; مآسي الشيوعيين في ألبانيا | مجلة المجتمع

العنوان مآسي الشيوعيين في ألبانيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1976

مشاهدات 188

نشر في العدد 313

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 17-أغسطس-1976

نداء للمسلمين في كل مكان كى يهتموا بأوضاع المسلمين في ألبانيا المسلمة. 

الإرهاب والضغط والظلم سلاح الشيوعيين لإبعاد المسلمين عن دينهم.

إذا كانت هنالك معانٍ كثيرة ومختلفة يوصف بها حالة شعب من الشعوب، لكي تترجم معاني التضحية والصبر، ومعاناة الاضطهاد. وتحمل كل ذلك بنوع كبير من التحدي لكل شيء، فإن شعب ألبانيا المسلم لجدير بأن تطلق عليه تلك المعاني والصفات: 

وهنا نبدأ بنظرة سريعة مختصرة لتاريخ ألبانيا القريب وذلك إلى ما قبل خمسين عامًا. كانت ألبانيا في حوالي العشرينيات من هذا القرن تحكم بواسطة أحمد زوقو حيث كان ملكًا عليها، وكان الشعب في ذلك الوقت يمارس طقوسه الدينية بحرية سواء المسلمون أو المسيحيون، وفي هذا التاريخ بدأت عواصف الشر تهب من بعد، حيث وقعت ألبانيا تحت الحكم الإيطالي في عهد «فكتور امناولي» وانتدب «دوتشه موسيليني» ليحكم ألبانيا. أما الملك أحمد زوقو فقد نقل إلى إيطاليا. 

ثم بدأت الحرب العالمية الثانية وكانت ألبانيا مثل جارتها يوغسلافيا ترزح تحت السيطرة الألمانية، ولأسباب الحرب مع الألمان فقد اندمجتا- كل من يوغسلافيا وألبانيا- تحت قيادة واحدة برئاسة «تيتو» وكان من ضمن القادة البارزين في حرب العصابات كل من «أنور خوجه» و «محمد شيخو» الألبانيين واللذين هما الآن يتسطران الحكم في ألبانيا.. استمر الاتحاد الائتلافي بين يوغسلافيا وألبانيا من عام ١٩٤٤ إلى ١٩٤٨، حيث ظهرت سياسة تيتو المعتدلة مع الشيوعيين، والتي لم تَرُق للقادة الألبانيين فانفصلوا عن يوغسلافيا وتبنوا الحكم الشيوعي الماركسي المتطرف. 

تلك نظرة سريعة، الهدف منها الوصول إلى معرفة الوسائل التي أوصلت الحكم إلى ما هو عليه الآن. 

ألبانيا يبلغ تعداد سكانها المليونين.. نسبة المسلمين 80-90 % وباقي السكان مسيحيون. يتركز السكان المسلمون في وسط ألبانيا. ورغم أن المسلمين نسبتهم كبيرة إلا أنهم يلاقون أشد المصاعب والاضطهاد من عنت الحكم الشيوعي الحاقد. حيث قام الحكام الحاقدون بهدم المساجد ومنع المسلمين من أداء شعائر دينهم، كما أن مواليدهم الجدد لا يتم تسجيلهم وإعطاؤهم الجنسية إلا بأسماء غير إسلامية، وكذلك الموتى لا يتركونهم لأهليهم ليمارسوا عليهم الشعائر الإسلامية، من غسل وكفن وصلاة، كذا لا يدعونهم يدفنونهم في مقابرهم الخاصة بل يجبرونهم بدفنهم في المقابر العامة مع الشيوعيين. أما عند عقد الزواج فيستحيل ذكر الديانة ويتم العقد تحت اسم مواطن ألباني فقط. وبالنسبة للمناهج الدراسية فهي حقلهم الخصب في زرع الإلحاد في نفوس الأطفال الصغار منذ نعومة أظفارهم إلى أن يستوي عودهم، وذلك بمختلف الوسائل التعليمية والإعلامية.. وقد حدثنا أحد أولئك الذين اشتغلوا بمهنة التدريس، حيث يقول إن الوزارة أمرت المدرسين بأن يهتموا بغرس فكرة عدم وجود الله في عقول الأطفال. وقد حدث مرة أن سأل طالب عن الله هل هو موجود؟ فأجاب الأستاذ نعم إن الله موجود. وبسبب هذه الإجابة قضى الأستاذ ستة أشهر في السجن، ثم طرد من مهنة التدريس بتهمة أنه يعلم الأطفال أشياء تضر بمستقبلهم. ويذكر الأستاذ أن الإجابة المتعارف عليها عن الله ورسوله، هي أن الله والعياذ بالله هو «أنور خوجة» ربهم ومالك نعمتهم، وأن «محمد شيخو» رسوله والمتصرف بأمره. 

هذا جزء بسيط، وقطرة من بحر عميق مما يلاقيه المسلمون في ألبانيا المسلمة.

نداء للمسلمين في كل مكان كي يهتموا بأوضاع المسلمين

 في ألبانيا المسلمة 

أيها المسلمون… 

إن الظروف الصعبة التي تعيشها ألبانيا المسلمة تجعلنا نتساءل عما قدم الفكر الشيوعي، وماذا قدمت الاشتراكية المزعومة لألبانيا وأبنائها؟ 

إن المواصلات في ألبانيا لا تزال بدائية جدًّا.. فلا سكك حديدية ولا وسائل نقل عامة ولا طرق ممهدة، وإنك لتسير في قلب مدينة تيران ويخيل إليك أنك تعيش في العصور الوسطى.. فالمباني كئيبة ككآبة أهلها.. لم يقم بناء جديد في ألبانيا منذ مئات السنين.

وإن المرء ليقف مشدوهًا أمام النقلة الكبيرة عندما يقارن ألبانيا والأوضاع فيها بجاراتها.. وبينها وبين يوغسلافيا مثلًا هناك بون شاسع لا يتصور في مظاهر الحياة والتقدم المادي. ولقد كان الوضع بعد الحرب العالمية الثانية متشابهًا في البلدين.. بل ربما كانت ألبانيا أحسن حالًا لأن يوغسلافيا كانت حينذاك ممزقة ومقسمة لما بها من تعدد القوميات واللغات. إلا أنه مع ذلك فقد استطاعت هذه أن تقف على أقدامها في مصافِّ دول أوروبا الغربية-ناهيك عن الشرقية- تقدمًا وتمدينًا. إن الشيوعيين في ألبانيا لم يكن همهم في يوم من الأيام فائدة الشعب الألباني نفسه، بل ظلوا ولا يزالون خدامًا لفكرة غريبة عن أهل بلدهم ودخيلة على نظام حياتهم، فرضت على ألبانيا بلا اعتبار لمصير شعبها أو مصلحته أو حريته. وبذلك ألقي بشعب مسلم مؤمن بالله ورسوله في أحضان الحقد والشر والتكالب والجشع والظلم، دون اعتبار أو تقدير لإنسانية هذا الشعب.. ناهيك عن إسلاميته. إلا أن الشعب الألباني المسلم لم يقبل بديلًا لإسلاميته وحقيقة واقعه مهما طال الأمد وامتدت السنون.

وهكذا كان تاريخ ألبانيا كله صمود وصبر وكفاح. 

لقد اتجهت قيادة الشيوعية في ألبانيا بعد الحرب اتجاهًا كاملًا نحو روسيا ثم اتجهت أخيرًا نحو الصين، وحاول القادة الشيوعيون أن يزرعوا مكان الإيمان كفرًا، ومكان الأخلاق فسادًا ومكان الحق باطلًا.. والسؤال هو: هل نجح الشيوعيون في سلخ ألبانيا عن إسلامها؟ 

إن كل من عرف ألبانيا عن كثب اتضح لديه أن الشيوعية لم تستطع أن تقدم شيئًا بنّاء لهذا البلد على مدى الثلاثين عامًا الماضية.. بل إن الواقع عكس ذلك تمامًا، حيث قوبلت الشيوعية بمقاومة عنيفة صلبة- وان كانت صامتة في أغلب الأحيان- ورفض الشعب أن يتفاعل مع القيادة التي لم تتوانَ في إلقاء ألبانيا في أحضان الشيوعية، وبناء حاجز بين الشعب الألباني ودينه وتقاليده وأخلاقه وشخصيته الإسلامية، وحاولوا أن يُقحموا الشعب على قبول الفكر الشيوعي الدخيل. 

ولكن كيف يمكن لأمة عريقة أن تتخلى عن مكوناتها الفكرية والعقائدية التي لم تعرف غيرها لمدة أكثر من ألف سنة لمجرد أن هناك من يريد أن يغير مجرى تاريخها لمصلحته الذاتية ودون مراعاة لمقومات الأمة وتاريخها وواقعها والروح المحركة فيها وتطلعاتها وأهدافها؟ إلا أنه التعصب الأعمى والحقد الدفين الذي تتظاهر الشيوعية ويتظاهر قادتها بسواه، خاصة أمام قادة الدول المسلمة أو في بلاد المسلمين.

ومن هنا كان الذي لا مناص منه، وجاءت النتيجة الطبيعية- في عرف الشيوعية وتاريخها- ألا وهي الإرهاب المتعمد والمنظم والضغط الذي لا حدود له والقوة الحديدية ووسائل العنف والظلم. 

إن الشعب الألباني شعب رسخت فيه العقيدة الإسلامية وآمن أفراده بالقرآن الكريم وعملوا بما فيه وبنوا أمور حياتهم الدينية والدنيوية على مبادئه.. فمن ذا الذي يستطيع أن يحيل الإيمان كفرًا؟ إنه صراع- هذا الذي تعيشه ألبانيا المسلمة- بين الكفر والإيمان.. وبين الظلم والعدل وبين الباطل والحق.. وعليه كانت نتيجة الجهود الشيوعية هي تأخير تقدم الناس في ألبانيا واستمرار البلد ترفس في أغلال الخمول والظلم وعدم الاستقرار.

لقد عمل الشيوعيون على طمس معالم الإسلام في بلد المليوني مسلم، فمنعوا التعليم الديني وحرقوا المصاحف والكتب الإسلامية وحرموا اقتنائها. لقد أقفلوا المساجد ومنعوا الناس من أداء كافة شعائرهم الدينية، ومنعوا نساء المسلمين من ارتداء الزي الإسلامي- بل ومنعوا الرجال أيضًا- وعملوا على إغرائهم وجذبهم للانفلات و«التحرر» من أصالتهم وأخلاقهم. لقد حققوا بعض ما عملوا عليه ولكن ذلك كله تم بوسائل مختلفة، من عنف وضغوط مادية وإغراءات نفسية ومادية وإرهاب لا يراعي حرمة الإنسان ولا قدره.

لقد عزل الشيوعيون ألبانيا حتى عن جاراتها القريبة.. فليس لها تمثيل دبلوماسي مع معظم دول العالم ولا علاقات تجارية ولا ثقافية.. ولذا فقد انعدم التقدم الحياتي للسكان وحرم الشعب الألباني المسلم أبسط ما يمكن توفره في أي بلد من بلدان العالم الثالث- ناهيك عن بلدان أوروبا- من أدوات وسلع استهلاكية ومعيشية وآلات حديثة. وانقسم الناس إلى طبقتين متميزتين متباعدتين: طبقة المنضمين إلى الحزب الشيوعي القابضين على زمام الحكم ووسائل السلطة، الذين يأمرون فيطاعون وهم المنعمون المترفون الذين تتوفر لهم كافة سبل الراحة والعيش الرغيد.. حيث تتوفر لهم كافة المواد والحاجيات عن طريق التهريب والسوق السوداء من خارج ألبانيا!! وطبقة أخرى يمثلها عامة الناس ممن انطوت بطونهم، وانحنت ظهورهم من القهر والعوز والجوع.

إن الطلاب المسلمين في شرق أوروبا ليرقبون الوضع في حسرة وتألم شديدين، حيث إن الأمور ليست بأيدينا، وما يمكن أن نقدمه أو نقوم به تجاه المسلمين في هذا القسم المنكوب من العالم لا يساوي شيئًا ولا أثر له يذكر...

إلا أننا نرى في الأفق بوادر ولمحات نأمل على أساسها أن تنطلق في هذا البلد المسلم قريبًا إن شاء الله حركة الجهاد والتحرر، تعيد الإسلام إلى أبنائه وتعيد أبناء الإسلام إلى الأمة الاسلامية. 

إن إخوانكم الألبان في داخل ألبانيا وخارجها يشعرون بوطأة الأوضاع، ويعلمون عن يقين أنه قد بلغ السيل الزبى، وأن الشعب لم يعد يحتمل بأي حال من الأحوال أكثر مما عانى واحتمل.

 

وإخوانكم في ألبانيا وخارجها يعلمون أيضًا أن أكاذيب الشيوعية والشيوعيين وأوراقهم قد كشفت، فلم يبقَ هنالك أي مجال لخداع الشعب الألباني المتمسك بعقيدته، ولا خداع الواعين من المسلمين المراقبين لأوضاع إخوانهم في ألبانيا. 

وإننا كطلاب مسلمين في ألبانيا وشرق أوروبا لنشهد الله عز وجل أن الشعب الألباني شعب مسلم بحق، ولا يقل في إيمانه وتمسكه بعقيدته عن أي شعب مسلم آخر ذاق حلاوة الإيمان وعاش في ظل الإسلام. وهذه حقيقة يشعر بها ويقابلها كل من يعايش هذا الشعب ويختلط بأهله ويلمس إيمانهم عن كثب.

وإنه لمن نافلة القول أن نؤكد ما يجب أن يقوم به المسلمون خارج ألبانيا وبالذات في البلاد الإسلامية- وعلى كافة المستويات الدينية والرسمية والحكومية والدبلوماسية والعالمية والشعبية- من جهود لتعريف الناس بأوضاع مسلمي ألبانيا المؤلمة، والعمل على إنقاذهم والدفاع عن حقوقهم وتبني قضيتهم في المحافل المحلية والدولية والخيرية وغيرها.. فلعل الله سبحانه وتعالى أن ييسرهم إلى ذلك، ويجعل تحرر مسلمي ألبانيا على أيديهم و يؤجرهم و يختارهم لهذا العمل الجليل ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (إبراهيم: 20).

وهو المستعان وعليه التكلان وبه نستغيث. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!!

الرابط المختصر :