رغم أن الانفجار نتج عن (۲۰ كغم ت. ن. ت) وقد أحدث دويًّا هائلًا
وقطع تيار الكهرباء وحفر حفرة في الأرض وتناثرت أجزاء السيارة في الهواء، وقد
وجدت جثة الشيخ على مقربة من الحادث. وسوف نقدم للقارئ جانبًا من حياة الشهيد رحمه
الله.
مولد الشهيد ونشأته
ولد الشهيد عبدالله عزام في فلسطين «سيلة الحارثية» من أعمال مدينة جنين سنة
١٩٤١م، فشب وترعرع في أحضان والديه، ثم تلقى علومه الابتدائية والإعدادية في مدرسة
القرية، وأكمل دراسته في خضورية الزراعية في مدينة طولكرم.
تنقل الشهيد وهو طفل بين مرابع القرية ولم يكن قد تجاوز من عمره عشر سنوات
تقريبًا وهو يرى أمام ناظریه سهل مرج ابن عامر الذي أخذه اليهود ظلمًا وزورًا عبر
المؤامرات الكلامية والمحافل الدولية.
وقد كان الشيخ الشهيد -رحمه الله- يھیئ نفسه ويعدها إعدادًا إيمانيًّا فكان
ملازمًا لتلاوة القرآن، كما كان ملازمًا لمسجد القرية يعطي الدروس الدينية.
وقد كان الشهيد ينتظر ذلك اليوم الذي يثأر فيه لربه ودينه ويعود من أرض
أفغانستان الإسلامية بعد تحريرها ليحرر بيت المقدس وفلسطين المسلمة من أيدي
الغاصبين اليهود، ولئن كان الأعداء لم يمهلوه لذلك اليوم وقد قضى الله عز وجل
بانتهاء الأجل، إلا أنه ربى رجالًا عقدوا العزم وأقسموا اليمين على السير ومواصلة
الطريق على نفس الخط الذي نهجه وسار عليه ومات في سبيله، حتى يتحقق على أيديهم ما
كان يسعى إليه الشهيد.
عمله ومواصلة دراسته الجامعية
بعد أن حصل على شهادة خضورية الزراعية بدرجة امتياز تم تعيينه معلمًا في
قرية أدر منطقة الكرك -جنوب الأردن- في مطلع الستينيات، ثم نقل بعد ذلك إلى
مدرسة برقين في الضفة الغربية، وقد تابع دراسته الجامعية في جامعة دمشق
«كلية الشريعة» ونال منها شهادة الليسانس في الشريعة بتقدير جيد جدًّا سنة
١٩٦٦م.
وكان هناك قد التقى مع بعض علماء الشام أمثال الدكتور محمد أديب الصالح،
وأبي الفتح البينوني، كما تعرف على مروان حديد المشهور بعداوته للطواغيت وجهاده
لهم، ثم عاد الشيخ الشهيد إلى عمله في مدرسة برقين.
زواجه
وكان سنة ١٩٦٥ قد اختار شريكة حياته «أم محمد» وهي من بيت محافظ على الدين
قد تربت على يدي والدها الذي هاجر من قرية «أم الشوف» في شمال فلسطين بعد طردهم من
قبل اليهود إلى قرية «سيلة الحارثية»، وقد سكنوا فترة وجيزة في بيت أهله ثم ارتحل
والدها مع عائلته إلى قرية «دير الغصون» في منطقة طولكرم.
ومن هذا الزواج المبارك الذي تم بين الشيخ عبدالله عزام وشريكة حياته أنجبت
خمسة ذكور: محمد نجله الأكبر الذي ذهب إلى ربه شهيدًا مع والده وعمره «٢٠
سنة»، وحذيفة «۱۸ سنة»، وإبراهيم الذي اختاره الله شهيدًا مع والده، وعمْر
إبراهيم «١٥» سنة، وحمزة «۱۳» سنة، ومصعب «5 سنوات».
ومن الإناث أنجبت منه: فاطمة وعمرها «۲۳ سنة»، ووفاء عمرها «۲۲ سنة»، وسمية وعمرها
«١٤ سنة».
جهاده في فلسطين
عندما سقطت الضفة الغربية وقطاع غزة بيد اليهود عام ١٩٦٧ كان شيخنا لا يزال
على أرض فلسطين، وقد حاول مع مجموعة من الشباب من أهل القرية أن يقفوا في وجه
الدبابات الإسرائيلية التي اجتاحت الضفة الغربية، وقد سقط بعض أتباع الشيخ شهداء
لدى مواجهتهم لليهود.
عداوة الشهيد لليهود
ثم خرج الشيخ الشهيد مشيًا على الأقدام ومعه مجموعة من الشباب بينهم رجل
كبير من أهالي القرية، وبينما هم يتحركون باتجاه الشرق وفي منتصف الطريق اصطدموا
بدورية عسكرية إسرائيلية فاستوقفتهم وقام أحد الجنود بتفتيش الإخوة، فكان الدور
ينتظر الشيخ الشهيد، فلما مد الجندي يده في جيب الشيخ أمسك بيد الجندي حتى لا يقع
المصحف الصغير الذي كان يحمله بيد اليهودي؛ لأن الكافر لا يجوز لنا أن نمكنه من
المصحف، فرجع الجندي اليهودي إلى الوراء وسحب أقسام البندقية وأراد أن يقتل
المجموعة ومن ضمنهم شهيدنا، فتشاهد الشيخ الشهيد وتقدم الرجل الكبير الذي يرافقهم
يطلب من الجندي أن يطلق سراحهم، إلى أن فعل ذلك.
ثم تابع الشيخ الشهيد سيره باتجاه الأردن حتى وصل إليها، وقد تعاقد مع
التربية والتعليم في السعودية لمدة سنة رجع بعدها إلى الأردن، وكان العمل
الفدائي قد ظهر على الساحة الأردنية.
بدأت فكرة التدريب واستعمال السلاح للوقوف في وجه اليهود تداعب أفكار الشيخ
الشهيد، وكيف يهدأ باله آنذاك وهو يرى حثالة اليهود تسرح على أرض فلسطين وتدنس
مقدسات المسلمين، فحرض الشباب واستنهض هممهم للتدرب على استعمال السلاح
لمقاتلة اليهود.
وقد اتخذ الشيخ الشهيد مع مجموعات من الشباب المسلم قاعدة لهم في شمال
الأردن كان الناس يطلقون عليها «قواعد الشيوخ»، وكان الشهيد أميرًا «لقاعدة بيت
المقدس في مرو» للانطلاق منها إلى فلسطين لمواجهة العصابات اليهودية المسلحة.
عمليات في فلسطين
وقد اشترك الشيخ في بعض العمليات على أرض فلسطين كان من أعظمها:
أولًا: معركة المشروع أو الحزام الأخضر التي خاضها الشهيد مع إخوانه التي
جرح فيها أبو مصعب السوري، وقد حصلت هذه المعركة في منطقة الغور الشمالي.
ثانيًا: وكان من بين العمليات التي أشرف عليها معركة 5 حزيران عام ۱۹۷۰م.
وقد اشترك فيها ستة من المجاهدين كان من بينهم أبو إسماعيل «مهدي الإدلبي»
الحموي، وإبراهيم «بن بلة» وبلال الفلسطيني، وفي أرض مكشوفة تصدروا لدبابتين
وكاسحة ألغام، وكان دايان وزير الدفاع اليهودي قد أرسل مراسلًا كنديًّا وآخر
أمريكيًّا ليطوف بهم الحدود، ويريهم أن العمل الفدائي قد انتهى.. وإذا بجند
الله يخرجون لهم كالجن المؤمن من باطن الأرض، وانهالت القذائف وجرح الصحفيان،
واعترف اليهود باثني عشر قتيلًا من الجنود والضباط، ولكن قتلى الأعداء أكثر من هذا
بكثير، وقد استشهد ثلاثة من الإخوان في هذه المعركة. (انظر في كتاب حماس: ٧٦- ٧٧
لنفس الشهيد).
ولكن ما جرى في حرب أیلول ۱۹۷۰ حال دون مواصلة الشيخ الشهيد وإخوانه
الجهاد على أرض فلسطين وأغلقت الحدود.
ولم يمكن هؤلاء من مواصلة جهادهم على أرض فلسطين وإلا لأذاقوا اليهود ويلات
المعارك التي كانوا يصلون بها اليهود جهارًا نهارًا.
عودة الشهيد إلى العلم والعمل
كان الشهيد رحمه الله يجاهد بسلاحه وقلمه، وقلما تجد له نظيرًا في هذا
العصر، لذا فقد كان وهو في قواعد الشمال قد انتسب إلى جامعة الأزهر ونال شهادة
الماجستير في أصول الفقه سنة ١٩٦٩ حيث عمل بعد ذلك محاضرًا في كلية الشريعة في
عمان ۱۹۷۰/ ۱۹۷۱ ثم أوفد إلى القاهرة لنيل شهادة الدكتوراه وقد حصل عليها في
أصول الفقه بمرتبة الشرف الأولى ۱۹۷۳. ثم عمل مدرسًا في الجامعة الأردنية
«كلية الشريعة» من سنة ١٩٧٣- ۱۹۸۰ حيث تربى على يديه مئات الشباب المسلم
العائد إلى ربه، والذين كان يعدهم ليوم اللقاء مع العدو ليزيل نير الاحتلال عن
رقاب الأمة المسلمة في فلسطين، ولكن لم يمهل حتى يحقق أمنيته فصدر قرار بفصله
من الجامعة 1980م.
سبب فصل الشهيد من الجامعة
كان الشيخ شخصية فريدة من نوعها، وقد استطاع أن ينشر أفكاره بين صفوف الطلبة
في مختلف كليات الجامعة، ولهذا وجدنا أن إدارة الجامعة بدأت تضيق عليه لصلابة
مواقفه، ولهذا كان الشباب المسلم في بلد يطلقون عليه «سيد قطب» لوجود التشابه
بينهما في الوقوف في وجه الحكام والطواغيت، ولذلك نجد سيد قطب قد وقف في وجه حكام
عصره مما أدى إلى أن يكلفه ذلك حياته.
وقد كان شهيدنا من هذا الطراز، بل تربى على فکر سید قطب وتأثر به وبأسلوبه،
فكان يصدع بكلمة الحق مهما كانت النتائج.
وقد وقع بين يدي شهيدنا ذات مرة جريدة «الرأي» وإذا بها كاريكاتير يضم
مجموعة من المشايخ وهم يحملون «م ١٦» وفي أسفل الصورة يرمز إلى أنهم مخابرات
أمريكية.
فاتصل الشهيد بمدير المؤسسة الصحفية وطلب منه أن يعتذر على ما أصدره في هذه
الصحيفة، فرفض المدير هذا الطلب، فقال له الشهيد: لقد أعذر من أنذر.
وإذا بالمدير يتصل بالحاكم العسكري الذي قام بإصدار قرار بفصله من
الجامعة سنة ١٩٨٠ فانتقل للعمل في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة
وبعدها عمل في الجامعة الإسلامية بإسلام آباد عام ١٩٨٤م كمستشار للتعليم في
الجهاد الأفغاني.
وعندما اقترب من المجاهدين الأفغان وجد ضالته المنشودة وقال: هؤلاء الذين
كنت أبحث عنهم منذ زمن بعيد.. وقد قام بتأسيس مكتب الخدمات الذي كان ولا يزال يوجه
الإخوة العرب في خدمة الجهاد الأفغاني، وقد قدم استقالته من الجامعة الإسلامية
وتفرغ للعمل في الجهاد الأفغاني. ولهذا المكتب الذي استقطب معظم المجاهدين العرب
القادمين لأفغانستان نشاطات كثيرة في كل أنحاء أفغانستان -تقريبًا- بين المجاهدين تعليمية وتربوية
وعسكرية وصحية واجتماعية وإعلامية.
لقد صبر الشهيد على ظلم الطواغيت فكان كالطود الشامخ لا يحني هامته إلا لله
العزيز القهار فآثر الأفعال على الأقوال، وآثر الجهاد على القعود مع الخوالف
من النساء والولدان.
آثر الجهاد على البريق الخادع والمناصب الكاذبة التي تجذب أصحابها إلى
مستنقع الطين والذل التي تكلفهم أن يقدموا على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه الكرامة.
لقد كان من ضمن وصايا الشهيد: أيها المسلمون: حياتكم الجهاد، وعزكم الجهاد،
ووجودكم مرتبط ارتباطًا مصيريًّا بالجهاد. أيها الدعاة: لا قيمة لكم تحت الشمس إلا
إذا امتشقتم أسلحتكم وأبدتم خضراء الطواغيت والكفار والظالمين.
إن الذين يظنون أن دين الله يمكن أن ينتصر بدون جهاد وقتال ودماء وأشلاء
هؤلاء واهمون لا يدركون طبيعة هذا الدين. وقد حمل شعاره هذا وطبقه حتى نال
الشهادة، رحمه الله.
عندما انحرفت السياسة منذ وقت مبكر فتحولت إلى ملك عضوض يستخدم الإسلام في
أغلب الأحيان لأجل أن يكون له خادمًا أنيطت مهمته المحافظة على الإسلام والدفاع
عنه وعن أمته بعهدة العلماء، فجاهدوا على كل صعيد، ودعك من خدام السلاطين فما هم
في منظور الإسلام على شيء غير رسوم.
والمتتبع لتاريخ الثورات الكبرى في تاريخ الإسلام ومنها الحركات الوطنية،
حركات المقاومة ضد الاستعمار الحديث، حتى تلكم التي انحرفت فيما بعد، يجد العلماء
العنصر التأسيسي الرئيسي فيها، ويوم أن أبعد العلماء أو ابتعدوا عن توجيه حركة
التاريخ في أمتنا وعن مهمة القيادة الجماهيرية انهار البناء الإسلامي جملة وتعطل
العطاء، واضطربت المسيرة، وساد القوم أرذلهم فذلت الأمة واستطال عليها أعداؤها،
وليس ما حدث من معجزة الإسلام في أفغانستان ومن قبلها في الجزائر وما يجري اليوم
في فلسطين وما جرى ويجري على ساحة المعركة من إبداعات جهادية قهرت
وتقهر جبابرة الكفر والطغيان حتى تنقمع وترتد صاغرة، ليس ذلك سوى امتداد
لمهام العلماء القيادية الريادية في تفجير طاقات الإبداع النضالي، ولا عجب أن تشتد
نقمة أعداء الإسلام على العلماء المجاهدين لما يعلمون من فعاليتهم القيادية
العظيمة فيعملون فيهم تشويهًا وافتراء حتى إذا فشلوا في ذلك عمدوا إلى التسجين
وحتى الاغتيال والتقتيل، ولم يكن اغتيال الأخ الحبيب الشيخ الداعية عبدالله عزام
نموذج العالم المجاهد خارجًا عن هذه القاعدة: الإبداع الحضاري بتفجير طاقات
الجماهير ورفع الوصاية عنها وتوريثها السلطة ووضعها على طريق الحضارة من ناحية في
المهمة لا تجيدها سوى فئتين إذا صلحتا: العلماء والحكام، ولذلك كان توفرهما معًا
وحتى أحدهما فقط علامة خطر ماحق على القوى المعادية وأطماعها في أمتنا، فوجب
العمل الفوري على التشويه، فإن لم يفلح فالتدمير. تلك هي في العصر
الحديث قصة النورسي، والبنا، وسيد قطب، وعبدالقادر عودة، والصدر، وعبدالله عزام
من جهة، وقصة أحمد الشهيد «الهند» والحاج طفاوة بليوة، وأحمد بوبلو
«بنيجيريا»، والملك فيصل «السعودية»، وضياء الحق «باكستان».. إنها معادلة الحضارة:
لقاء العلماء بالجماهير، لقاء الحكام بالجماهير على أرضية الإسلام.
*****
عبدالله عزام.. كيف عرفته؟
راشد الغنوشي
قد يكون أول لقاء لي مع الداعية العالم الفلسطيني عبدالله عزام على أرض
الأردن خلال زيارتي لها سنة ١٩٧٨، ولكن العلاقة الخاصة علاقة التعارف والتحابب
الراسخ كانت محطة انطلاقتها الرئيسية بإيطاليا لآخر يومين من سنة ١٩٧٩م، وفي ليلة
رأس السنة بالذات حيث سهرنا على هامش ملتقى طلابي إسلامي لاتحاد الطلبة المسلمين
بإيطاليا.. كان منعقدًا بالمدينة المذكورة، كلانا مدعو إليه. كنا نشاهد بأسى شديد
من شرفة البناية التي نزلنا بها ما يمكن أن يتردى فيه الإنسان من حركات الانحلال
عندما ينزع يده من الله تبارك وتعالى.. وكانت مشاهد الانحطاط الناطقة بضياع العقل
والخلق والدين تزيدنا استشعارًا بنعمة الله علينا بالإسلام، وإشفاقًا على هذه
البشرية المعذبة الهاربة من الله تعالى.. وتزيدنا حرصًا على تنمية الجمهور لإنقاذ
شباب أمتنا خاصة من هذا الأتون طريقًا لإنقاذ الأمة والعالم.
ولقد كانت أهم قضية قد فرضت نفسها في تلك الأيام على حياة المسلمين والعالم
عامة اندلاع الثورة في إيران، وكان حماسنا قد بلغ أوجّه في الإعجاب بها وتعليق
الآمال العريضة عليها، مقابل توجس القوى الدولية في المنطقة منها. ولقد بلغني بعد
ذلك أن الأخ عبدالله عزام رجع إلى الأردن شديد التأثر بأجواء الحماس للثورة
الإيرانية التي كانت سائدة في الأوساط الإسلامية في أوروبا خاصة بسبب انمحاقها
وبحثها عن الولي الحامي لها.. وما كان مثله في الإيمان وحماس الشباب المتدفق ليكتم
قناعاته، بل انطلق في أوساط طلبته ينصح لهم ويبشرهم فيملؤهم حماسًا لما حملته
الثورة في إيران من رياح التغيير وقيادة الإسلام لحركة الجماهير، ولم يتسع
صدر السلطة لهذا الحماس المتدفق المنذر بالأخطار، فتسارعت الجامعة إلى رفضه من سلك
التدريس، وما أحسب أنه قد مضى وقت طويل حتى استمرت نيران الجهاد الأفغاني باقتحام
الدب الروسي أرض أفغانستان يرفس ويدمر لا يبقي ولا يذر.. فتداعى المسلمون يبحثون
ويجمعون الشباب لنصرة إخوانهم في البلد الشقيق، وكنت من الداعين بحماس لوجود الأخ عبدالله
عزام ممثلًا للعرب، مجمعًا لطاقاتهم على أرض الجهاد في أفغانستان بسبب ما استقر في
نفسي عنه من خِلالٍ تجعله أنسب رجال الدعوة الإسلامية في النهوض بهذه المهمة.. فهو
العالم.. وهو الداعية.. وهو القائد المجرب.. وهو الأديب صاحب الوجدان الرقيق
والحماس الفياض.. وهو الشاب القوي الذي يصدق فيه بحق صفات من طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ
عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة: 247) ولم
يتنكب الرجل، وكان عند حسن الظن وأكثر.
ورغم أنني مع إخواني في تونس قد فرض علينا خوض المعركة ضد النظام البورقيبي
العلماني الدكتاتوري فنال منا ونلنا منه حتى أتينا عليه بفضل الله في أعقاب عشرية
من الصراع أفضى فيها إلى ربه إخوان منا بررة، ووقف آخرون على حافة المشنقة لم
يحجزهم عنها غير قدر الله.
الأرض كلها فلسطين
رغم ذلك فقد كنا نتابع من وراء القضبان ملحمة الجهاد الإسلامي في أفغانستان،
وكانت أنفاس الجهاد قد تصلنا عبر أسلاك عديدة أكثرها توترًا والتهابًا وصفاء
كتابات وخطب وتوجيهات القائد البروفيسور عبدالله عزام، وقد التحم في الجهاد
الأفغاني إلى درجة الفناء فيه، التحامًا كاد يذهله عن كل قضية أخرى حتى قضية
فلسطين، وكان راسخ الإيمان بأنه لن تعود لنا فلسطين حتى نجعل الأرض كلها فلسطين. لقد
التقيت الشيخ عبدالله عزام عندما منّ الله علي خلال لحظة من فتور الصراع بالخروج
دون الآلاف من إخواني لا يزالون محصورين بمن فيهم الأمين العام للحركة الأخ عبدالفتاح
مورو في أرض الله الواسعة، وتفقد أحوال المسلمين وتجديد روابط الأخوة مع الأحباب،
والتناصح في أحوال الأمة والإنسانية واتجاه التطور ووسائل المساهمة في توجيهه، وتم
لي والحمد لله أكثر مما كنت أرجو من الضرب في الأرض شرقًا ومغربًا، تاركًا في كل
أرض أحل بها وطنًا عزيزًا وإخوانًا أحبة وذكريات عطرة ودموع شوق حرى.
التقيت بالشيخ الحبيب وكلي شوق إلى لقياه في أمريكا خلال انعقاد مؤتمر
الشباب العربي المسلم في أوكلاهوما سيتي في ديسمبر ١٩٨٨، ثم بعدها في الكويت خلال
انعقاد المؤتمر الثالث للجمعية الخيرية الإسلامية العالمية أواخر شهر أکتوبر ربيع
الأول بعد أن تعذر اللقاء خلال زيارتي لبيشاور ولأرض الجهاد في أفغانستان، وقد
ألفيت هناك مآثره العطرة وأخباره على كل لسان، لقد كان يومئذ في جولة داخل جبهات
القتال مع أخيه القائد المجاهد قلب الدين حكمتيار، وكنت شاهدًا في المجلس الذي
انعقد بمقر الحكومة المؤقتة في بيشاور تحت إشراف المجاهد الأخ سياف عبد الرسول
رئيس الحكومة اجتماع المصالحة بين الجمعية والحزب بحضور عدد من زعماء العالم
الإسلامي، وانتهى التعاتب بين القائدين المتنازعين إلى الاتفاق على التحكيم بعرض
قضية التنازع على المحكمة، فتم تكوينها من العلماء الأفغان المرضي عنهم من
الطرفين، ولم يختلف أحد من الحاضرين عربًا وأفغانًا على تعيين عبدالله عزام؛ رغم
أنه لم يكن حاضرًا عضوًا بارزًا في تلك المحكمة، وأحسبه العضو الوحيد من غير
الأفغان.. لقد كان اسم الشيخ عبدالله عزام على كل لسان.
باع د. عزام نفسه لقضية الجهاد
ورغم بروز ما هو معتاد من نزغ الشيطان بين الإخوان فما أحد قد طعن في جهاد
الرجل ونيته وبلائه العظيم، فكل من له علاقة بالجهاد الأفغاني صديق له أو عدو يعلم
ما يمثله عبدالله عزام في الجهاد الأفغاني من ركن ركين وقوة دفع هائلة للالتحام
بهذه الملحمة والتأكيد على مركزيتها بين قضايا المسلمين، وحتى إنه لم يبق شك في أن
جهود الرجل لا تبارى في التعريف بهذه القضية العظيمة والتغني بملاحمها وتجنيد
الحركة الإسلامية وخاصة في العالم العربي وراءها، والتبشير بالجهاد طريقًا وحيدًا
لنصرتها ولإعادة البناء الإسلامي.. الجهاد بالمال واللسان والنفس وتعبئة قطاع
واسع من الأمة وراءها خاصة والرجل كما قلت قد فني في القضية، وذلك الشرط الأساسي
للنجاح في خدمة أي قضية، أن تملك القضية عليك نفسك فلا تكاد ترى شيئًا غيرها،
فتبيعها نفسك وترتبط بها ارتباطًا مصيريًّا، وتنظم علاقتك بالعالم كله محبة
وبغضًا على ضوء علاقته بها.. إلى جانب وضوح الرؤية والمنهج وقداسة القضية.. وكل
ذلك كان في عبدالله عزام فضلًا عن الأدوات العظيمة التي أوتيها: علم إسلامي
غزير.. وتجربة في الدعوة ثرية، ونفس شاعرية مرهفة حتى إن أدبيات الجهاد الأفغاني
ما أحسب أن أحدًا قد أثراها وفرض حضورها في وسط الإسلاميين خاصة مثل عبدالله عزام،
فما عاد يذكر الجهاد الأفغاني الكبار فكان في الصنف الأول منهم؛ إذ لم يقتصر الأمر
على فنائه في القضية، بل حتى في الشعب الأفغاني ذاته. لقد حمل شعارهم في الزي
والهيئة حتى لتكاد تحسبه قد خلق خلقًا أفغانيًّا.
أجمعت القوى الدولية التي كان بعضها مؤيدًا للقضية الأفغانية لمجرد الانتقام
من الروس على التخلي عنها، بل التآمر ضدها بمجرد الانسحاب الصوري للروس، وذلك
منعًا للحركة الإسلامية أن تجني ثمرة جهادها فتكون البديل، كيف تتخلى الحركة
الإسلامية في هذه اللحظات الحاسمة على هذه القضية متأثرة بالتضليل الإعلامي الدولي
الذي نجح في تركيز الأنظار على بعض حوادث النزاع التي لم تخل منها ثورة، مثل حادثة
كارخار وتسميم الأجواء بتضخيمها من أجل تصوير الجهاد الأفغاني في نظر المسلمين
والعالم على أنه قتال فتنة بين قبائل وعصابات، فالعون إذن هو عون على الفتنة وليس
على الجهاد في سبيل الله، ومن أجل دفع كيد الإمبريالية الشيوعية وأطماعها التوسعية
وريثة القياصرة.. ومن أجل دفع كيد هذا الإعلام الدولي الرهيب كان عبدالله عزام
يسير في كل مكان يتحرى مجامع المسلمين ليدرأ عن عقولهم هذا التضليل بحجج كثيرة،
منها عرض بطولات المجاهدين في أسلوب أخاذ وما أظهره الله على أيديهم من كرامات
وعجائب صارفًا الأنظار عن الحديث عن خلافاتهم حتى إني لما عبت عليه غلوه في الليل
الجارف مرة مع هذا وأخرى مع ذلك دافع عن أطراف النزاع كلها مُعرّفًا بمآثرهم في
الجهاد، منوهًا بصنوف عباداتهم وإقبالهم على الله تعالى في التلاوة والتهجد وتحري
حكم الشرع في مختلف ضروب تصرفهم، ومنها إيراد كشوف تفصيلية على المعارك التي
خاضها المجاهدون بنجاح هذه السنة ضد عملاء موسكو والمواقع التي حرروها والغنائم
التي غنموها، وفرق العدو التي مزقوها يتلو تفاصيل مرقمة عن كل ذلك، وكأنه يتلو
آيات من كتاب الله ممعنًا في تصوير وضع الحقارة والقزامة والرعب الذي عليه عملاء
موسكو في كابول وحامياتهم المعزولة التي يقتلعها الرعب واليأس فتتسابق إلى خطب ود
المجاهدين طلبًا للأمان لأنفسهم وهم يرون قادتهم يهربون عائلاتهم إلى الخارج.
لقد كان الشيخ رحمه الله يستصرخ المسلمين ودولهم، وقد اتخذ من علاقتهم
بالجهاد الأفغاني مقياسًا لتعبير مدى إخلاصهم للإسلام، من هنا جاء تحول موقفه من
الثورة في إيران من الإعجاب إلى العتب واللوم بل أشد بسبب ما اعتبره موقفًا
متخاذلًا من الجهاد الأفغاني، لقد سمعت الشيخ يستصرخ المسلمين وقادتهم خلال مؤتمر
الجماعة الإسلامية بلاهور هذا الشهر ذاته، يطلب في أسى شديد للمجاهدين الأفغان وهم
في اللحظة الأخيرة قبل النصر النهائي إمدادهم بأكياس من الطحين وببدلات شتائية
وأحذية وأغطية حتى يواصلوا رباطهم على قمم الجبال الثلجية.. كان يهدر في وجوه قادة
الدعوة الإسلامية.. ماذا تريدون؟ ألم تروننا منذ نعومة أظفارنا على أن الهدف
المركزي للحركة الإسلامية هو تجسيد الإسلام على الأرض في مشروع مجتمعي، فها هي أرض
أفغانستان قد حرر المجاهدون ٩٥% منها، فلماذا تنكصون عن هدفكم وهو قاب قوسين منكم
أو أدنى.
ولقد بلغ مدى انفعال الحاضرين بخطابه العاصف حدًّا بعيدًا لدرجة أصبحت
معها مهمة مواطنه الفلسطيني القائد الأديب د. صيام غاية في العسر، وقد جاء ترتيبه
لعرض القضية الفلسطينية إثر عبدالله عزام؛ إذ كان على الدكتور صيام أن يعيد ترتيب
الأولويات الإسلامية لدى الحاضرين حتى تنهض على أقدامها شامخة من جديد الأطروحة
الأكثر تداولًا داخل صفوف الإسلاميين حول مركزية القضية الفلسطينية حيث سائر قضايا الأمة.
القتال طريق وحيدة كما كان الحس النقدي للحركة الإسلامية لدى الشيخ عزام
ينصب على منهاجها الحركي السلمي الذي مالت إليه في الغالب، لقد فني الرجل في
الجهاد وأدبياته القتالية وما عاد يرى غير الصورة القتالية للجهاد سبيلًا لنصرة
الإسلام.
ومن ثم كنت أجد مشقة هائلة في تليين هذه القناعة لديه حتى تتسع نظرته إلى
الجهاد فيغدو القتال ليس سوى صورة من صوره تلتجئ إليها الحركة الإسلامية في ظروف
خاصة تفرض عليها فرضًا، وأن هناك جهادًا سلميًّا، المنهاج الديمقراطي
في التغير صورة من صوره من أحب إلى الإسلام من الصورة العنيفة، وأذكر أني قد
اصطدمت بالأخ الحبيب أو هو قد اصطدم بي اصطدامًا شديدًا خلال تعليقه على محاضرتي
بأوكلاهوما سيتي بأمريكا وتأصيلي للتعددية في الإسلام ديسمبر سنة 1988.
ولكن من الاختلاف في وجهات النظر لم أشعر أنه قد غير من مشاعر الأخ نحوي قيد
أنملة، فلقد ظل دائم الابتسام، يطفح وجهه بالمحبة والإخبات، بل قد كان يشجعني على
مخالفته والاستمرار في الحديث قائلًا رحمه الله في ابتسامة ندية واثقة مؤمنة مفعمة
بمشاعر الأخوة والمحبة: إنني أحبك يا أخي وأحب سماع حديثك وطرافة وجرأة انتقاداتك
للفكر والحركة.. إلى أين تسير الحركة الإسلامية في رأيك؟ ما تقييمك لأوضاعها؟
ورغم طول حديثي إليه ومناقشتي لأطروحاته لم أحس أني قد غيرت شيئًا من مشاعره
نحوي ولا قد نلت شيئًا من قناعاته حول نهج التغيير، وأن الجهاد المسلح هو طريقه
الوحيدة، عدا أني قد لمست في تعليقه على نتائج الانتخابات في الأردن وقد كان فوز
إخوانه فيها مشهودًا وهو واحد من قادة الحركة الإسلامية، فليس هناك نوع من الرضا
والاستحسان حتى إنه كان يمسك بالقلم ويدلني من بين صور الإسلاميين المرشحين على
الفائزين والراسبين في استحسان ظاهر.
وداعًا إلى حين أيها الحبيب
وقبل أن أودعك إلى حين أيها الأخ الحبيب أحتسبك لله الذي اجتباك إليه وأنت
في شوق إلى لقائه، راجيًا من فضله الواسع ألا يحرمنا أجرك وألا يفتنا بعدك، وأن
يتقبلك وولديك الشهيدين معك في عليين، قبل ذلك لا مناص من كلمة نصح إلى قادة
الدعوة الإسلامية ونحن راضون بقدر الله. إن لزومهم الحذر بالحرص على توفير الحد
الأدنى الضروري من شروط التأمين هو من قدر الله أيضًا؛ ذلك أن بني صهيون وحلفاءهم
الإمبرياليين والشيوعيين وعملاءهم المحليين قد حولوا -وكذلك يفعلون- العالم ساحة
مرعبة تستحي منها الوحوش في الأدغال.
إلى أحفاد فرعون والنمرود والصليبيين وقتلة الأنبياء لم يترددوا أن أعياهم
أمركم وهم يتشدقون بالحرية وحقوق الإنسان وينددون بالإرهاب في انتهاج طريق
التصفية والاغتيال، وكذلك يفعلون.. والشيخ عزام شاهد.. ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: 71). والآن ونحن نودعك إلى حيث أيها الأخ الحبيب لا نملك
إلا أن نترحم عليك مهنئين.. هنيئًا لك الشهادة.. فلقد لقيت ربك في ساحة الجهاد.. لقد
صدقت ربك فصدقك، أما نحن إخوانك فقد خلفت في قلوبنا حسرة ولوعة وشوقًا لا يخفف من
لوعتنا غير ثقة لنا في الله عظيمة أنك عنده أسعد منا في هذه الدار الفانية وسط كيد
الكفر والنفاق، وغير أمل عظيم في فضله أن تلحق في الفردوس الأعلى شهداء منصورين،
وأن يكلأنا بمدد منه لا ينضب حتى لا نهون بعدك ولا نحزن ولا نتخاذل ولا نتفرق.. بل
نسير في الطريق اللاهب الذي سلكت على درب قوافل الأنبياء والشهداء.. ونواصل
ونتواصى بنصرة القضية التي فنيت من أجلها.. نصرة الإسلام في أفغانستان وفلسطين.. قضية
الإسلام والسلام في كل مكان حتى يسلم المجرمون والطغاة بحقوق المقهورين المظلومين،
والخشية ألا يفعلوا ذلك حتى تتحول الأرض كلها أفغانستان.. والأرض كلها فلسطين.
طبت حيًّا وميتًا، طابت أرض عليها مشيت.. وطابت أرحام فيها نبتّ.. طابت
منابر طالما هزتها أشواقك العارمة، وطاب صحب ائتمنتهم على كتاب الله وتراث
المرسلين.. طابت مدرسة مباركة للدعوة عرفت فيها محبة الله ومحبة الحياة وفن الموت..
فنثرت آثارها في كل مكان جهادًا وعملًا صالحًا وشفقة على المعذبين في الأرض، وطاب
كل من عرفك فأحبك وتشرب من نبع إيمانك الرقراق.
وعهدًا ألا نترك الراية التي رفعت تسقط على الأرض، وأن نبذل أقصى الوسع
مجتمعين علَّنا نسد الثغور التي كنت فيها كائنًا.. فأنت والله أمة وجيش وإمام
وعاصفة.. لقد خلفت عبدالله وراءك رجالًا ومآثر.. فطب نفسًا، فوالله لن ينعم بعدك
بمقتلك شيوعي لئيم عميل، وصهيوني حقود في أرض الإسلام.. ستكون دماؤك نارًا تلظى
تحرق الظالمين والطواغيت، ونورًا يهدي الحائرين، وأزهارًا تنبت في أفغانستان
وفلسطين وعلى كل ساحة جهاد ضد المستكبرين، تفوح بخيرات الإسلام وبركاته
في العدل والحرية والإيمان والأمان والعفاف والتقى.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين﴾ (الزمر: 73).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل