العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1080
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1993
مشاهدات 71
نشر في العدد 1080
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 21-ديسمبر-1993
وقفة تربوية
عندما تتوقف النفحات
جاءتني رسالة من أحد القراء
في الشقيقة السعودية يلاحظ صاحبها على بعض الوقفات هبوطًا في المستوى الذي عهده من
قبل، وكم تأثرت بهذه الرسالة ووقفت مع نفسي أتأمل عظيم خلق الله تعالى، وكيف أن
الخواطر والكتابة سواء كانت مؤلفًا أو مقالات في الصحف اليومية أو الأسبوعية، أو
حتى على شكل خواطر ومحاضرات وخطب تقال للمسلمين، إنما هي رزق من عند الله -تعالى-
يوزعه على من يشاء من عباده، ويمنعه عمن يشاء، وإعطاء هذا الرزق وهذه النفحات
الإيمانية يتناسب تناسبًا طرديًا مع زيادة الإيمان أو نقصانه، فكلما شفت الروح،
وازدادت القربات والمناجاة في جوف الليل، والعيش مع كتاب الله، وكثرة الجلوس في
بيوته، مع المحافظة على الفرائض، وطالت السجدات، وقل الانشغال بزينة الحياة
الدنيا، كلما هبت تلك النفحات على القلب حتى أنها لتتسابق على مداد القلم، بل
وتنهمر عليه كأنها شلال، حتى أن عضلة اليد لتعجز وهي تكتب ولا تنقضي هذه النفحات،
وتضمر تلك القربات، ويزداد الانشغال بزينة الدنيا وتتناقص الخلوات مع كتاب الله،
وفي بيوته، وتضمر معها تلك النفحات، وينضب الخاطر فلا تكاد تحب كلمة تكتبها، أو
عبارة تعلق عليها، أو أثر لموقف مررت به، وهكذا يشعر أصحاب الفراسة بهذا النضوب
المتلائم مع نضوب الروح، ونسأل الله -تعالى- أن يمن علينا من فضله، ويغيثنا من
نفحاته، إنه هو السميع العليم. أبو بلال
همسة في أذن المربي
أخي المربي في معمعة العمل
الإسلامي في حقل الدعوة إلى الله وفي زحمة المشاغل، لا بد لنا من همسة لك -أخي
الداعية- في الأذن تسمعها، ولكن هدفها أن تصل إلى القلب بإذن الله تعالى: وذكر فإن
الذكرى تنفع المؤمنين، فاصغ إلى هذه الهمسات: 1 – أخلص تخلص: ليبارك الله في عملك،
ويثقل في ميزانك، وينجيك من كربات الدنيا، فلا يأخذك العجب ولا الغرور، ولكن كن
عبدًا لله إن تكلم فبالله، وإن تحرك فلله، وكما قيل من سلمت له من عمره لحظة واحدة
خالصة لوجه الله نجاه. 2- إنها الأمانة: اعلم أيها المربي أن بين يديك مسؤولية
عظيمة سوف تحاسب عليها؛ فاتق الله -تعالى- وتذكر قوله -سبحانه-: ﴿وَقِفُوهُمْ
إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (سورة الصافات: 24-25) وليكن
شعورك مع تلامذتك كشعور قدوتك محمد -صلى الله عليه وسلم- عندما وصف نفسه فقال:
إنما أنا لكم مثل الوالد لولده. 3- «لا تكن فظًا تكن محبوبًا»: فلا يكون قلبك
قاسيًا على إخوانك من زحمة العمل، وأطب الكلام، واخفض لهم جناح الرحمة، وعاملهم
بالتي هي أحسن، فقد قال -سبحانه- ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك. 4-
المسجد هو النواة: لا تنس أيها المربي مع غمرة هذا العمل التربوي أو السياسي أو
الاجتماعي أن يلهيك عن الاهتمام بنفسك إيمانيًا، فارجع إلى الأصل في ذلك، وهو
المسجد فمنه بدأت الدولة الإسلامية، ومنه انطلق أفضل المربين وقدوة العالمين محمد
الأمين -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، فاحرص على الارتباط بالمسجد وحلقات الذكر،
فهي ميراث الأنبياء، قال -تعالى-: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (سورة
النور: 36). هذه يا أخي المربي مجرد ذكرى لعلك -يا أخي- بهذه الهمسات أن تكون من
الدعاة المخلصين المتحملين للمسؤولية، العاملين في صفوف الدعاة، المجاهدين لترفع
للخير راية.
الوفاء: روت عائشة
-رضي الله عنها-: أن صديقة لخديجة -رضي الله عنها- دخلت على النبي -صلى الله عليه
وسلم- بعد وفاتها، فهش لها، وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت قال: إنها كانت تأتينا
أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان. وهذا حمزة عم النبي -صلى الله عليه وسلم-،
ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- والمقاتلة لإعلاء الدين حتى استشهدوا، وهذا عثمان بن عفان
وطلحة -رضي الله عنهما- كانا ينتظران الشهادة حبًا في الوفاء، وحرصًا على ما
عاهدوا الله عليه؛ حتى نزل فيهما قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ
وَمَنْ هُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب: 23).
وهكذا نرى أن الوفاء من الأخلاق الحميدة التي يجب على كل مسلم التحلي بها دون
استثناء، ولا ننسى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة التي يجب أن يقتدي
بها المسلمون، وقد حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أكثر من حديث على دعوة
المسلمين إلى التحلي بالأخلاق الحميدة، مثل: الوفاء بالعهد، وصدق الوعد.
الشتاء ربيع المؤمن
روى الإمام أحمد من حديث أبي
سعيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الشتاء ربيع المؤمن»،
وأخرجه البيهقي وغيره، وزاد فيه: «طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه». بعد صيف
قاسي الحرارة، شديد على الأبدان والأرواح، وبعد صعوبة في أداء النوافل والعبادات،
ليل قصير لا يسعف الكثير من الاستيقاظ لصلاة الفجر، فضلًا عن قيام الليل إلا من
رحم الله، ونهار طويل يجعلك تفكر مرارًا وتكرارًا في مدى استطاعتك في صوم التطوع.
بعد هذه الحياة الصعبة على الجوانب الإيمانية في النفس الإنسانية وقد سكب المطر
قطرات الماء على أغصان الأشجار حتى تعود ندية طرية، طلعتها بهية كما تسكب معها
قطرات روحانية ربانية على القلوب القاسية، عسى أن تلين وتعود إلى ربوع الإيمان
الصادق لدى الإنسان.
الصيام والقيام في الشتاء
وفي المسند والترمذي عن النبي
-صلى الله عليه وسلم- قال: الصيام في الشتاء غنيمة المؤمن الباردة، وكان أبو هريرة
-رضي الله عنه يقول-: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة قالوا: بلى فيقول الصيام في
الشتاء، ومعنى كونها غنيمة باردة أنها غنيمة حصلت بغير قتال، ولا تعب ولا مشقة،
فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوًا صفوًا بغير تكلفة، فيمكن أن تأخذ النفس حظها من
النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده فيجتمع له نومه المحتاج
إليه، مع إدراك ورده من القرآن فيكتمل له مصلحة دينه وراحة بدنه.
كيف كان يستقبل الصالحون الشتاء؟
لقد كان اشتياق ابن مسعود
للشتاء كبيرًا، وهو يقول: «مرحبًا بالشتاء تتنزل فيه البركة ويطول فيه الليل
ليقام، ويقصر فيه النهار ليصام». وعن الحسن قال: نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل
يقومه، ونهاره قصير يصومه. وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: «يا أهل
القرآن: طال ليلكم لقراءتكم فاقرءوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا». وروي أن معاذ
بن جبل رضي الله عنه بكى عند موته وقال: «إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل
الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر».
قيام الليل
ما أجملها من لحظات تلك التي
يعيشها المؤمن في محرابه في جوف الليل يناجي فيها ربه، ويسأله من خير الدنيا
والآخرة، والناس في نوم عميق، إنها والله لحظات عظيمة وثقيلة في ميزان المؤمن يوم
القيامة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو
الْأَلْبَابِ﴾ (سورة الزمر: 9). وحين سئل الحسن ما لنا نرى النور يشع من وجوه
الصالحين فقال: لأنهم خلوا بربهم في جوف الليل، فوهبهم الله من نوره، ويصف لنا ابن
رباح قيام الليل فيقول: هو محياة للبدن، ونور في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في
البصر والأعضاء كلها، وإن الرجل إذا قام الليل أصبح فرحًا مسرورًا، وإذا نام عن
حزبه أصبح حزينًا مكسور القلب، كأنه قد فقد شيئًا، وقد فقد أعظم الأمور نفعًا.
صلاة الفجر في الشتاء
لعل أزمة صلاة الفجر لا يكاد
ينجو منها إنسان إلا من رحمه الله، ونرى انحسار الأعداد المتواجدة في المساجد في
تقدم، وها هو الشتاء جاء لينهي هذه الأزمة، فليل الشتاء طويل، يستطيع الإنسان أن
يأخذ حظه منه، ويرتاح ثم يستيقظ لأداء صلاة الفجر في المسجد في جماعة دون مشقة
وعناء، إذا ما التزم بآداب النوم، واستعان بالله وعقد النية والعزم على أن يستيقظ
لصلاة الفجر؛ لينال بذلك بشائر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول: «من صلى
الصبح في جماعة فهو في ذمة الله» رواه مسلم. «من صلى الفجر في جماعة فكأنما صلى
الليل كله» رواه مسلم. «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم
القيامة» رواه مسلم. «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» متفق
عليه. هذه البشائر الربانية وغيرها كثير لمن حاز الجائزة، ونال الهدية في حصوله
على صلاة الفجر في جماعة، فالشتاء يعينك أيها المؤمن الصادق على علاج مشكلة
الاستيقاظ لصلاة الفجر وأدائها في جماعة، فلا تفوت الفرصة قال -تعالى-: ﴿مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (سورة فصلت: 46).
وقفة تفكر
إن الذكي والحاذق حقًا من
يحسن التعامل مع الظروف المحيطة به، ويقتنص الفرص السانحة حتى يزيد من رصيد حسناته
وباقياته الصالحات: قال -تعالى-: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا
وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (سورة الكهف: 46)، والمؤمن متى تغلغل في نفسه الإيمان وحب
الجنة، وأن الجنة لا ينالها إلا العاملون المخلصون تراه عند ذلك يتسابق إلى ميادين
الطاعات وبساتين الصالحات، يرتع في أرضها، ويتناول من ثمارها، ويتذوق من حلاوتها،
إن الإنسان يعيش في زمن القسوة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، كل شيء من حولنا
لا يزيدنا إلا قسوة وجفافًا، وها هو ميدان جديد وباب جديد من أبواب الخير يفتح لنا
لنزداد من خيراته، وننهل من بركاته، الشتاء زاد للمسير، ومحطة للانطلاقة من جديد،
وميدان الطاعات الحافل، وطريق إلى جنة الله، قال -تعالى-: ﴿وَنُودُوا أَنْ
تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف:
43) والحمد لله رب العالمين.
ظاهرة العنف عند بعض الجماعات الإسلامية
أدار الندوة: عبد الحميد
البلالي
استخدام القوة في تغيير
المنكر، أو تغيير واقع ما ليست صفة لصيقة بالحركة الإسلامية، فجميع الأحزاب
العلمانية مارست ولا زالت تمارس العنف في تغيير الأنظمة التي تتصارع معها، في سبيل
الاستيلاء على مقاليد الحكم في مكان ما، ويندر وجود نظام عربي أو إسلامي لم يأت عن
طريق الدبابة والمدفع والدماء، واستخدام القوة في تغيير المنكر، أو الدفاع عن
النفس عنف مشروع في الشريعة الإسلامية، والأولى تسميته «جهادًا»، أما استخدامه في
تغيير الآراء والقناعات في القضايا التي يسوغ فيها الخلاف أو استخدامه مع من
يماثله في التوجه، ويخالفه بالانتماء، أو استخدامه مع الحكومات الحالية التي
تحكمنا كمنهج لتغيير الواقع- فهذا هو اللون الذي نطرحه للحوار في هذه الحلقات
النقاشية، والتي يشاركنا فيها كل من الدكتور عيسى زكي الخبير في الموسوعة الفقهية
في وزارة الأوقاف، والدكتور وائل الحساوي رئيس تحرير مجلة الفرقان الإسلامية،
والأخ الفاضل خالد العدوة النائب الإسلامي في مجلس الأمة، والأستاذ محمد الراشد
كاتب وصحفي إسلامي، وكانت المحاور التي دار حولها النقاش كما يلي: المحور الأول:
تعريف العنف. المحور الثاني: أين يظهر العنف والأسباب الموجبة له؟ المحور الثالث:
علاقة العنف بالحركة الإسلامية. المحور الرابع: ما هي المبررات الشرعية التي يستند
إليها القائمون بالعنف؟ المحور الخامس: ما هو السبيل للتخلص من هذه الظاهرة.
المجتمع: ظاهرة العنف
في الحركة الإسلامية ظاهرة تعتبر جديدة على الحركة الإسلامية المعاصرة؛ حيث إن
شرارتها قد انطلقت بمقتل السادات، ثم نمت وتعددت مصادرها، وامتدت إلى أقطار أخرى
عربية غير مصر، وآخرها ما يحدث في الجزائر وأفغانستان، بالإضافة إلى ما يحدث في
مصر، ونحن لا نشك أن امتداد هذه الظاهرة سوف يؤثر إما سلبًا أو إيجابًا بحسب رأي
الأخ المحاور، والسؤال الذي نحب طرحه قبل الاسترسال في بسط النقاش في هذا الموضوع
الحساس، هو تعريف العنف بالمفهوم العام.
الدكتور عيسى زكي: لا أظن بأن
المقصود من السؤال هو تعريفه شرعًا واصطلاحًا، إنما أظن أن المقصود من السؤال هو
الفهم الشائع لمن يستخدم هذا المصطلح، وعليه فإن معناه استعمال القوة في تغيير
منكر قائم، هذا العنف بالإضافة للعنصر المادي المستخدم وهو اليد أو الآلة
المستخدمة، فإنه يتناسب ويتصاحب مع عنف فكري، والذي نسميه أحيانًا بالتطرف، أو
نسميه غلوًا أو تشددًا، والملاحظ في هذا أن كلتا الظاهرتين تترتب إحداهما على
الأخرى، بمعنى أنه إذا وجد تطرف مادي أو ما نسميه العنف، فلا بد أن يتصاحب مع تطرف
فكري أو غلو في طرحه الفكري.
خالد العدوة: بداية نستطيع
أن نقول بأن العنف هو ما عرفه العلماء بأنه ضد الرفق، وهو استخدام القوة والشدة،
والمراد به استخدام هذه القوة لفرض الأفكار السياسية التي يؤمن بها من يستخدم
العنف، ومرادفاته اليوم ما يطرح من أنه هو الإرهاب أو التطرف، وأظن أن هذا العنف
هو أسلوب سياسي معروف وقديم ومنتشر اليوم بين الأحزاب السياسية الأجنبية وغيرها،
ولكن الذي أحب أن أشير له أنه ليس كل عنف مذمومًا؛ حيث إنه قد يستخدم لرفع عنف
مضاد، وتتعمد وسائل الإعلام خلط الأوراق، ومحاولة طمس الحقائق، فلا نفرق إطلاقًا
بين من ألجئ للعنف ليرفع مظلمة وقعت عليه وبين غيره، وهذا العنف لا يقع إلا إذا
غابت وسائل التعبير عن الآراء، والتي يجب أن تكون حقًا مشروعًا للجميع.
د. وائل الحساوي: أحب إضافة
نقطة لما تفضل به الدكتور عيسى زكي، وهي أن العنف ليس بالضرورة هو استخدام القوة
لتغيير المنكر، بل قد يكون تغيير أمر حسن بآخر منكر، وهذا ما سوف نتحدث عنه في
المحور الثاني، وهو أين يوجد العنف؟ ونجد أنه يوجد معظمه في غير بلاد المسلمين
كقيام الحركات النازية والفاشية والشيوعية، وكلها حركات قامت وانتشرت بالعنف في
بداية هذا القرن، وكلها قامت على مبادئ عقائدية معينة، أباحت لنفسها الإبادات
الجماعية لمخالفيها بالعقيدة أو الأفكار؛ من أجل ترسيخ عقيدتها وأفكارها، وكذلك
عند الانتهاء من الحرب العالمية الثانية نشأت حركات عنف كثيرة في جميع أنحاء
العالم، ومعظمها في العالم غير الإسلامي، مثل: الخمير الحمر في كمبوديا، والذين
قتلوا أكثر من مليون، والعصابات المرعبة في أفريقيا، وغيرها، وهذا العنف ينشأ من
أفكار منحرفة، ثم تتحول إلى حركات تغيير لترسيخ مبدأ معين، معتمدة على القتل
والإرهاب وغيره.
محمد الراشد: أظن أننا
متفقون على تعريفنا للعنف، ولكن ما أود إضافته أن ظاهرة العنف ما هي إلا ردة فعل
تجاه قضية ما أو حدث ما، وحقيقة الأمر أن العنف في التصور الإسلامي ينقسم إلى
ثلاثة أقسام: الأول: وهو ما يختص في الغلو في التعامل مع بعض النصوص
الشرعية، والذي يتحول بعد الفكرة إلى تجمع يحمل تلك الفكرة، ثم يتحول إلى محضن
لهذه الفكرة، ومن ثم يتحول هذا المحضن إلى قوة. الثاني: هو طريقة الحوار،
أو أسلوب الخطاب غير الحكيم مع الأطراف الأخرى، وهو نوع من أنواع العنف؛ حيث إن
ذلك الفرد يخاطب الآخرين بأسلوب يتسم بالتجريح، وقد يصل إلى درجة التكفير والتفسيق
والتبديع والتضليل، وهو نوع من العنف الناشئ من فهم خاطئ لأحد نصوص الدين. الثالث:
وهو التوسل بالقوة واستخدامها الاستخدام غير الشرعي، أي الذي لم يحث عليه الشرع،
وكل نوع من هذه الأنواع له نظرياته وتطبيقاته الميدانية في الواقع سواء كانت
تاريخية، أو في الواقع المعاصر للحركة الإسلامية. والذي أحب أن أركز عليه في هذه
النقطة ما يلي: أولًا- أن العنف ليس أصيلًا في الحركة الإسلامية إنما هو
شيء طارئ. ثانيًا- أن المصطلحات المستخدمة الآن في تحليل ظاهرة العنف هي
مصطلحات ليست ناشئة من مجتمعنا، كما أنها ليست ناشئة من مفردات الحركة الإسلامية،
إنما هي تعريفات ناشئة من خصوم الحركة الإسلامية، أو أنها من وحي الواقع السياسي
الذي يحيط بنا، مثل ربط العنف بالأصولية، وكلها كما يلاحظ تعريفات سياسية، وتحقق
أهدافًا سياسية، وقد لا تضع معنى العنف في محله الصحيح، فعندما يطلقون مسمى
الإرهاب على بعض الإسلاميين فلماذا لا تطلق نفس التسمية على اليهود عندما يقومون
بقتل الأبرياء في فلسطين، كما لا تطلق هذه التسمية على من يقوم بقتل الأقليات
الإسلامية في كثير من بقاع العالم، وهذا من شأنه أن يجعلنا أكثر انتباهًا في إطار
هذه الظاهرة ونحن ندرسها. ثالثًا- العنف أصبح ظاهرة عالمية، وليس مختصًا
بالحركة الإسلامية فحسب، وهذا لا يجعلنا ننسى أن العنف جزء من تاريخنا الإسلامي؛
حيث إن هناك حركات قامت وانتشرت بواسطة العنف، وتوسلت بالقوة لتغيير واقع وهي
تنقسم إلى قسمين قسم يقره الشرع، وهو ما كان معتمدًا على الكتاب والسنة كالخروج
على الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله، وحتى هذه القضية فيها خلاف بين العلماء
والتفصيل فيها يطول. والقسم الثاني: وهو غير القائم على الكتاب والسنة، والذي فيه
إرعاب للمجتمعات، واستحلال لدمائهم، مثل ظاهرة الخوارج والقرامطة وغيرها، وهي لا
يقرها الدين أبدًا. رابعًا- إن قضية العنف التي نحن بصدد الحديث عنها في
حقيقة الأمر لم يتم فيها تحقيق علمي ولا موضوعي بصورة صحيحة، وكثرة إلصاق تهمة
العنف بالحركة الإسلامية جعلها صفة لاصقة للحركة الإسلامية، بينما لو تحقق في هذه
الحوادث نجدها غير ما يعلن عنها.
المجتمع: نستطيع أن
نستخلص تعريفًا للعنف من خلال حوار الإخوة، إنه لا يعني فقط استخدام القوة المادية
في تغيير واقع أو منكر، بل هو يحتمل أيضًا الغلو في فهم نصوص معينة من الشرع،
واستخدام الشدة اللفظية في الإقناع، كما أنها ليست صفة لصيقة بالحركة الإسلامية،
وإنما هي ظاهرة عامة في جميع المجتمعات، وهي موجودة بصورة أوفر في المجتمعات غير
الإسلامية.