; قضية الحياة الآخرة | مجلة المجتمع

العنوان قضية الحياة الآخرة

الكاتب الدكتور محمد سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977

مشاهدات 97

نشر في العدد 355

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 21-يونيو-1977

المعاد الجسماني والمتع الحسية.. بين الحقيقة والخيال

جاءت الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات السماوية- فيما أخبرت به من أمور الغيب- بالخبر عن أن الله يبعث من في القبور، ويحييهم جميعًا بعد موتهم، ثم يحشرهم إليه للحساب. ثم يدخل أهل الإيمان والأعمال الصالحة جنة عرضها السماوات والأرض، ويدخل أهل الكفر النار.

وقد كرر القرآن الكريم الإشارة إلى المعاد، وذكر الأدلة عليه، وصرف ذكره تصريفًا، بحيث لا تكاد تخلو منه صفحة من كتاب الله تعالى. 

ولم يكن ذكر المعاد واضحًا في الإنجيل إلا إشارات قليلة، وأما التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب الآن فإنها خالية منه.

لكن القرآن العظيم ومثله السنة الصحيحة، فصل ذلك الأمر تفصيلًا كبيرًا، وأوضحه إيضاحًا جعل له لدى المسلم صورة متكاملة دقيقة لليوم الموعود، بما فيه من الصعق والنفخ والبعث والحشر، والحساب والصراط والميزان والجنة، وما فيها من الحور والولدان والثمار والمطاعم ووسائل المتعة الخالصة من الكدر، الصافية من كل نصب وألم، مع الخلود في جوار الله، والتمتع برضوانه والتنعم برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والأمن من الفناء والنقص والخبث. 

وكذلك فصل شأن النار، وما أعد الله فيها لأهل معصيته والكفر به، من الحريق والأغلال، وطمس الوجوه، والحميم، والزقوم، والمقامع من الحديد، والحطمة، والعمد الممددة، وما تصنعه بهم الزبانية، وكيف يحجبهم الله عنه ويخلدهم في غضبه، ولا ينفعهم أنهم في العذاب مشتركون، وأنه يزحزح منهم عن النار من كان في قلبه مثقال ذرة من خير. 

وقد جعل الإسلام الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان. 

اتجاهات الأمم في فهم نصوص المعاد في الكتب السماوية:

انقسم الناس بالنسبة إلى نصوص المعاد ثلاثة أصناف:

الأول: الملاحدة والدهريون الذين كفروا بذلك كفرًا صريحًا. وقد احتجوا بما يعتقدونه من أن الإنسان ليس إلا مادة وجسمًا لا روح له، فإذا تهيأت له الظروف الحيوية كان حيًّا، وإذا انعدمت بعض الظروف مات، كالشعلة إذا فقدت الأوكسجين فإنها تنطفئ، ثم إذا تفرقت أجزاؤه فإنها لا يمكن أن تعود.

قد ذكر الله شبه هذه الطائفة ورد عليها في مواضع كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس: ٧٨-83) فذكر في هذه الآيات خمسة أدلة كل منها كافٍ في رد هذه الشبهة العمياء. 

الصنف الثاني: قوم قالوا إن الإنسان جسم ونفس. والموت يكون بفراق النفس للبدن.

والإعادة قاصرة على إعادة النفس فقط. أما الجسم فإنه إذا بلي لا يمكن إعادته. واللذات التي في الجنة إنما هي لذات نفسية فقط، من الرضا والمعرفة، ومشاهدة الملكوت بعين البصيرة، والأمن مما كانت النفس تخافه في الدنيا. 

قالوا: وأما الطعام والشراب والجماع والأنهار من اللبن والعسل والظل الممدود والملابس والحلي وسائر المتع المادية والنعيم الجسدي، فهذه لا وجود لها هناك.

وعلى هذا الرأي من حيث الجملة كثير من الفلاسفة كابن سينا وغيره، الذين نشأوا في الأمة الإسلامية، ولكنهم تربوا على فتات موائد الفلسفة اليونانية. والفلسفة اليونانية أحرزت في العلوم المادية قدرًا عظيمًا من التقدم، ولكنها في الأمور الإلهية والغيبية كانت تتخبط في ظلمات الجهل، فصارت إلى تعدد الآلهة، وعبادة الأوثان، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.

وكذلك ذهب إلى هذا الرأي جماعة من الصوفية كابن عربي وغيره. 

قال الفلاسفة: إن كل ما ذكر عن النعيم والعذاب الماديين في الآخرة هو تخييل، أتت به الشريعة لينقاد عوام الناس للشرع رغبة أو رهبة، أما الحكماء والفلاسفة وأهل العقول والبصائر النيرة فيدركون أن وجود النفس في البدن عقوبة لها ونقص فيها (فالسعادة الأخروية هي عند تخلص النفس من البدن وآثار الطبيعة، ناظرًا- نظرًا عقليًّا- إلى ذات من له الملك الأعظم، وإلى الروحانيين الذين يعبدونه. واللذة الجليلة عند ذلك والشقاوة الأخروية عند ضد ذلك) (ابن سینا- رسالة أضحوية في المعاد- ص ۱۱۹). 

ومن هنا كان ابن سينا ومن سار على نهجه «باطنيًّا» يرى أن العوام والأغفال والحشو لهم ظاهر الدين، وقد أنزل إليهم في القرآن من التخيلات ما يناسب طباعهم الغليظة؛ لأجل «ترغيبهم بالبشارة والنذارة. وتصوير السعادة الثوابية بالصورة المفهومة عندهم، المستحسنة لديهم، وهي اللذة والراحة، وتصوير الشقاوة على مقابلة ذلك. وإشباع القول في أسباب اللذة، من حور عين، وولدان مخلدين، وفاكهة مما يشتهون، وكأس من معين ، وجنات تجري من تحتها الأنهار، من لبن وعسل وخمر وماء زلال، وأرائك، وخيام، وما يجري مجرى ذلك» وأن هذا التخييل هو مقتضى الحكمة مع هؤلاء القوم «لأن الشريعة قصدها الجزء العملي من أفعال الإنسان، حتى يفعل الخير مع نفسه وغيره.. فلا بد من تقرير ما أعد للمحسنين والمسيئين من ذلك بصورة يفهمونها ويتخيلونها؛ لأنه إذا لم يمثل لهم الثواب والعقاب الحقيقي البعيد عن الأفهام بما يظهر، لم يرغبوا ولم يرهبوا » «رسالة أضحوية ص ٥٨- ٦٠»، وانظر أيضًا القصة الفلسفية «حي بن يقظان- لابن طفيل». 

وهذه النزعة الباطنية موجودة أيضًا لدى كثير من الصوفية، كابن عربي وشيره. وهم يحاولون التأكيد على هذه النزعة، والتصريح بها أحيانًا، وإخفائها أحيانًا أخرى. لكن نشاطهم في التعبير عنها بمختلف الصور كان عجيبًا.

إلا إننا نشير إلى ما ولّدته هذه النزعة لدى باطنية الفلاسفة وباطنية الصوفية من نفسية التعالي، وأنهم هم الحكماء والخاصة وأهل الدرجات وأهل الحقيقة، وأن ما سواهم ليسوا إلا حشوًا ومحجوبين وأهل الظاهر وأهل الشريعة.

أما الصنف الثالث:

 فهم جمهور المسلمين، وأهل القرآن، وأهل السنن، الذين صدقوا ما جاء عن الله، وعلموا أن ليل الملة كنهارها، وباطنها كظاهرها. وأن ما أخبر الله تعالى به عن المعاد فهو حق لا مرية فيه، وأن عالم الغيب لا يُعرف ما فيه إلا عن طريق الرسل، لأنهم سفراء الله إلى خلقه، بوحيه. وأن ما أخبر به من النعيم والشقاء ليس محالًا، ولا بعيدًا، ولا معجزًا لقدرة الله تعالى، وأن إعادة الإنسان كما بدأه الله بنفسه وجسمه ليس أشق من بدئه. وأن الذي أنعم عليهم بالطيبات في الدنيا لا يعجزه أن يمكنهم من التمتع بمثلها في الآخرة، مع تخليتها من الكدر. وأن هذا هو مقتضى العقل الصحيح الذي آمن بالنقل الصريح. 

هذا مع أنه ينبغي أن يلاحظ أن أهل القرآن والسنة يؤمنون أيضًا بأن في الجنة نعيمًا نفسيًّا عظيمًا، بل النعيم النفسي فيها أعظم من النعيم البدني. وقد قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (التوبة:٧٢ ) ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ  (يونس:٢٦ ) ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ. (القمر:٥٥ ).

ولكن موقع الاختلاف بين الطرفين إنما كان في ما يرجع إلى البدن من الثواب والعقاب.

 سبب انصراف باطنية الفلاسفة والصوفية عن تفهم القرآن والسنن

هذه الفكرة التي طرحها الفلاسفة، من أن القرآن والسنة قررا أمورًا ليس لها حقائق، تخييلًا على الخلق وإيهامًا لهم، بقصد الترغيب والترهيب، صرف أصحاب هذه الفكرة عن تدبر القرآن وتعلم السنن. ذلك أنهم اعتبروا ما فيهما قشورًا لا تعبر عن الحقائق، واعتقدوا أن الكتاب والسنة ما جاءا ليبينا للناس الحق في ما وراء المادة، وإنما جاءا فقط لحمل الناس على طريق الصلاح بخيال لا يصلح لهم غيره. 

وقد جاهد أهل الحق هذه الفكرة الخبيثة، بالأدلة القاطعة، والمقررة في الكتاب والسنة، وممن رد عليها الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة» وابن تيمية في رسالته «التدمرية» وغيرها من رسائله. وأثبتوا زيفها وبطلانها وأن ما دل عليه الكتاب والسنة من أمر المعاد جائز كله عقلًا لا يمتنع.

ولمّا ثبت لنا صدق الرسول، وصدق الكتاب الذي جاء به، وجب الإيمان به والاطمئنان إليه، وإن ما استدل به الفلاسفة على فكرتهم من الأمور العقلية، كله هراء لا يستند إلا على خزعبلات رويت عمّن لا يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يتبع وحيًا إلهيًّا، من فلاسفة اليونان كأرسطو وغيره.

من أجل ذلك فإننا ننصح إخواننا المؤمنين ممن يكتبون في هذه الأمور، أو يطالعون في ما كتبته هاتان الطائفتان أن يكونوا حذرين عندما يمر بهم شيء من هذا الضلال، أو ينقلون إلى الناس شيئًا مما يتشعب منه أو ينبني عليه وأن يتفطنوا إلى مرادهما. وليكن معلومًا أن أمر الغيب خفي لا يمكن للبشر أن يعلموه من ذات أنفسهم ولا بمجرد عقولهم أو شطحاتهم، بل لا بد فيه من الرجوع إلى ما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتفهمه وتدبره وتعقله، ليفهم على الوجه الذي أنزله الله عليه، ليكون للمؤمنين نورًا، وبرهانًا، ونجاة، ورحمة.

﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (المائدة:١٤- ١٥ ) نسأل الله أن يمتعنا بصفاء قلوبنا، والتصديق بآيات ربنا، والاتباع لما جاء به المصطفون الأخيار.

                                                                      د . محمد سليمان الأشقر

الرابط المختصر :