; رؤية عربية للواقع الكردي | مجلة المجتمع

العنوان رؤية عربية للواقع الكردي

الكاتب سعد أبو مصطفى

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1998

مشاهدات 73

نشر في العدد 1296

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 21-أبريل-1998

خلال لقائي أحد الدعاة قال: يجب على إسلاميي الشعب الكردي أن يفهموا أن قاعدة الشعوب العربية تفهم القضية الكردية على أنها معارك بين دول مسلمة تبتغي نشر العدالة وأكراد متمردين خرجوا على هذه الحكومات بعدها عقب على كلامه وقال: «يجب أن تبينوا ان هذه الدول تهاجمكم باسم الإسلام وحجتهم في هذا أنهم إذا لم يعالجوا الأمور بهذه الطريقة فإن الشعب الكردي سيتمرد وسيحارب الإسلام لغة ومنهجًا».

كذلك التقيت أستاذًا قديرًا وشاعرًا أردنيًا معروفًا وتناولنا الحديث حول القضية فقال لي إنه لا يعرف شيئًا عن الصحوة الإسلامية بصورة واضحة وشاملة في هذه البقعة المنسية وأكمل حديثه، فقط الذي أعرفه فلان وعلان «يقصد جلال الطلباني ومسعود البرزاني».

وفي إحدى الأمسيات كان لنا لقاء مع وزير عربي سابق للتربية والتعليم وحدثني بأنه من خلال متابعته للأخبار وعلى مدى عشر سنوات لم يقع أمامه خبر عن الصحوة الإسلامية بهذا الحجم الذي طرحته في حديثي في هذه البقعة المنسية. 

وفي أحد المؤتمرات الإسلامية العالمية التي حضرها أكثر من ٢٥٠ شخصية إسلامية من أنحاء العالم في إسطنبول وقبل الجلسة الختامية بيومين كان لأحد الإخوة كلمة قصيرة عن مآسي ومعاناة هذا البلد الذي حمل أعباءه على عاتقه فتقدم باتجاه المنصة الكبرى للمؤتمر وأدلى بدلوه، وبعد أن أنهى كلمته كان هناك ضجيج وصباح واستنكار من بعض الحاضرين، ولم نكن ندري ما السبب وافترضنا أن هؤلاء يعترضون على أن الدولة التي استضافت المؤتمر تحكم الشعب الكردي بميثاق من عندها وتنبذ حُكم الله، وأن اعتراضهم على أعداء الإسلام والمسلمين الذين امتصوا خيراتنا وفرقوا أهالينا وأخرجونا من ديارنا وقتلوا أولادنا واستحيوا نسامنا، وأن اعتراضهم على الذين قطعوا الطريق على الإسلام سواء بواسطة القوى العلمانية أو سطوة الأنظمة والجيوش أو تفتيت الإرادة من التغريب والتشريد، ولكن تبين لنا أن الاعتراض كان بسبب أن الأخ المتكلم استخدم أثناء حديثه مصطلح «كردستان» مع أن الأخ ذكرها لتسليط مزيد من الأضواء على مأساة شعب كردستان المسلم، ثم كان بعد ذلك حوار بين المعترضين وآخرين وذكر هؤلاء أن الأخ المتحدث «عربي » عندها سكت هؤلاء.

إن الموقف السابق يعني أن هناك قصورًا في معرفة طبيعة هذا الدين وقصورًا في فقه هذا الدين وعدم علم بأن قضية هذا الشعب جزء لا يتجزأ من جسد الأمة الإسلامية، أما البقية الذين التقيتهم فقد قالوا عن القضية الكردية إنها قضية شائكة ومعقدة وغير واضحة لا يمكن أن نصرف طاقاتنا لهذه القضية التي هي ضحية نفسها، فقلت: أي إجماع هذا، هل هو إجماع جمهور العلماء؟ وجاءني الجواب بأن هذا إجماع من وراء الحجرات.

من خلال لقاءاتي التي أجريتها مع بعض رموز العمل الإسلامي يتجلى واضحًا أن ثمة أسبابًا لجهل واقع الأكراد، فالموقع الذي يعيش فيه الأكراد هو وسط مغلق عن أنظار العالم الخارجي وكأنهم في عزلة كعزلة الرهبان والسبب يعود لهم لا لغيرهم إلى حد ما، أضف إلى ذلك أن الدول «المستكبرة» الحاقدة وزعت هذا الشعب على الدول المجاورة وقسمته على شكل صليب خوفًا من أن تكون للأكراد قوة منيعة وتعاد تجربة صلاح الدين مرة أخرى لتسحق كبرياءهم وتقف أمام أطماعهم الخبيثة ومع هذا فإن الأكراد ظلوا حتى وقت قريب غير قادرين على بلورة إستراتيجية موحدة متناسقة بشأن الأهداف السياسية التي يسعون لتحقيقها وهم ينقسمون إلى عدة جماعات وفصائل عشائرية متنافسة، ويعاني الأكراد من هذه الانقسامات حتى يومنا هذا، الأمر الذي أفقدهم أي فعالية تذكر، وأهدر أي عملية بناء لهذا الشعب المسلم.

ولا يزال الأكراد يولون زمام أمورهم لمن جربت عليهم الخيانة والغش والخديعة والأنانية ونسوا سريعًا ما لاقوه على أيدي هؤلاء من الخسائر والنكبات، ولقد عملت الأحداث الرئيسة في المنطقة على مدى العقود القليلة الماضية على تغذية الشعور بالاختلاف لدى الأكراد وشجعت على اندلاع الصراع فقامت ثورات كردية في تركيا بين عام ١٩٢٦م إلى عام ۱۹۳۲م في «أغري وزيلان» حيث رفعت الشعارات القومية وبعد الحرب العالمية الثانية وبتشجيع من السوفييت قام الأكراد بتأسيس جمهورية مهاباد الكردية في شمال إيران ومع هذا لم يكتب لها النجاح وباختصار نقول إنه منذ الحرب العالمية الأولى وإلى يومنا هذا فإن عملية المد والجزر للنزعة الانفصالية لدى الأكراد العلمانيين ظلت طوال الوقت محكومة بردود فعلهم وتناحرهم واللجوء إلى رفع السلاح بدعم من قوى خارجية لا لمحارية مضطهدي شعبهم ولا لمحاربة الأطماع الأجنبية والجيوش المنهشة في لحومهم ولكن مع الأسف المحاربة بعضهم البعض، وقد نسي الأكراد أنهم استخدموا من قبل الأجنبي كأدوات ضد الأنظمة القائمة ثم تخلى الأجنبي عنهم تاركًا إياهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم عند تغير الظروف السياسية ويبدو أن الأكراد يدركون تمامًا الطبيعة المصلحية للدعم الخارجي، ولكن من الواضح أن خيبة أملهم دفعت بهم إلى القبول بأي دعم أجنبي لتحسين موقفهم إلى أقصى حد ممكن ويعتبر ذلك سياسة انتهازية تقوم على انتهاز أي فرصة خصوصًا في ظل غياب أي احتمال للتوصل إلى تسوية مرضية على المدى البعيد.

بعض المحللين السياسيين قالوا لي بصراحة أي كتابة عن الأكراد لا ترضي الدول فإما أن تنحاز لطرف ما أو تسكت، وقال أحدهم الخطأ عندكم فأنتم تحسنون الظن بالآخرين وعندما ترون الواقع تصطدمون به.

وقال آخر: إن عنوان القضية الكردية محير. من الداخل يقال بأنها قضية داخلية ومن الخارج يقال بأنها قضية قومية فقط ولا يتكلم أحد عن مجد الإسلام الذي ضحى في سبيله أجدادهم وهناك سبب نضيفه هو الغياب الواضح في الوسائل الإعلامية للقضية الكردية، والإسلام كما تعلمون يعانق الحضارة النافعة، ويؤاخي المدنية الراشدة، ويواكب التطور المفيد، ولا شك في أن الوسائل الإعلامية المتنوعة هي ثمرات هذه الحضارة التي أبدعها عقل الإنسان والإسلام يقف منها موقف الموجه الراشد والمصلح المتبصر الواعي، وهذا عامل مهم ومؤثر في جهل الأمة الإسلامية بواقع الأكراد.

سعد أبو مصطفى «كردي»

إسطنبول - تركيا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟