; مواقف في مواجهة الكوارث | مجلة المجتمع

العنوان مواقف في مواجهة الكوارث

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 19-يناير-2002

مشاهدات 54

نشر في العدد 1485

نشر في الصفحة 49

السبت 19-يناير-2002

 يجب على المخلصين في الأمة الإسلامية ألا ترهبهم الدواهي ولا تخيفهم الكوارث التي تحيط بالأمة، فإنها لولا قوتها وتململها ما تعرضت لمثل ما تتعرض له، ولولا ما فيها من عوامل القوة وإرهاصات النهضة لماتت قبل أن تلفت الأنظار إليها.

ولئن كانت هناك أخطاء وهنات فإن الأمة قادرة على تجاوزها وتخطيها، ونحن لا نشك أبدًا في قدرة الإسلام على بعث الأمة من جديد، ولا نشك أبدًا في أن في الأمة من الرجال والعقول ما تستطيع بهم تعديل مسيرتها وبناء نهضتها وقيادة الأمة إلى الطريق القويم بل إلى قيادة الإنسانية، وسوقها نحو الإيمان بالإسلام المنقذ العظيم لينعم الناس بالعدل الإلهي والسلام العالمي لتعيش الشعوب في خير وسلام وأمن واطمئنان، بدلًا من تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ واسعة واستهلاك خيرات الشعوب وثرواتها واستغلال الدول الصغيرة وجعلها متاعًا هينًا في سوق المتاجرة للقوى القاهرة المتجبرة. 

والأمة الإسلامية تشعر اليوم أفرادًا وشعوبًا بأنها في حاجه ماسة إلى الإسلام، تشتاق إلى نظامه وعدالته وقوته وعزته، لتتخطى به العقبات، وتجتاز به المحن، وترجع إلى دورها الذي حدده القرآن الكريم لها ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ (‏البقرة: 143)، هكذا يحدد الله دور المسلم بصورة عامة، وليس لنا أن نختار لا نفسنا دورًا أشرف أو أفضل منه. 

وإنما نلفت النظر إلى خطورة هذا الدور وإلى مقتضياته، حيث ينبغي لكل مسلم أن يكون مثلًا حيًا لإسلامه، ويقتضي ذلك أن يكون هناك جد وهمة في ذلك، لأنه بقدر هذا التغيير يكون النجاح والتقديم مصداقًا للآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ‏(الرعد: 11)، ولايمكن أن يغير المسلم شيئًا إلا إذا نبع هذا التغيير من نفسه، وكل دارس يعلم مقدار ما في هذه الآية من الصحة العلمية، وأنها تدل على حقيقة ثابتة وقانون إنساني واجتماعي وضعه الله سبحانه في القرآن الكريم كسنة من سننه التي تسير عليها البشرية، فقد تكون الفكرة صالحة وقوية، ولكن إذا لم يعتنقها الإنسان ويؤمن بها ويغير بها ذاته فلا بد أن تفقد صلاحيتها، ألسنا نشعر بأن ديننا - من حيث الصحة والفاعلية – لا يجارى ولا يبارى؟ ولكنه بسبب تقاعسنا وتكاسلنا ونومنا ولهونا فقدت أنفسنا الفاعلية، أین کرامة المسلم؟ أين عزته؟ أین مجده؟ أین علمه؟ أین نزاهته؟ أین بطولته؟ أين شهادة المسلم ولو على نفسه؟ 

المسلم فرط في كل هذا، لأنه لم يغير ما بنفسه، وينتفع برسالته، ولهذا يلزم:

1 – أن يتعرف المسلم دينه جيدًا، وأن يتمثله عملًا لا قولًا، وفعلًا لا نطقًا فقط، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ‏(الصف: 2- 3)، وأن يتعود المسلم وزن أعماله بميزان عقيدته، وبروح رسالته.

2 - أن تسري الروح الإسلامية في جسد الأمة، وأن يخلص الدعاة الدعوة والقدوة والتوجيه والقيادة، وأن ينزلوا الإسلام على الواقع، فما جاء الإسلام إلا لقيادة الواقع

البشري.

3 - العمل على بث روح الجد والمسؤولية ومخايل الريادة، وإخراج الناس من روح الكسل والتواكل والخنوع والاستكانة للظلم واللامبالاة، والتمزق وعدم الإحساس بآلام الآخرين، وإعادة الأخوة الإسلامية، وجمع المسلمين على الأهداف الكبرى للرسالة.

4 - أن توضع خطة شاملة واستراتيجية واضحة لتجنيد الطاقات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لدعم النهضة ومساعدة روادها، ومساندتهم ونصحهم.

5 - كما يجب توجيه الإعلام الإسلامي ودعمه ليساهم في توجيه الأمة ودفعها إلى الاقتداء بسلفها الصالح واستدعاء تاريخها العظيم، بأبطاله وعلمائه ورواده في الصناعة، والتطبيب وعلوم الإنسان وعلوم الكواكب والتاريخ، وسائر الاختراعات في كل فن وعلم، ليرى المسلم سيرة أجداده. 

6 - استدعاء كل الطاقات المبعثرة هنا وهناك وإعطاء كل إنسان منهم دوره اللائق به حتى يستفيد البلد والأمة بجهود أبنائها، كما يجب إقامة الدورات التدريبية والتقنية لتلحق الأمة بركب الأمم، فلا تحرج في كل ناحية من نواحي حياتها المختلفة.

7 - أن يعرف المسلم بإسلامه الصحيح وبنفسه عن طريق عمله بالصورة العظيمة التي تنبذ كل آثار التخلف الفكري والنفسي، وكل قابلية للتبعية والاستعمار.

 وبعد فهذه الأمة رغم ما بها فهي أمة محظوظة، لأن الله حباها الإسلام الذي رفعها وسيظل يرفعها إلى عليين، جاءها الإسلام بذرة طيبة عظيمة، ويوم أن حل بها ودعت كوارثها وبنت أمجادها وهزمت عدوها، فبالإسلام أطاحت بالفرس والروم، وبالإسلام أطاحت بالهجمة التترية الشرسة وردتها على أعقابها، وانتصرت انتصارًا عظيمًا، وبالإسلام هزمت شراذم الصليبيين وغيرهم، وما استعصى على هذه الأمة على امتداد تاريخها منال.

ولو تقدمت الأمة في العلوم الطبيعية والتنكولوجية لكان لها شأن آخر، ولما استطاع الغرب تمريغ كرامتها في الأوحال. 

ولقد نقل عن فيلسوف معاصر أنه خاطب الغرب بقوله: «إنكم تقدرون على أن تطيروا في الهواء كالطيور وتسبحوا في الماء كالسمك، ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون على الأرض كبشر». 

والحقيقة أن البشرية تحتاج إلى الإسلام، ولكن.. هل يتقدم المسلمون برسالتهم كبشر لإنقاذ البشر؟ نسأل الله ذلك.

 

الرابط المختصر :