; ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا | مجلة المجتمع

العنوان ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا

الكاتب الدكتور جاسم البحوه

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-1991

مشاهدات 74

نشر في العدد 978

نشر في الصفحة 43

الأحد 01-ديسمبر-1991

أهمية العمل التطوعي للتبرع بالدم

لقد كان للعمل التطوعي للشعب الكويتي المعطاء دور بارز خلال فترة الاحتلال العراقي الغاشم. وقد برز العمل التطوعي للكويتيين في مجالات كثيرة، ولكن في مجال التطوع بالدم في فترة الأزمة وما بعد التحرير لم يكن كما يجب أن يكون. إن التطوع بالدم يحتاج إلى الاستمرارية والديمومة، حيث إن الاحتياج للدم لإنقاذ حياة مريض أو جريح مستمر في جميع الأحيان، ولكنه يكون أكثر إلحاحًا في وقت تكثر فيه حوادث انفجار الألغام والقنابل وحوادث الطرق وغيرها.

في هذه الأيام، تعاني المستشفيات من صعوبة توفير الدم أو مشتقاته للمحتاجين من المرضى لإجراء العمليات الجراحية أو مرضى فقر الدم والنزيف، وغير ذلك من الأمراض التي تستدعي نقل دم أو صفائح أو بلازما. وازدادت هذه الأزمة حدة بعد أن بدأ بنك الدم المركزي إيقاف المقابل المادي الذي كان يُعطى للمتبرع، وكان يبلغ 10 دنانير، وأيضًا بسبب أن عددًا كبيرًا من المتبرعين المسجلين لدى بنك الدم قد غادروا البلاد نهائيًا. وقد قررت إدارة بنك الدم المركزي تشجيع التبرع التطوعي، حيث إنه النظام المتبع في بنوك الدم العالمية، خاصة في البلدان المتقدمة.

 

دوافع التبرع بالدم

كان يؤخذ على بنك الدم المركزي في الكويت هذا المأخذ، وهو التبرع بالمقابل الذي يعتمد على جلب الأشخاص ذوي الحاجة وربما بعض النوعيات منهم ممن لديهم احتمال نقل الأمراض الفيروسية مثل التهاب الكبد الفيروسي. ما الذي يجعل المواطن والمقيم في الكويت يحجم عن التبرع بالدم، بل البعض يتخوف من إعطاء الدم؟ بينما نجد الشخص الغربي يُقدم على التبرع بدون مقابل فقط من أجل خدمة الآخرين؟ هل السبب هو مفاهيم خاطئة عن أضرار متوهمة قد تنجم من التبرع بالدم؟

كان أحد الأخصائيين في نقل الدم في أحد أكبر مراكز خدمات نقل الدم في بريطانيا والذي يخدم جنوب شرق أسكتلندا، كان هذا الأخصائي لديه عدد من الرجال المتطوعين ذوي فصيلة ريسيس سالب (Rhesus Negative) يحقنهم بكريات دم حمراء من فصيلة ريسيس موجب (A - D - Positive)، ثم بعد بضعة أسابيع يقوم بفصل لتر من البلازما من كل منهم بواسطة جهاز فاصل الخلايا من أجل استخلاص المضاد الذي تكوّن في أجسامهم وهو (Anti - D)، ثم ترسل هذه الكميات من البلازما إلى مركز تصنيع مشتقات الدم في أدنبرا لتصنيع هذا المضاد الذي يستخدم لحماية الأمهات اللواتي يكون بينهن وبين أزواجهن عدم توافق في عامل ريسيس، وقد يتكون لدى الحامل مضاد يكسر كريات الدم الحمراء للجنين، فيُستخدم هذا المضاد لوقاية الأم الحامل من التحسس الناتج عن امتزاج كريات حمراء من الجنين "موجب" بكريات حمراء من الأم عبر المشيمة.

سألت هذا الاستشاري: ما هو الدافع الذي يدفع هؤلاء الرجال للقيام بهذا العمل الذي يتعرضون فيه للحقن بكريات حمراء مخزنة بالتجميد ثم تُذاب قبل الحقن، ثم يأتون في زيارة تالية لكي يوصل أحدهم بجهاز فاصل الخلايا قرابة الساعة لفصل البلازما؟ فقال لي: "إنهم يقومون بذلك العمل بدون مقابل، بل من أجل خدمة الآخرين حيث إن هذا المستخلص قد ينقذ طفلًا من الموت."

يتبرع الشخص بالدم وكل ما يحصل هو الشكر والتقدير من الطبيب وكوب من الشاي بالحليب أو عصير برتقال بعد أن ينتهي من إعطاء الدم. وتنشأ علاقة طيبة بين الطبيب الذي يشرف على تنظيم التبرع والمتبرعين ويقوم الطبيب بإرسال رسائل شخصية لهم مذكرًا إياهم بمواعيد معينة للحضور للتبرع أو إرسال رسائل شكر من مدير المركز. ويكون هناك تنافس شريف في أكبر عدد من البلازما تبرع فيها الشخص، فيحصل صاحب أكبر عدد من التبرع على هدية رمزية وكتاب شكر وشهادة تذكارية يقدمها له محافظ البلدة في حفلة تقام للمتبرعين.

وقد قرأت في إحدى المجلات العلمية التي تصدرها الجمعية العالمية لنقل الدم مقالة تقول: "لا شيء يمنع الذي في الستين من العمر ويتمتع بصحة جيدة أن يتبرع بالدم." وتقوم المجلة بحملة لذلك الغرض عن طريق الملصقات وغيرها.

 

مفاهيم خاطئة حول التبرع بالدم

ولكيلا يكون هناك بعض المفاهيم الخاطئة في مسألة التبرع بالدم، أود إيضاح بعض الأمور: يستطيع الشخص التبرع بكيس من الدم وهو مقدار تقريبًا 450 سم3 كل ثلاثة أشهر بشرط أن يكون ليس لديه فقر دم، أي أن الهيموجلوبين 13 جرامًا للرجل و12 جرامًا للمرأة. ولا يؤخذ الدم من الشاب الأقل من 18 سنة ولا من الأكثر من 66 سنة. أما التبرع بالبلازما فيمكن تعويض الكمية المتبرع بها وهي حوالي 500 سم3 (1/2 لتر) خلال أسبوعين، لذلك يمكن أن يتبرع الشخص في فترات متقاربة. وعندما يأتي المتبرع إلى مركز التبرع يقوم الطبيب بفحص ضغط الدم، ولا يصلح مريض ارتفاع ضغط الدم للتبرع بالدم، كما يتم فحص نسبة الهيموجلوبين في فحص سريع يجري في المركز لاستبعاد ذوي النسب المنخفضة.

ويجدر الإشارة إلى أن مدة صلاحية كيس الدم هي 35 يومًا، ولا يكون صالحًا للاستعمال بعدها. أما البلازما المجمدة فيمكن حفظها لمدة طويلة تزيد عن ستة أشهر. وبسبب مدة الصلاحية للدم هذه، ينبغي استمرارية التبرع على مدار السنة، ولا يجدي أن يكون هناك وفرة من المتبرعين خلال بضعة أيام أو أسابيع ثم قلة في المتبرعين في الأيام أو الأسابيع التالية، فالدم الذي يتجمع مما يزيد على الحاجة قد تنتهي صلاحيته فلا يُستعمل، وتكون هناك حاجة مرة أخرى.

نرجو أن يتوفر الوعي الكافي لدى المواطن بأهمية التبرع بالدم وباستمرارية، وأن يدرك معنى شعار بنك الدم المركزي: "كيس دم = حياة"، وأن الدم لا يباع ولا يشترى وإنما يُعطى بدون مقابل من أجل المرضى المحتاجين للدم.

د. بدر البحوة

طبيب أمراض الدم مستشفى الفروانية

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل