العنوان الإسلام والغرب (4 من 5).. الموقف الأمريكي الرسمي
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
مشاهدات 64
نشر في العدد 1175
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
● الغرب ليست له مبادئ وإنما أطماع وأحقاد ومصالح يغطيها بغلاف خداع لتسويقها وتبريرها.
بعيدًا عن الصور التي ترسمها وسائل الإعلام الأمريكية للمسلمين بما يوحي بأنهم متطرفون وإرهابيون، فإن الموقف الرسمي للحكومة الأمريكية يعبر عن حالة نفي لهذه الاتهامات، وقد أكد على ذلك «إجوارد جيرجيان» مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، في 16 أكتوبر 1992م، في كلمته التي ألقاها في نادي الصحافة الأهلية بواشنطن، حيث حدد موقف الولايات المتحدة من موضوع الأصولية وصعود الإسلام السياسي بالقول:
«أولًا: إننا لا نعتبر الإسلام العقيدة الجديدة التي تواجه الغرب أو تهدد السلام العالمي، ذلك رد فعل مبسط جدًّا على واقع معقد من الواضح أن الحملات الصليبية ولت منذ وقت بعيد.
ثانيًّا: في حين أن لا رغبة لدينا في فرض نموذج أمريكي على سائر المجتمعات فإننا نعتبر بقيمنا وتقالدينا الديمقراطية، وسندعم أولئك الذين يسعون في المنطقة إلى زيادة نطاق المشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان الأساسية.
ثالثًا: إنا نبتعد عن أولئك الذين يمارسون الإرهاب ويضطهدون الأقليات، ويدعون إلى عدم التسامح، وينتهكون حقوق الإنسان، أو يسعون إلى تحقيق أهدافهم عن طريق العنف- سواق غلفوا رسالتهم بتعاليم دينية أم لا.
الخداع الأمريكي
وأخيرًا.. إن الذين يسعون إلى توسيع مدى المشاركة السياسية في الشرق الأوسط سيجدوننا مؤيدين لهم كما كنا في أي مكان آخر في العالم، وفي نفس الوقت إننا نحترس من أولئك الذين يودون استخدام العملية السياسية للوصل إلى السلطة كي يعمدوا بعد ذلك إلى القضاء على تلك العملية بالذات من أجل الاحتفاظ بالسلطة والسيطرة السياسية، إننا ندعم مبدأ «صوت واحد لكل شخص»، لا مبدأ «صوت واحد لكل شخص مرة واحدة» ».
وباختصار إن الدين ليس عاملًا مقررًا لطبيعة أو نوعية علاقتنا مع بلدان الشرق الأوسط، خلافًا مع التطرف سواء كان علمانيًّا أو دينيًّا، ومع العنف، والحرمان، وعدم التسامح، والترهيب، والإكراه، والرعب، وهي أمور غالبًا ما ترافقه.
وفي حدث آخر له في فندق ميريديان الدولي في واشنطن بتاريخ 2 يونيو من نفس العام استعرض «إدوارد جيرجيان» علاقات الولايات المتحدة مع بلدان الشرق الأوسط، وأشار أن سياسات بلاده في المنطقة تركز بشكل متزايد على قضايا التغيير والانفتاح والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي، وقال بأن دور الدين قد أصبح أكثر بروزًا ويجري إبداء مزيد من الاهتمام لظاهرة تسمى بأسماء مختلفة مثل: الإسلام السياسي، أو اليقظة الإسلامية، أو الأصولية الإسلامية، وأضاف بأن الشكوك حيال هذا التوكيد المتجدد على الإسلام.. حيث يقول البعض أنه يؤدي إلى توسيع الهوة بين القيم الغربية وقيم العالم الإسلامي، وأنه لمن المهم أن نقوم هذه الظاهرة بعناية، كي لا نقع ضحية مخاوف ليست في محلها أو تصورات مغلوطة.
وانتقد جيجريان في خطابه وسائل الإعلام الغربية من خلال الحديث عن الطريقة التي حاولت فيها مجلة «الإيكونومست» البريطانية وصف الظاهرة الإسلامية في إحدى مقالاتها الرئيسية تحت عنوان «العيش مع الإسلام» إلى جانب صورة رجل يرتدي ملابس تقليدية، ويقف أمام مسجد، وهو يحمل بندقية، وفي الداخل جاء في المقال أن «الإسلام يستأنف مسيرته، وأن عقيدة معايدة للغرب تزداد قوة»، وعلق على ذلك بالقول: «إن حكومة الولايات المتحدة لا تعتبر الإسلام أنه «العقيدة التالية» التي تجابه الغرب أو تهدد السلام العالمي، إن هذا يشكل إفراطًا في تبسيط واقع معقد.
إن الحرب الباردة لا يجري استبدالها بمنافسة جديدة بين الإسلام والغرب، ومن الواضح أن الحملات الصليبية قد انتهت منذ وقت طويل وبالفعل فإن الحركة المسكونية هي الاتجاه المعاصر، والأمريكيون يعترفون بالإسلام على أنه أحد أعظم الأديان في العالم، إذ أن له أتباعه في كل قارة ويؤمن به ملايين المواطنين في الولايات المتحدة، ونحن كغربيين نعترف بالإسلام بصفته قوة حضارية تاريخية من بين الكثير من القوى التي أثرت في ثقافتنا وأغنتها، إن تراث الثقافة الإسلامية هو الذي وصل إلى شبه جزيرة أيبريا في القرن الثامن هو تراث غني بالعلوم والآداب والثقافة، وبالتسامح حيال اليهودية والمسيحية، ويعترف الإسلام بالرموز الرئيسية للتراث اليهودي- المسيحي: إبراهيم وموسى والمسيح.
وفي بلدان في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تشهد جماعات أو حركات تسعى إلى إصلاح مجتمعاتها عن طريق التمسك بالمثل الإسلامية، وهناك تنوع كبير في الطريقة التي يتم فيها الإعراب عن هذه المثل، وإننا لا نرى جهدًا دوليًّا موحدًا أو منسقًا وراء هذه الحركات، ما نراه هو أناس مؤمنون يعيشون في بلدان مختلفة يضعون توكيدًا متجددًا على المبادئ الإسلامية، وحكومات تقبل النشاط السياسي الإسلامي بدرجات متفاوتة، وطرق مختلفة.
الإسلاميون والغرب.. وجهًا لوجه
لا يخفى على أحد أن هناك حالة شك وتوجس قائمة عند طرفي معادلة العلاقة بين الإسلاميين والغرب، حيث إن الإسلاميين لا يصدقون أن الغرب جاد في دعواه لدعم مسيرة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم الإسلامي، كما أن مشاهد هذه الدعاوى في كل من الجزائر وتونس، قد أكدت عدم مصداقية الغرب في أخلاقياته السياسية، حيث أجهضت التجربة الانتخابية للحركة الإسلامية في الجزائر، وقمعت محاولات التعايش السياسي لحركة النهضة في تونس، وأغمض الغرب عينيه، وذهب سمعه، وصدق فيه ما قاله الشاعر:
| لقد أسمعت لو نديت حيًّا | ولكن لا حياة لمن تنادي | |||
حيث بدا أن عيون الغرب لا تبصر من الطيف السياسي إلا ألوانًا معينة، ولا تسمع إلا أنات محددة يرى الإسلاميون أنها- بالقطع- ليست ألوانهم ولا أناتهم.
النفاق الغربي
ولعل فيما قاله الأستاذ راشد الغنوشي بحسرة وألم، إشارات واضحة حول هذه المواقف: «انظر إلى ما تلاقيه الحركة الإسلامية من ألوان عسف وحشى على يد حكومات قهرية، لا تزال مع ذلك- وربما بسبب ذلك- تتلقى الدعم المادي والمعنوي من غرب يدعي أنه كنيسة عالمية للتبشير بالديمقراطية، ألم يمر منذ أيام موكب ميتران في سيارات مكشوفة مع ديكتاتور تونس أمام جماهير حزينة حشدت حشدًا، وعلى جانبي تلك الشوارع تتعالى في مباني وزارة الداخلية- على طول البلاد- صراخات وزفرات المؤمنين تحت سياط وآلات قمع مصنوعة ومملاة ومدعومة من الغرب؟ أو ليس هؤلاء هم حزب الأغلبية الإسلامية في بلادنا؟ إن كثيرًا غيرهم يقبع في السجن ويسام الهوان من طرف حكومات عميلة مدعومة من الغرب بحجج محاربة الأصولية!! أين مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ الغرب ليست له مبادئ، وإنما أطماع، وأحقاد، ومصالح، وهذه لابد لها من غلاف أيديولوجي لتسويقها وتبريرها»(2).
لقد وقف الغرب حائرًا بين ما يؤمن به من ديمقراطية وبين نزعته الاستعمارية المتأصلة، ومركزيته الحضارية، وعدم تعوده على التعامل مع الآخر ما لم يكن تابعًا له، فالغرب لا يبدي تأييدًا لمطالب الشعوب- في العالم الإسلامي- في الديمقراطية وحقوق الإنسان إذا كانت هذه المطالب ستكون عامل نهوض وتماسك وتقدم لهذه الشعوب، وليس عامل تفتيت وتمزيق حيث تتقدم عنده قيمة المصلحة على المبدأ(3).
إن في حلق الإسلاميين غصة من هذا النفاق الغربي، الذي يتلاعب بعواطف الشعوب محاولًا إشباعها بخطابه الإنساني حتى إذا ما تعلقت به ألقى بها إلى كلابه دونما رحمة أو شفقة إن المؤسسة السياسية الغربية تتصرف- غالبًا- كما لو أن البعث الإسلامي يشكل خطرًا عليها يجب احتواؤه مهما كلف الأمر، وهذا واضح تمامًا في رد فعل الغرب على تنامي قوة الإسلاميين في شمال إفريقيا، وفي الجمهوريات الإسلامية التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي سابقًا، وقد أشارت «روبن رايت» إلى هذا بالقول: «إن رسالة واشنطن الحقيقية كانت تظهر أنه بالقدر الذي هم فيه يؤيدون الديمقراطية فهم ضد الإسلام»(4).
إن نظرة الإسلاميين للغرب تنطلق من كونهم أصحاب رسالة عالمية لم تأت للعرب وحدهم- وإن تشرفوا بحملها- وإنما جاءت للعالمين، لذلك فالغرب لهم بمثابة مساحة جغرافية وإنسانية يجب أن تبلغها رسالة السماء، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة.. فهم يتطلعون لهذه المساحات بعقلية استثمارية، وليست استعمارية، عقلية تبادل المصالح والمنافع في آن واحد، فالغرب عنده التكنولوجيا وأسرار التطور، والمسلمون لديهم «نظريات وأخلاقيات» الحفاظ على التوزان الإنساني في إتجاه حماية المنجزات الإنسانية الحضارية وكلاهما مطلوب للآخر ولا غنى له عنه، إن الغرب لديه تطلعات في الثروة العربية- الإسلامية، والإسلاميون يرون أن هذه الثروات مطلوبة لبناء عالمهم الإسلامي، حيث الغرب بيده مفاتيح هذا البناء والتقدم، فإذا تحقق العدل في التبادل المصلحي لكلا الطرفين فليس هناك ما يمنع التطور والتعايش والانفتاح الثقافي والمعرفي بين الشرق والغرب، حيث يرى الإسلاميون بذلك أنهم يقفون على قدم المساواة مع منافسيهم، وأن أنموذجهم في البناء الإنساني متاح للمساحات الجغرافية والإنسانية الأخرى، وأن إمكانيات قيام علاقة جدلية متوزانة أمر لا تلغيه حالة الإستيراد التي تطرحها اليوم- النماذج الغربية، ولعل هذا هو ما يحاول الإسلاميون أن يقولوه بمختلف الوسائل وأساليب التعبير.
لقد حاول الدكتور حسن الترابي الإشارة إلى هذه المفاهيم- في كلمته التي ألقاها أمام إحدى لجان الكونجرس الأمريكي- قائلًا: «إن موقف الإسلاميين ونظرتهم تجاه الغرب ابتداء هي نظرة التحدي الذي يجب الرد عليه، وكذلك باعتباره نموذجًا يمكن تقليده في النواحي التي لا تصادم أصوله الثابتة وهم- أي الإسلاميون- يعتقدون أن كثيرًا من القيم الإيجابية في الإسلام قد تم تطويرها وألقي بها قدمًا إلى الأمام في الغرب، مثال ذلك قيم المشاركة والحكومة الحرة القائمة على الشورى، وقيم كرامة الأفراد، وقيم العمل الحر غير المقيد، وفي هذه الأطر فهم يقاسمون ويشاركون في الغرب في كثير من الأشياء... صحيح أنه ابتداء وبسبب أن الغرب قد نظر إليه باعتباره قوة استعمارية نجحت في إزاحة الشريعة عن الحكم في العالم الإسلامي، فقد صار مركزًا لتحريك الروح الإسلامية، ولكن فيما هم- الإسلاميون- يمضون قدمًا في تطوير مادة تطلعاتهم الدينية، فإنهم ينظرون الآن إلى نماذجهم، وهم مشغولون- في عادتهم- لترقية أمر الإسلام وتطوير مجتمعاتهم نحو نماذجهم المثالية(5).
(2 ) Ibid. See also; Al-Idrissi, Al-Mugri.- Relig- ion and Politics” Al-Raya, 27 june 1992.
(3 ) قراءات سياسية، العدد الثاني «خريف 1992» ص 182.
(4 ) Wright.
(5 ) Al Turabi.