العنوان البطولات الدولية: لعب بالعقول.. والمشاعر والأموال- كأس العالم.. كيف يهدر القيم النبيلة؟
الكاتب وسام فؤاد
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1506
نشر في الصفحة 28
السبت 22-يونيو-2002
كلما بدأ كأس العالم.. بدأت مجموعة من التساؤلات، تطن بالأذن الواعية حول مدى مشروعية ما يحدث في مثل هذه المسابقة وأخواتها من المسابقات الاحترافية، هل يمكن فعلًا أن تكون مثل هذه الأوضاع المرتبطة بكأس العالم مباحة شرعًا؟ أم على الأقل تشوبها الكراهة؟ ولماذا؟ وإذا كانت غير محرمة بنص الشرع.. فكيف يمكن أن ننظر لها في الوقت الذي نراها فيه تدهس قيمًا من أغلى القيم وأنبلها وأهمها؟
كأس العالم والمنظومة الحضارية الغربية
واضح أن الكثيرين من الناس في العالم.. ومنهم المسلمون– منبهرون بظاهرة كأس العالم وبنمط الترويج والدعاية المرتبط بها، وكذلك بما لها شعبية، لكن البعض ومن بينهم الفقير إلى كاتب هذه السطور لا يرى فيها إلا ظاهرة من جملة الظواهر الغربية، التي تشكل إحدى لبنات العولمة، وتقع بكاملها خارج المنظومة الإسلامية السمحة للحياة، كيف ذلك؟
الرياضة.. من وسيلة إلى غاية
كانت الرياضة قديمًا وسيلة لتهذيب الجسد – وترويضه، وتقوية المجتمع وصيانته وحفظ الشباب، وكفه عن التردي في مهاوي النزق والطيش، وكان هدفها صحة الجسم وشغل الفراغ بما هو مفيد، فإذا بظاهرة كأس العالم وأمثالها تحيد بالرياضة عن أسمى أهدافها، لتستبدل بها أهدافًا وضيعة، وشيئا فشيئًا تنحت الرياضة عن رتبة الوسيلة لتصير غاية في ذاتها، ولتصبح مهنة وحرفة من لا حرفة له.
كيف نهدر قيم العمل والإنتاج؟
ليت الرياضة صارت مهنة وحسب، بل – صارت أرقى المهن! فاللاعبون تصل مرتباتهم السنوية إلى أكثر من ٥٠ مليون دولار، بينما الأطباء في المستشفيات، والمهندسون في كافة التخصصات والمفكرون، والباحثون وحماة القانون والقضاة وغيرهم، قد لا يصل مرتبهم السنوي إلى ١% من هذا المرتب الذي يتقاضاه من يلقبون بأغلى لاعبي الكرة في العالم.
إن مثل هذه التوجهات تحط من قيمة العمل ومن قيمة الإنتاج، مهما حاول البعض الحديث عن الاقتصادات المرتبطة بهذه الظاهرة وأخواتها.
حجج للدفاع عن المسابقة
البعض يقول: إنهم يعملون وهذه المبالغ نظير عملهم، فأين قيم الإنتاج والإعمار؟ ألا يستحق العالم الذي يخترع دواء يشفي ملايين المرضى في العالم أن يتم تقدير مرتبه بمثل هذه القيمة؟
والبعض يقول: إن هناك وفرة في العمال والعلماء والأطباء والمهندسين، وثمة ندرة في اللاعبين، وهذا ما يجعل اللاعب أغلى ونحن نسألهم بدورنا هل قانون الندرة يجعلنا نرى رياضيًا –ربما كان جاهلًا علميًا– يفوق في مستواه المادي آلاف العلماء وملايين العمال؟
والبعض يقول: إنه يتم استغلال لمعانهم الإعلامي في الإعلانات، ونحن نتساءل لماذا تنفق تلك الأموال على الإعلانات؟ أليس الأولى خفض الأسعار بدلًا من دفع تكلفة لا داعي لها اقتصاديًا؟
الدعاية لأي منتج مفهومة، ولكن بهذه الأرقام الهائلة، هل هذا جائز؟ أنا لست أهلًا للإفتاء، ولكن لو استفتيت قلبي، لأفتاني بعدم سلامة هذا الأمر.
والبعض يقول: إن صناعة الترفيه والتسلية صناعة يشتغل بها الملايين ومن الضروري وجود من يرفه عن الناس.
ونحن نؤكد أن كل النشاط الاقتصادي السليم لا يشترط فيه أن يكون إنتاج سلعة، أو دواء، أو منزل، أو أية مادة ملموسة، بل يمكن أن يكون الإنتاج خدمة مثل الطب والصيدلة، والعلاج النفسي، والاستشارات التربوية، وغيرها. ولكن هناك خدمات غير مرغوب فيها وبعضها محرم، أليس البغاء من الخدمات الترفيهية في الغرب وتمنح السلطات تراخيص لممارسته؟ فهل البغاء والزنى مقابل المال مباح!
إن مثال البغاء هذا يحتاج بعض التوضيح حول السبب الذي دعانا للحديث عنه في المقام، إن عدم مشروعية البغاء مرده حفظ قيم عظيمة في حياتنا، مثل قيم الأسرة والقدوة والإخلاص والصحة والعفة، ومنع الإنسان من أن يتردى وينحط إلى الدرك الذي تنحط إليه البهيمة من هيمنة شهوتها عليها، ولكن أليست قيمة العمل المنتج من القيم العامة؟ كما هي قيمة الأسرة وغيرها من القيم الفاضلة؟
كتبت مرة عن ظاهرة العنف في السينما المستوردة، وشبهت أفلام العنف الخالص، اعتمادًا على الرياضات الآسيوية القديمة، بأنها لا تختلف كثيرًا عن أفلام العهر والزنى، فمحتوى هذين النوعين من الأفلام هو ذلك الإنسان «رجل أو امرأة»، يستخدم إمكاناته الجسدية: القوة عند الرجل والفتنة عند المرأة، لتحقيق هدف شهواني شهوة الغضب أو شهوة الجنس، فهل يمكن وفق تلك المعايير أن نسحب الحكم نفسه والتشبيه نفسه على احتراف الكرة مع الفارق؟
وقد يرى البعض أني أمهد لقياس حرمة احتراف الكرة على حرمة البغاء وهذا أمر أنكره جزئيًا، ولكن ما أؤكده هو رفضي لتمييز لاعب كرة ماهر وإن كان جاهلًا، على عالم أفنى عمره لإسعاد أهل وطنه، وربما إسعاد كل سكان العالم.
الاحتراف وحرمان العامة من الرياضة
إن احتراف القلة لهذه الرياضة جذب رؤوس الأموال إلى درجة صارت فيها الرياضة تتميز بكونها اهتمامًا بقلة من اللاعبين، بينما الأصل في الرياضة إتاحتها للجميع.
فماذا تفعل دولة لديها ۱۰۰ لاعب محترف تنفق عليهم مئات الملايين وهناك عشرات الملايين من مواطني هذه الدولة معتلو الصحة؟
فقدانهم للاهتمام الرياضي، بعضهم يعاني السمنة، والبعض يعاني النحافة، والبعض يعاني التشوهات في الهيكل العظمي، وذلك لأنهم لا يجدون تيسيرات ممارسة الرياضة.
إن تحول الرياضة هنا من مفهومها العام المرتبط بتوفيرها للجميع سعيًا نحو أمة سليمة البنيان موفورة الصحة، مرتبط إلى حد كبير بذلك التحول الذي صارت فيه الكرة من وسيلة إلى غاية وبين المفهومين نوع من الارتباط العضوي فعندما تنظر إلى الكرة كوسيلة، ستنظر إلى الأهداف المرتبطة بتحقيقها عبر تلك الوسيلة، ومن هنا سيكون العموم بانتظار توزيع الموارد التغطية. قطاعات الأمة المحتاجة للرياضة، بدءً بالشباب لأنهم المنوط بهم حمل هموم الأمة وأمالها والأمها، وهم الأولى بالإعداد، ثم تأتي بعد ذلك مراتب الرياضة الاستشفائية، ثم الرياضة الضرورية، ثم الرياضة الترفيهية.
أما النظر إلى الرياضة والكرة كغاية، فقد جعل منظور تحديد الأهداف متعلقًا بالفوز الدولي على خصوم آخرين، وما يرتبط بذلك أحيانًا في بعض الدول، من رغبة النظم الحاكمة في توجيه أنظار شعوبها نحو قضايا هشة وهامشية.
وتحديد هدف الرياضة بمجرد تحقيق رتبة في التصنيف العالمي، يرتبط أيضا بما يمكن أن نسميه صباغة الغرب لأولوياتنا، فهم الذين يصوغون أحلام دولة ما لتندفع في اتجاه لا يخدم سلم أولوياتها التنموية، بحيث يصبح أقصى طموح الدول النامية تحقيق فوز رياضي دولي يسهم في تخفيف الاحتقان الداخلي للشعوب، بالرغم من أن الإنفاق على مثل هذه الأنشطة قد يكون من الإنفاق العام المطلوب تقليصه، وفق مطالب صندوق النقد الدولي، لكن هذه الدول تتجه لرفع الدعم عن المحتاجين ثم تنفق الملايين لتمويل اشتراك فريقها في البطولة تلو الأخرى.
الجوع حول العالم ورواتب بالملايين.
وبينما ينفق على كأس العالم لكرة القدم ما يصل إلى بضعة مليارات تحوزها دول غنية قادرة على تنظيم هذه البطولة، ويحوزها لاعبون معدودون هناك ۱۰۰۰ طفل يموتون يوميًا في العالم بسبب الجوع.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن هناك نحو ١٥٠٠ مليون نسمة يناضلون من أجل البقاء على قيد الحياة بأقل من دولار واحد يوميا، فمعظم من يعانون من الجوع في العالم يعتبرون أيضًا من بين أولئك الذين يعانون الفقر المطلق، وحتى كوريا الشمالية جارة كوريا الجنوبية إحدى الدولتين المنظمتين لمسابقة كأس العالم تعاني من مجاعة حصدت قرابة ۲٫٥ مليون نسمة في الفترة بين عامي ۱۹۹٥ و۲۰۰۱م.
والمؤسف أننا نسمع هذه المآسي المفجعة في الوقت الذي نسمع فيه عن اعتراف هافيلانج البرازيلي، الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم أمام جماعة من رجال الأعمال في نيويورك سنة ١٩٩٤م، ولأول مرة يمكنني أن أؤكد أن الحركة المالية لكرة القدم في العالم تصل إلى ٢٢٥ ألف مليون دولار، وتباهى بمقارنة هذه الثروة بمبلغ الـ١٣٦ ألف مليون دولار الذي حققته شركة جنرال موتورز في العام نفسه، لاحظ معي أن هذه الأرقام بأسعار عام ١٩٩٤م، وهو ما يعني أنها قد تصل في كأس العالم هذا إلى قرابة نصف تريليون دولار، ما هذه الأرقام الهائلة؟ وما وقعها على الدول التي تعاني المجاعات؟ وما هذا العالم الذي بات لا يعترف بالإنسان؟
كأس العالم جزء من التركيبة الغربية التي تتسم بالعنصرية والأنانية الغربية، ولو أطلقت لقلمي العنان لضاق المقام عن سرد مساوئ هذه الظاهرة، من تحفيز للثقافة الاستهلاكية، وثقافة الإعلان واستخدام الرموز الغربية في الأنماط قيم وحياة المجتمع الغربي الذي يحتضن ظاهرة الكرة الأوروبية التي تستعمرنا، بدلًا من السلاح والجندي الأوروبيين، ولتحدث هذه البطولة لمبدأ الدول القطرية القومية الصغيرة وتكريسها لواقع التجزئة والثغرات في الوقت الذي يحثنا فيه ديننا على الوحدة، حتى إنك ترى بعض الشعوب العربية تكره شعوبًا عربية أخرى لأنها حرمتها من التأهل لكأس العالم، وحدث عن أكثر من ذلك ولا حرج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل