العنوان التزوير والطوفان!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005
مشاهدات 50
نشر في العدد 1666
نشر في الصفحة 47
السبت 27-أغسطس-2005
المستأسدون على الشعوب، والمستأثرون بعسيلتها، لا يتنازلون عن مغانمهم أو حتى بعضها لأي إنسان، وإنما يطلبون المزيد، ومن يدور في فلكهم لا بد أن يكون ثعلبًا منافقًا، أو كلبًا موافقًا ومن ظن غير ذلك يكون «أحمق من حالب التيس». لأن هؤلاء أحرص من كلب على جيفة، لا يتركون وراءهم بابًا لإصلاح إلا أغلقوه ولا فرصة لعدل وإنصاف إلا أهدروها.
وفي الأمثال: «زعموا أن أسدًا وثعلبًا وذئبًا اصطحبوا، فخرجوا يتصيدون، فصادوا حمارًا وحشيًا، وظبيًا وأرنبًا، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا صيدنا، فقال: الأمر أبين من ذلك الحمار لك والأرنب للثعلب والظبي لي، فخبطه الأسد فأطاح برأسه، ثم أقبل على الثعلب وقال: قاتله الله ما أجهله بالقسمة، هات أنت يا أبا الحصين، فقال الثعلب يا أبا الحارث الأمر أوضح من ذلك، فالحمار لغدائك والظبي لعشائك، والأرنب فيما بين ذلك، فقال له الأسد: قاتلك الله ما أقضاك من علمك هذه القضية؟ قال: رأس الذئب الطائح عن جثته».
فالعجب إذن ممن يتصور أنه يمكن أن ينتهب الحكم من حاكم يملك كل شيء في الدولة، ويحكم نظامه العسكري قرابة نصف قرن، ويسيطر على الجيش والشرطة والاستخبارات، وعلى الحزب الذي يملك الدولة ويتمتع بالفوز بنسبة ١٠٠% في المحليات ومجلسي الشعب والشورى، وكل شيء بداية من الخفير والعمدة، إلى الوزير والسلطة، كما يعين الأحزاب، ويوافق على المرشحين، يصرح لمن يشاء ويرفض من يشاء.
وإذا أردنا أن نستعمل عقلنا لبعض الوقت، ونتصور الحقائق المجردة للنجاح والرسوب والفوز والخسران في المعركة الرئاسية، فعلينا النظر من ناحيتين:
أولاهما: الاستقراء التاريخي: نجد أنه ما من دكتاتور استمر في حكم شعبه إلا أتى على بنيان أمته من القواعد، وورثها الذل والهوان حتى جاء أجله إما بثورة أو بملك الموت، وكان يوم القضاء عليه يومًا مجيدًا «يتخذه الشعب عيدًا ونصرًا مبينًا»، فهل يعقل -من كان هذا شعور شعبه- أن ينتخبه مرة أخرى إلا على قاعدة: «القرد قبيح لكنه مليح»؟!
ثانيتهما: مسح الأعمال أو الأفعال المرغبة أو المبغضة: التي يمكن للمراقب أن يتعرف بها على حجم الذين من المتوقع أن يدلوا بأصواتهم لصالحه في الانتخابات القادمة التي لن تكون صناديقها زجاجية فيما أحسب وإليك هذه الشرائح:
1- شرائح الوسط التي عادت للحياة على يد حركة كفاية، وانطلقت من الشارع في مواجهة النظام وليست معه، تمثل فرقًا يسارية، وجماعات من المثقفين والصحفيين والمحامين، وجمهورًا من التيارات السياسية الفاعلة التي لم تنظم بعد ودفعها الظلام والظلم والقهر إلى التنظيم والفاعلية، كالحركة القومية المصرية والوسط الإسلامي والاشتراكيين والثوريين والليبراليين الوطنيين، والعامة من الناس الذين هدهم الفقر والعوز يصوتون لمن؟
2- شرائح الخريجين من الشباب العاطل عن العمل، هذا الجيش الجرار من الخريجين الذي لا يجد عملًا ويمثل زادًا لحركة الرفض والمعارضة خاصة وهو يرى الفساد المالي ويرى الأموال تجري في يد المحاسيب هذا الكم الهائل ينتخب من؟
3- شرائح المثقفين، من الصحفيين، مثلًا الذين أهدرت كرامتهم وانتهكت حرماتهم كل يوم وتعرى النساء، ويضرب الرجال حتى أمام نقابتهم ومن جلاوزة النظام وعصاباته من المسجلين الخطرين الذين يستعملون لضرب الأحرار والمفكرين هؤلاء ينتخبون من؟
4- والمحامون ورجال القانون وأساتذة الجامعات والقضاة الذين عايشوا الغش والظلم يفرض عليهم ويملى على أحكامهم وذممهم، والأطباء والمهندسون، والعلميون والصيادلة، وغيرهم الذين حوصرت أنديتهم ونقاباتهم ووضعت تحت الحراسة واعتقل عدد من قادتهم، هؤلاء وأولئك ينتخبون من؟
5- شرائح العمال الذين طردوا من مصانعهم بفعل الخصخصة، وتركوا منشآتهم بطريقة المعاش المبكر الذي لا يغني ولا يسمن من جوع هؤلاء ينتخبون من؟
6- الأحزاب الورقية التي أذلها الحزب الوطني ومنعها من مزاولة أدنى درجات النشاط، وأعطاها الفتات مقابل خضوعها وبيع كرامتها، حزب الوفد الذي يعبر عن مصالح كبار الملاك وأريد له أن يشطب من الحياة السياسية وله مرشح نعمان جمعة الرئيس الحالي للحزب، وأيمن نور الذي انشق عن حزب الوفد وأسس حزب الغد، ويمثلان اليمين، هل يعقل أن يصوتا لغير مرشحيهما؟
وحزب التجمع الذي اتخذ قراره بمقاطعة الانتخابات ترشيحًا وتصويتًا وفرق اليسار الأخرى التي تقف ضد السلطة، هل ستعطي صوتها؟ لا أظن والحالة على ما هي عليه من انسداد حزبي وسياسي.
7- واليمين الديني الذي دخلت فصائل منه ذات تأثير في صدام مسلح مع نظام مبارك ودفعت الثمن باهظًا، وما زالت السلطة تعتقل منهم أكثر من ٢٠ ألفًا.. موزعين على سجون مصر، ونالهم من التعذيب ما نالهم، فهل من الممكن أن يعطوا أصواتهم لمن نكل بهم ولاحقهم بالقتل في كل مكان؟!
8- الإخوان المسلمون بما لهم من ثقل جماهيري وحشد للقوى الفاعلة في الأمة، وقدرة على المناورة السياسية النظيفة والمحترمة والعاقلة وموقف النظام منهم واستخدامهم فزاعة، يبيعها ويسوقها ويخيف بها هنا وهناك في الغرب خاصة أوروبا وأمريكا وعاملهم على مدار عقود بالاستئصال والمنع والمحاكم العسكرية، ولم يخل منهم في زمان ولا مكان سجين أو معتقل، رغم صبرهم واحتسابهم وحرصهم على استقرار بلدهم، هل ممكن أن يصوتوا للظلم والبغي والبهتان؟ أبدًا لا وألف لا، إذًا لم يبق غير التزوير وساعتها سيكون الطوفان، الذي ستفر أمامه الجرذان ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل