; جار الله الجار الله في حديث عن ذكريات وبطولات المقاومة | مجلة المجتمع

العنوان جار الله الجار الله في حديث عن ذكريات وبطولات المقاومة

الكاتب عبد الرزاق شمس الدين

تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992

مشاهدات 61

نشر في العدد 990

نشر في الصفحة 12

الأحد 23-فبراير-1992

تلتقي المجتمع مع إحدى الشخصيات الوطنية الإسلامية التي برزت أثناء الاحتلال العراقي البربري الغاشم للكويت وكان لها دور الريادة والقيادة في إدارة شؤون منطقتي ضاحية عبدالله السالم والمنصورية (التي سميت أثناء الاحتلال بحي البصرة والمنصورية) وكان لها دور بارز في قيادة العمل الوطني السري في ظل المخابرات العراقية بتشكيل اللجان وعلى سبيل المثال لجنة الأموال ولجنة التموين ولجنة النظافة.. وكانت لها القيادة بجناحيها المدني والعسكري.. ومواقفها التي لا ينساها أهل الكويت بالسعي والإفراج عن كثير من المعتقلين والمعتقلات الأبرياء في مراكز المخابرات المختلفة.

وكان العمل في مثل هذه الظروف العصيبة محفوفًا بالمخاطر وكان السيف مصلتًا إذا مال يمينًا جرح وإذا مال شمالًا قتل!

مما أدى إلى استجوابه مرات عديدة بقصد معرفة الدوافع التي تحركه بهذه الروح العالية.. والتحقق من مصادر الأموال والمواد التموينية وعلاقة الجمعيات التعاونية برجال المقاومة الكويتية.

* المواطن الكويتي فيه خصال الشجاعة والنخوة وأثبت أنه يستطيع أن يعيش ويتكيف في أصعب الظروف!

المجتمع: كيف تصرفتم وتحركتم في اليوم الأول يوم الخميس الأسود عندما علمتم بالخبر المشؤوم؟

أبو حسن: الإنسان المؤمن بالله سبحانه وتعالى يختلف عن الآخرين الخاوية صدورهم من الإيمان.. شعرت في اللحظات الأولى بأن المصيبة كبيرة.. والناس بدأوا يفقدون اتزانهم من حجم الكارثة وهول المفاجأة ولا ننسى أسراب الطائرات الغادرة فوق أسطح المنازل نشاهدها لأول مرة في حياتنا.. بعد ذلك عندما سمعنا أذان الظهر، ولأول مرة في حياتي أقف في مساجد المنطقة أهدئ النفوس المضطربة المفزوعة وأن الله سبحانه وتعالى لن يتركنا وحدنا ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:47) وبعد ذلك بدأت بتشكيل اللجان في منطقة عبدالله السالم ومنطقة المنصورية والتي أسميناها «لجان التكافل».

وبعد الانتهاء من تشكيل اللجان وأسماء المتطوعين بدأنا بتوزيع الأدوار والمهمات عليهم وجعلنا على كل لجنة رئيسًا علاقته المباشرة معي كرئيس للجمعيتين، وشكلنا مجلسًا سريًّا أسميناه مجلس المنطقة يتكون من ٦ أشخاص يديرون شؤون المنطقة وظل هذا المجلس سريًّا إلى يوم التحرير.

المجتمع: هل كنت تشعر فعلًا بأن الله سبحانه وتعالى كان معنا في محنتنا أثناء الاحتلال العراقي الغاشم؟

أبو حسن: بفضل الله سبحانه وتعالى لم تنقطع صلتنا برب العزة والجلال بل تقربنا إليه أكثر وأكثر بالقيام والصيام والدعاء الذي لم ينقطع طوال الفترة في الركوع والسجود.. وهناك موقفان دللا على رعاية الله لنا حدثا لي مع الاستخبارات العراقية.. الموقف الأول مع مسؤول في ديوان رئاسة الجمهورية.. حيث زارني في الجمعية لمراقبة بعض الأمور المالية والتدقيق فأحسنت استقباله وفي هذه اللحظة جاءني أحد المواطنين من أهل الكويت في المنطقة لأمر مهم وعاجل فاستأذنت وتركته مع مسؤول الأسواق.

ولكن فوجئت بعد 3 أسابيع من الإخوة أعضاء الاتحاد أنه رفع تقريرًا إلى ديوان الرئاسة يقول فيه: «إن فلانًا قد عاملني معاملة اليهودي المحتل لبلاده! وشعرت بالمهانة من سوء استقباله وتصرفه» وفي نهاية التقرير يطالب بعقوبة الإعدام لي أمام الجمعية لأكون عبرة للآخرين! ومن حسن الحظ ومكرمة من الله سبحانه وتعالى أن هذا التقرير وقع في يد أحد المسؤولين العراقيين الكبار في اتحاد الجمعيات التعاونية دون ذكر اسمه حفاظًا على سلامته وقد قدمت لهذا الشخص خدمات جليلة قبل هذه الحادثة بأيام معدودة.. فرفض رفع هذا التقرير وقام بتمزيقه! وهذه إحدى مكرمات الله سبحانه وتعالى.

الحادثة الثانية: تقرير آخر سُرِّب إليَّ من قبل أحد أفراد الشرطة العراقيين بأنني رمز من رموز المقاومة المدنية غير المسلحة والتوصية بتشديد الرقابة على تحركاتي للتعرف على من هو ورائي والخلايا التي تكون تحت رئاستي! وبعد فترة تراجعوا عن القبض عليَّ والسبب أنه في حالة القبض عليَّ سيفقدون كثيرًا من الامتيازات التي كنت أمنحها لهم من هدايا وأجهزة...إلخ، فرأوا من مصلحتهم أن يتركوني ولا يلقوا القبض علي.. والتساؤل من كان وراء ذلك؟!

* نصحني الإخوة بالمغادرة بعد ملاحقة الاستخبارات فقلت: الأعمار بيد الله ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا!

المجتمع: نمى إلى علمنا أن مدير أمن المخابرات العراقية قد وجه إليك إنذارًا بالحد من نشاطك وتحركك وأطلق عليك لقب «محامي الشعب الكويتي».. ما هي صحة هذه المعلومة؟ نرجو التعليق.

أبو حسن: الحقيقة إن هذا الإنذار قد حصل فعلًا نتيجة لتحركي المكثف بين المخافر ومراكز الاعتقالات للمساعدة والإفراج عن أبناء وبنات الكويت الأبرياء بكل الوسائل الممكنة والمتاحة بين يدي في ذلك الوقت.

وبالمناسبة على سبيل المثال كنا في حالة البحث عن الأخ الفاضل جاسم الغانم.. فقد أبلغ رئيس المخابرات العقيد عجيل عجيل التكريتي الإخوة في لجنة الاتحاد.. هل الأخ أبو حسن هو مختار المنطقة أو محامي الشعب الكويتي؟! فجاءني الإخوة مسرعين ينصحونني بمغادرة البلاد فورًا.

المجتمع: وهل غادرت الكويت؟!

أبو حسن: بعد الاستخارة فكرت جيدًا بالآية الكريمة ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة:51) وأن مغادرة الوطن صعبة على النفس جدًّا، وفعلًا الوطن غاٍل وعزيز وشعرت بتعلق كثير من الناس وارتباط مصالحهم معي وسأترك في غيابي ثغرة كبيرة وخللًا فتراجعت وتوكلت على الله الذي عينه لا تنام والأعمار بيد الله.

* مسؤول الاستخبارات كان يقول: هل أبو حسن محامي الشعب الكويتي أو مختار المنطقة؟!

المجتمع: كيف كان تعامل الجمعيات التعاونية أثناء فترة الاحتلال الغاشم مع التجار في تزويدهم بالسلع والمواد الغذائية؟

أبو حسن: للأمانة يوجد صنفان من التجار.. فمنهم من فتح مخازنه للجمعيات التعاونية ليس حبًّا في تموين الشعب الكويتي في ضائقته التي أصابته بل كان خوفًا على بضاعته من السرقة والتلف والضياع من قبل العراقيين! وفي هذه اللحظات العسيرة كانوا يطالبوننا بالتسديد بالدينار الكويتي.. رغم الظروف الصعبة التي كنا نمر بها! أما الشريحة الثانية من التجار كانت عكس ذلك تمامًا.. وقد وفرت كل ما لديها وطالبت بتسديد المبالغ بعد التحرير.

المجتمع: هل كانت هناك علاقة بينكم وبين المقاومة الكويتية؟

أبو حسن: كانت علاقة تنسيقية مع العسكريين حيث كنا نرصد تحركات العراقيين في المنطقة وتوزيع أماكنهم وقطاعاتهم العسكرية وعددهم مع القطاعات الأخرى من الجيش الشعبي والشرطة والمخابرات والأمن والقوات الخاصة.. وفي تنفيذ إحدى العمليات كانت الخطة لتفجير سيارة مفخخة خلف مخفر عبدالله السالم.. وقد كان في داخل المخفر ما لا يقل عن ٣٠٠ ضابط وجندي واستخبارات من العراقيين، ولكن لم تنفذ العملية لسببين: الأول أن المردود على أهل المنطقة سيكون انتقاميًّا بربريًّا ووحشيًّا، والثاني أن أحد أفراد المجموعة قد تم إلقاء القبض عليه بتهمة أخرى غير هذه التهمة، فقررنا التوقف عن العمليات العسكرية في داخل المناطق حفاظًا على سلامة الأهالي والمواطنين.

المجتمع: هل كان لكم اتصال مستمر مع الحكومة في الخارج؟

أبو حسن: نعم كنا على اتصال دائم ومستمر مع الحكومة.. وكانت التعليمات تأتي بتسهيل المهمات للمواطنين وحساب الدينار الكويتي بالدينار العراقي.. والإيعاز لبعض التجار بالتسهيل والتنسيق مع الجمعيات التعاونية وتقديم الأموال النقدية مقابل وصولات بذلك.

المجتمع: كيف قمتم بتخزين المواد الغذائية أيام الاحتلال؟

أبو حسن: وزعنا المواد التموينية مجانًا لمدة 5 شهور قادمة بجميع الأصناف بحيث تكون لدى المواطن ولا يضطر المواطن لتغيير هويته أو جنسيته في سبيل الحصول على المواد الغذائية.. فهذه بالحقيقة أربكت وحيرت المندوبين في وزارة التجارة العراقيين عندما فتحوا مراكزهم لصرف البطاقات التموينية ولم يتقدم أي كويتي لهذه المراكز.. فكان هذا نوعًا من أنواع العصيان المدني.. وقد قيلت عبارة أبلغناها العراقيين: إن الشعب الكويتي لديه الاستعداد أن يموت جوعًا ولا يطلب الحاجة من المحتلين!

* قلنا للعراقيين إن الشعب الكويتي لديه الاستعداد أن يموت جوعًا ولن يطلب الحاجة من المحتلين.

المجتمع: هل هناك موقف تأثرت به أثناء الاحتلال؟

أبو حسن: المواقف كثيرة وعديدة لا مجال لحصرها.. بينت صلابة الإنسان الكويتي وحبه لوطنه وقيادته.. وبينت حسن إدارته لبلده في أصعب وأسوأ الظروف وهو يعلم علم اليقين أن ما أقدم عليه ستكون نهايته هو الإعدام والموت على أيدي العتاة المجرمين.. وبينت الأزمة تلاحم وترابط الكويتيين وكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا وكانوا كالجسد الواحد في تلك المحنة حتى فرج الله عنهم كربتهم.

وهناك موقف وهو في يوم 2/ 9/ 1990 أيام الاحتلال، كنا منتصف الليل ونحن نكبر فوق أسطح المنازل بوقت واحد وبصوت واحد وفي جميع أنحاء الكويت هرع الجنود العراقيون من مضاجعهم خوفًا ورعبًا من هذه الصيحات الإيمانية وصاروا يطلقون النار عشوائيًّا في جميع الاتجاهات!

المجتمع: هل الدينار المضروب أثر على وضعكم المالي؟

أبو حسن: الجمعيات التعاونية كانت أثناء الاحتلال حكومة مصغرة فقدمت جميع الخدمات التي كانت تقدمها الحكومة أثناء وجودها.. فلهذا كانت هي أكثر المتضررين بالدينار العراقي والدينار المضروب.. ونحن في انتظار التعويضات كجهة وكجمعية قامت بدور متميز حتى يوم الهجوم البري فاضطررنا للتوقف بعد الاعتقالات العشوائية من المنازل والمساجد.

المجتمع: بدأ الحديث عن الانتخابات والاستعدادات لانتخابات مجلس الأمة، فما هي توقعاتك للمرحلة القادمة للانتخابات التي تأتي بعد تحرير الكويت وكل أنظار العالم تترقب هذا الحدث الكبير؟

أبو حسن: أتوقع للانتخابات القادمة أنها سوف تفرز وجوهًا جديدة صادقة مع الله ورسوله كما صدقت في أصعب ميدان.. ولن يلتفت المواطن إلى أصحاب الشعارات الرنانة في وقت الرخاء أما في وقت الشدة والمحنة فقد أداروا لنا ظهورهم! فالمواطن أصبح واعيًا ومتفهمًا لكل النوعيات والشرائح.

المجتمع: في الختام هل من كلمة تودون توجيهها عبر مجلة «المجتمع»؟

أبو حسن: لابد من أن نجرد قلوبنا من الحقد والكراهية ونملأها بالمودة والمحبة، ولابد أن نسأل هذا السؤال: لماذا سخر لنا الله سبحانه وتعالى هذا العالم؟ وأقول دائمًا وأردد هذه العبارة لإخواني وأخواتي في الخارج أو الداخل: الخارج معذور والمرابط مأجور وتمنياتي القلبية لأسرة مجلة «المجتمع» بالاستمرارية والتقدم لتكملة المسيرة الإعلامية الإسلامية الصادقة.. ولا ننسى دائمًا دعاء سهام الليل لأسرانا المفقودين.

المجتمع: نشكر الأستاذ جار الله الجار الله على هذا اللقاء ونتمنى أن نلتقي معك في مرات قادمة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل