العنوان قصة العدد: طاحونَةُ الحيَاة
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1979
مشاهدات 62
نشر في العدد 437
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 20-مارس-1979
على شعاع ساطع من ضوء الفجر الطالع رأى محمود إسماعيل معالم مطار الكويت، بينما كانت الطائرة القادمة من القاهرة تسير الهوينى، وتزحف ببطء نحو مربطها المحدد لها على أرض المطار الفسيح، راح محمود يطل من النافذة، ويطيل النظر إلى المطار الذي يراه لأول مرة، وكان متحفزاً للنزول، منتظراً لحظة وقوف الطائرة، وكان يضع يده على حقيبة صغيرة محشورة بين رجليه.
ما إن وقفت الطائرة تماماً حتى نهض من مكانه، وفرد قامته الطويلة، مستجيباً لشوق زائد يدفعه إلى الهبوط، التفت إلى الركاب فوجدهم جميعاً قد سبقوه إلى الزحام على الباب، وسرعان ما لحق بهم، علق حقيبته الصغيرة بكتفه، وفي إحدى یدیه برزت أوراق خاصة بالسفر.
دفن جسمه النحيل الطويل بين المسافرين، وصنع له ثغرة نفذ منها إلى السلم، ونزل بسرعة المتزحلق على الجليد، أو كمن يجيد القفز إلى أسفل، وحين لمست قدماه الأرض مسح المطار بنظرة شاملة، ساعده عليها نور شفاف يوشك أن يكشف عن وجه النهار.
من ذلك النور النقي أشرب نفسه كما أشربها من قبل جرعات الأمل المجنح بأحلام المستقبل، لا يوجد في النور ما يصدم البصر، فنظر إلى بعيد، وتقدم بخطوات ثابتة على الأرض الجديدة؛ ليجني ثماراً من شجرة العمل بعد طول انتظار وصبر.
أعجبه أن الإجراءات انتهت بلا عقبات، واندفع يبحث عن حقائبه، ظهرت له بسرعة فقد كانت من النوع الضخم الواضح، وضعهم على عربة تجر باليد، وسار خلفهم متجهاً إلى باب الخروج، ولمح أخاه يلوح له بين الناس، فرفع يده وحركها في الفضاء.
كان اللقاء يدل على ما بين الأخوين من محبة ولهفة، وفرغ من استقبال أخيه ليسلم على زوجة الأخ، ويخبرها أنه زار أهلها قبل السفر، وأنه يحمل إليها كثيراً من رسائلهم وهداياهم.
فأمها لا تنساها أبداً، ثم سأل عن الأولاد، فقالت زوجة الأخ إنهم ينامون في تلك الساعة من النهار.
عند وصوله إلى البيت صاح بصوته الخشن في حجرة الأولاد، فاستيقظوا وقفزوا إلى ظهره وصدره، وعبروا بطريقتهم الصبيانية عن الترحيب والحب للعم محمود.
وعلى مائدة الفطور المدعمة بطبق الفول الذي يشتهیه محمود، قال أخوه:
- كما ترى، الفول في المقدمة دائماً.
ضحك محمود قائلاً:
- كنت أظن أنكم هنا نسيتم شكله.
قالت زوجة أخيه:
- فول مصنوع في البيت، نضج على مهل.
أدار محمود فمه بأطيب الطعام وأحسنه، وضح أنه يتأكد من طعمه وطريقة طهيه، ثم قال:
- إنه لذيذ حقاً، ولكنه لن يجعلني أنسي أن أسال عن أخبار العمل، هل وجدتم لي عملاً مناسباً هنا؟
نظر إليه الأخ، وقال:
- أزف إليك المفاجأة؛ إنه عمل في شركة كبيرة، وبمرتب قابل للزيادة ما دمت تعمل بجد ونشاط.
أحدق محمود في وجه أخيه، وقال مسروراً:
- أبوك إسماعيل ودعني في المطار، ودعا لي.
وأطرق بعض الوقت مفكراً، ولما رفع وجهه أضاف:
- على فكرة، كل أملي هو أن أعمل، وأشتري سيارة صغيرة تناسبني.
قال الأخ بعد أن صب ماء في فمه:
- كلنا في البداية نقول مثلك.
سيارة صغيرة كفاية، وتكبر السيارة، ولا نقف عند حد.
رد محمود كأنه إنسان زاهد في الدنيا:
- المسألة باختصار: إن لي هدفاً، ألا وهو شراء سيارة، صغيرة أعود بها إلى شوارع القاهرة المزدحمة المتلهفة إلى سيارة أجرة، قال أحد الأولاد برغبة الاشتراك في الحديث:
- هل سأركب فيها يا عمي؟
وضحك الجميع ضحكاً متواصلا كأنهم يهضمون ذلك القول الذي استقر في بطونهم، إلا أن محموداً كان هو الوحيد الذي يضحك، ويفكر في العمل بالشركة، ولذلك قطـع الضحك، وسأل أخاه أن يمده بمعلومات عن طبيعة العمل وعن مناخه، أراد أن يستفيد من تجارب أخيه، وأن يقبل على العمل بسلاح الاستعداد والفهم.
وفي صباح اليوم الثاني استلم محمود عمله في الشركة ذات الشهرة والصيت، وفاض الأجر عليه بالنعمة والخير، وادخر منه ما زاد عن حاجته، ومع ذلك كله فكر في أن يضاعف ساعات العمل.
راوده الأمل المجنح برغبة في الثراء، قفز فوق حصان السبق في ميدان المنافسة والصراع، وجرى به إلى ملعب الذهب والرصيد.
ولوى فمه غاضباً حين قال له أخوه:
- لا أوافق على أن تشتري سيارة فارهة.
صرخ في وجهه بأعلى صوته:
- من حقي أن اشتري ما أشاء، ما دمت أملك الثمن وأكثر.
نسي محمود حكاية السيارة الصغيرة التي كانت حلمه في يوم مضى، رغب في الحياة المترفة المتزغة بكأس من الفضة، امتلأ بحب الدنيا، جذبه بريق اللؤلؤ المعلق بعنق طائر الإغراء المحلق في سماء الفناء.
وتزوج بفتاة جميلة كانت تطفو على سطح تفكيره قبل مجيئه من القاهرة، سافر إليها في
إجازة قصيرة، وصحبها، وعاد بها لتتعلق بذراعه، ويغشى المجتمعات. عاش معها حياة النسيان، كأنه نسي نفسه وأهله، وغاص في نهر عميق، وهبط إلى القاع.
فقد دفعته الزوجة الجديدة الجميلة إلى نوع من العمل الإضافي المؤثر في الصحة حتى يجلب لها المال، ويزين عنقها بالحلي.
وفي لحظة الجاذبية العنيفة التي يعجز فيها الإنسان دخل محمود دائرة الدوران، وجعل يعمل كالحيوان الذي يدور في الطاحونة، وقد وضعت على عينيه غشاوة تحجب عنه رؤية ما حوله، وقـد ربطت في يديه حبال يشدها، ويدور ليتلألأ صدر الزوجة، ولتضحك من غفلته.
ومن عجب أن محموداً كان يتنبه إلى نفسه أحياناً، ويرى صورته الغريبة على مرآة الواقع، وكان يدرك أنه تنكر لمفهومه القديم، ولكنه لا يستطيع أن يقاوم بعد أن ركب حصان السبق، وقطع مسافة بعيدة، وبلغ باب الطاحونة، ودخل يدور وحل نفسه.
كان يفتح عينيه على الحقيقة، ثم يسرع ويغلقها كما كانت، لا يتمنى أن يكون بصيراً؛ إنه أعمى باعتراف منه، يعترف لنفسه وحدها، أما أمام الآخرين فإنه يتكلف الشجاعة، ويتظاهر أنه يفتح عينيه، ويرى كل شيء بوضوح.
واقتحم عرين الخوف، وقال لأخيه:
- جئت إلى دارك، فقد أرسلت تطلبني، ماذا تريد؟
عقد الأمين يديه على صدره، وقال:
- أريد مصلحتك.
- أوجز، أرجوك.
- أعلم أنك تعمل دائماً، ووقتك محسوب بالدقيقة، وأنت هكذا تحرق عمرك في فرن الضياع؛ أنسيت يوم جئت من القاهرة -لكان ذلك منذ أربعة أعوام- قلت كلاماً كثيراً، ذاب في الهواء؟!
قطب محمود وجهه، وقال بضيق:
- لا أذكر شيئاً.
أحس أخوه بالقنوط، ولم يسترسل في حديثه معه، عرف أن محموداً توغل في طريق طويل لن يعود منه.
وعرف أيضا أن زوجته لعبت دوراً خبيثاً، وتمكنت من ربط محمود في الطاحونة.
وتأكد أخوه من أفكاره حين قال محمود أخيراً:
- مضطر الآن أن أنصرف.
قبل أن تشعر زوجتي بالقلق؛ إنها تظن أشياء كثيرة إذا تأخرت، ولم أقل لها إني هنا، ومن ناحيتي اطمئن؛ فأنا أعمل لأن الفرص سانحة.
وعاد محمود بدور وهو مخمور بلذة الأيام التي يطويها الزمن، ويحولها إلى سراب اسمه الذكريات.
وعند عودته كل ليلة يلوح لزوجته المطلة من النافذة، المنتظرة ظهور سيارته، لتذهب وتركب، وتبدأ السهرة في شكل زيارة أو دخول أماكن اللهو، لا ينبغي أن تتوقف الطاحونة إلا في وقت متأخر من الليل، وكره محمود أن يكون حيواناً ضعيفاً، يشكو من الدوران، فتصنع الصبر والقوة، وأخذ يجر قدميه حول نقطة ثابتة اختارها کمرکز لوجوده، هذه النقطة هي جوف الطاحونة التي تدور باستمرار.
وتجاوز محمود إسماعيل سن الأربعين، واشتعل شعره باللون الأبيض، ونضح وجهه بعلامات التعب، وخلت ملامحه من ابتسامته القديم، وأحاطت به وجوه أولاده، فكان ينظر إليهم كثيراً؛ كي لا ينسى أنه أب.
ومن الغريب أن قدرته على العمل لم تقل، أو تخضع لقانون العمر؛ ظل يتحرك في الاتجاه الدائري دون أن يصاب بصدمة تقعده حيث لا ينهض.
بيد أنه كان دائم التفكير في نفسه، وفي تلك الطاحونة الرهيبة، ومصـدر التفكير خوفه من صدمة تأتيه في أي وقت، ومن هنا قال لزوجته:
- حان الوقت لأستريح من العمل في الليل.
قالت بصوت خافت، ولكنه مخيف:
- لا نتحمل الحياة بدخل أقل.
-إنه زائد عن الحاجة.
- ولكنه ينفع وقت اللزوم.
- وصحتي، أليست في الحساب؟!
- كما أراها، لا تخف.
- احساسي الداخلي يحذرني:
- يبدو أنك نسيت هؤلاء الأولاد، ونسيت مستقبلهم يا محمود، ونسيت أن معدل الإنفاق يرتفع كلما كبروا، فكيف تترك العمل الإضافي؟
هز رأسه كأنه يدهش من نفسه.
حقاً كيف فكر في الراحة؟
من يدخل الطاحونة.
- لا يخرج منها أبداً.
بالإضافة إلى ذلك أن زوجته واقفة على باب الطاحونة كالحراس يمنعون الحيوان من الهروب، وزحفت على صدره حشرة اليأس، وأكلت من قلبه، فدعك صدره ذات ليلة، ولم يكترث لما حدث، غير أن الحشرة كانت تصعد إلى صدره من وقت لآخر، وتقترب من قلبه، وتأكل وهو يحس بألم، ويغلق فمه، ويمنع ذهنه من التفكير في الاستقالة من الأجر الإضافي، وعكس وجهه كل آلام صدره، وانطفأ شعاع عينيه، وانكسر الحرف على فمه، ووضح أنه لا يحسن الكلام عما يريد، وزار أخاه في مكتبه بالوزارة، وكشف له عن سره، عن خوفه من المرض، وسأله:
- بم تنصح؟
أجاب على الفور:
- أن تقنع بالعمل البسيط.
وتستريح بعد الظهر، وبقية اليوم، وطول الليل.
بعد هذه الزيارة المفاجئة لأخيه قرر محمود الخروج من الطاحونة، ولو هاجم الحراس الواقفين على بابها في هيئة تثير الرعب، إنه الصراع الحتمي مع زوجته، اختار أن يبدأ الصراع بعدم الذهاب إلى العمل بعد الظهر، وكأن اليوم بلا ليل، قبل أن يأتي الليل انتقل محمود إلى المستشفى، رقد في فراش بارد فاقد الوعي، أفاق على صوت الطبيب وهو يقول له:
- أخوك، يريد أن يحدثك، التفت فرآه، ألقاه واقفاً قرب رأسه. سمع الطبيب يهمس إلى أخيه بأن يختصر، قال الأخ وقد حبس دموع عينيه:
- سأكون بجوارك.
تمتم محمود، حرك شفتيه بكلمات غير مسموعة:
- رقدت، ولكن بعد أن خرجت من الطاحونة.
تمت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل