العنوان بمناسبة مرور ٥٤ عامًا على احتلال فلسطين.. نكبة فلسطين.. بانوراما الأحداث
الكاتب علي تني العجمي
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1500
نشر في الصفحة 30
السبت 11-مايو-2002
عُقِدَ أوّلُ مؤتمرٍ صهيونيّ عام ١٨٩٧م وهو مؤتمر «بال» بسويسرا برئاسة مؤسس الصهيونية الحديثة الصحفي تيودور هرتزل وكان أهم قرار اتخذه هذا المؤتمر تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين لتكون هي بزعمهم أرض الميعاد التي يتجمعون فيها، ومنذ ذلك الحين بدأ لعابهم يسيل نحو هذه الأرض المنكوبة وبدأوا يخططون لذلك في خطوات مدروسة مستخدمين في ذلك شتى الوسائل.
وعرضوا على الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد شراء فلسطين كلها مقابل إغراءات عظيمة كان منها المساعدة في:
إنشاء أسطول عثماني بحري وفي المشروعات العمرانية وتسديد ديون الدولة العثمانية ومنح قرض مالي يكفي لتنفيذ المشاريع المقررة ودفع إثارة سنوية تساعد الدولة على إصلاح اقتصادها المنهار، ومع ذلك كله فقد رفض السلطان عبد الحميد هذه الإغراءات الكبيرة التي عرضها هرتزل عن طريق صديقه نيولنسكي وأجاب عن ذلك بجواب حاسم قائلاً لنيولنسكي :«إذا كان هرتزل صديقك بقدر ما أنت تسمح صديقي فانصحه الا يسير أبداً في هذا الأمر، لا أقدر أن أبيع ولو قدماً واحداً من البلاد؛ لأنها ليست لي بل لشعبي، ولقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم وقد غذوها فيما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن الأحد باغتصابها منا، لقد حاريت كتيبتنا في سورية وفي فلسطين وقتل رجالنا الواحد بعد الآخر في بلقنة؛ لأن أحداً منهم لم يرض بالتسليم وفضلوا أن يموتوا في ساحة القتال الإمبراطورية التركية ليست لي وإنما للشعب التركي، لا أستطيع أبداً أن أعطي أحداً أي جزء منها، ليحتفظ اليد بيلا بينهم، فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل، إنما لن تقسم إلا على جثثنا ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان أ .هـ.
وبعد خمس سنوات وفي ١٨ مايو ١٩٠١م نجح هرتزل بعد محاولات عدة في مقابلة، السلطان الذي طرده من القصر لما عرض عليه، رشوة مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية.
واصل هرتزل اتصالاته بالمسؤولين العثمانيين عله يظفر بشيء لكن كل محاولاته باءت بالفشل حتى مات في ٣ يوليو ١٩٠٤م، وتشير الإحصاءات إلى أن عدد اليهود خلال الفترة من عام ١٨٨١م إلى عام ١٩٠٠م بلغ ٢٥ الفاً ثم هاجر إلى فلسطين خلال عامي ١٩٠١م و ١٩١٤م ما مجموعه ثلاثة الاف من أصل ١,٦٠٢,٤٤١ هاجروا من بلدانهم الأصلية، ولم يتمكن من دخول فلسطين إلا ذلك العدد القليل وهكذا وقف السلطان العثماني عبد الحميد الثاني سداً منيعاً في وجه المطامع الصهيونية في ذلك الوقت الذي كانت تحاول فيه أن تجد لها موطئ قدم في فلسطين حتى قامت منظمة سرية تدعى «جمعية الاتحاد والترقي» بالانقلاب على السلطان عام ۱۹۰۸م بعد أن أحيوا النعرة القومية التركية ومما جاء في ذلك أنهم وزعوا نشرة جاء فيها: إن العرب هم بلية علينا وإن حصان التركي خير من ألف نبي ظهر في العالم، وبذلك بدأ سلطان الدولة العثمانية يضعف شيئاً فشيئاً حتى قامت الدولة التركية على أنقاض الخلافة.
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤)، (۱۹۱۸) بدأ التغلغل الصهيوني يعمل عمله له في بريطانيا حيث كان حاييم وايزمان يعمل أستاذاً للكيمياء في جامعة مانشستر، وكان له نشاط سياسي كبير تعرف من خلاله على صناع السياسة البريطانية ومن أبرزهم «أرثر جيمس بلفور» وزير خارجية بريطانيا، ولويد جورج رئيس الوزراء.
وعد بلفور
قدم وايزمان مذكرة بعنوان «خلاصة برنامج الإعادة الاستعمار اليهودي لفلسطين يتفق وأماني الحركة الصهيونية».
وتم عقد أول مؤتمر بريطاني صهيوني عام1917م وتطور الأمر بعد ذلك إلى صدور وعد بلفور في 15محرم ١٣٣٦هـ الموافق الثاني من نوفمبر عام ۱۹۱۷م المتضمن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وأيد الرئيس الأمريكي ويلسون هذا الوعد ثم أيدته الحكومة الفرنسية عام ۱۹۱۸م وتبعتها الحكومة الإيطالية أثار القرار البريطاني حفيظة العرب آنذاك حيث كان كثير من الدول العربية يقع تحت طائلة الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي ويعاني ويلاته والغريب أن اليهود كانوا يشكلون ٢٪ من السكان في فلسطين في ذلك الوقت في حين كان المسلمون يمثلون ٩٠٪ ولا مجال للمقارنة بين النسبتين.
كانت فلسطين لا تزال تحت لواء الخلافة العثمانية عندما استصدر اليهود وعد بلفور، وقد استولت الحملة العسكرية البريطانية بقيادة الجنرال اللنبي على فلسطين وتقرر انتداب بريطانيا عليها في مؤتمر سان ريمو ۱۹۲۰م، وتضمن هذا الانتداب بنوداً من ضمنها إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وتسهيل هجرة اليهود وإقامتهم في وطنهم المغتصب.
وشرعت بريطانيا في تهويد فلسطين إن عينت السير هربرت صموئيل مندوباً سامياً لفلسطين وهو يهودي رشحته الحركة الصهيونية واعتمدت اللغة العبرية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وحملت طوابع البريد وقطع النقود كلمة «أرض إسرائيل» بالعبرية وبدأ الإنجليز يدفعون باتجاه زيادة اعداد اليهود في فلسطين الذين أخذوا يتملكون الأراضي قهراً من أصحابها، كما بدأوا في إقامة قوة عسكرية تكون نواة الجيش يحمي دولتهم، وبإزاء ذلك كله لم يكن العرب ليقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون فلسطين تضيع من بين أيديهم وبدأت المقاومة تشتعل أوارها بين عرب فلسطين الذين أدركوا ما الذي يراد لدولتهم رافضين فكرة إقامة الدولة اليهودية معتبرين وعد بلفور بمثابة إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق وبينما كان تملك اليهود للسلاح مشروعاً كان ذلك جريمة بالنسبة لعرب فلسطين في نظر سلطات الانتداب البريطاني حيث كان السجن لمدة خمسة عشر عاماً أو الإعدام أحياناً عقوبة من يضبط معه مسدس من عرب فلسطين ولم يكن ذلك غريباً على لغة الاستعمار ومنطق المحتلين الذين عادة ما يجردون أهل البلاد من كل سلاح مشروع بغية شل إرادة الشعوب وتفريغها من روح المقاومة، ولم نسمع ولم يحدثنا التاريخ أن مستعمراً تعامل مع سكان الأرض المستعمرة معاملة راقية بل ولا يوجد شعب تجري في عروقه روح النخوة والشهامة يقبل بمنطق المحتل ويتعايش معه تحت أي ظرف بل المعروف تاريخاً وعرفاً وقانوناً وشرعاً قبل كل ذلك أن المقاومة والجهاد هما السبيل للخلاص من كل مستعمر مهما طال الزمان وتقادم العهد وكثر المخذلون.
انتفاضة عام ١٩2٠
انطلقت الانتفاضة الأولى ضد اليهود عام1920م عندما اعتدوا على الفلسطينيين اثناء احتفال ديني شرق القدس يدعى احتفال النبي موسى عليه السلام شارك فيه أهل القدس ونابلس والخليل، وعندما تغلب الفلسطينيون على اليهود تدخلت القوات البريطانية وناصرت اليهود، ثم شهدت مدينة يافا الانتفاضة الثانية عام ١٩٢١م وامتدت إلى اللد والرملة، وسقط خلالها الكثير من الفلسطينيين برصاص الإنجليز، ثم بدأ العمل المنظم للمقاومة على يد الشيخ عز الدين القسام- الذي كان يعمل خطيباً في جامع الاستقلال الكبير في حيفا- ورفع راية الجهاد ضد المحتل عام ١٩٢٥م وانتخب رئيساً لجمعية الشبان المسلمين عام ١٩٢٧م ثم كون خلية من المجاهدين أطلق عليها اسم «الجهادية» وذلك في عام ١٩٣٠م ثم انطلقت شرارة الثورة الشهيرة المعروفة باسم ثورة البراق عام ١٩٢٩م «ضد التنظيمات والعصابات الصهيونية المسلحة» وكان سبب – الثورة أن اليهود كانوا يقيمون شعائرهم عند البراق الذي يسمونه حائط المبكي لأنهم يبكون عليه في ذكرى خراب هيكل سليمان عليه السلام- وفي هذه المرة رفعوا علماً على الحائط واستولوا على المسجد المجاور، ومن ثم أرادوا الاستيلاء على المنطقة واعتدوا على العرب المقيمين فيها فانتفض العرب وامتدت انتفاضتهم لتشمل العديد من المدن الأخرى واستمرت أسبوعاً سقط خلاله أكثر من ٦٠٠ فلسطيني بين شهيد وجريح وانتهت بإجلاء اليهود عن مدينة الخليل، وقامت السلطات البريطانية بإعدام الأبطال الثلاثة فؤاد حجازي من صفد ومحمد جمجوم وعطا الزير من الخليل وكانت وصيتهم قبل إعدامهم إن استمرار النضال أمانة في أعناقكم حتى يتحقق الاستقلال التام، وتم إعدام الثلاثة في سجن عكا، وقبل ذلك وقع مشهد مؤثر فقد كان مقرراً إعدام عطا قبل محمد جمجوم لكن الأخير شق طريقه مخترقاً الحراس كاسراً قيد يديه ليسبق أخاه إلى الشهادة ليوصل رسالة واضحة مفادها أن حرصهم على الموت دفاعاً عن الأرض أشد من حرص اليهود على الحياة الذين وصفهم الله في محكم تنزيله بقولة: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 96).
تياران في العمل الفلسطيني
خلال عقد الثلاثينيات برز تیاران أساسيان في العمل السياسي الفلسطيني: التيار الإسلامي الذي يدعو إلى إضفاء الطابع الإسلامي على القضية مجسداً في المؤتمر الإسلامي العام (۱۹۳۱م) وفي حركة الشيخ عز الدين القسام (١٩٣٥م)، أما التيار الآخر فقد تجسد في المؤتمر العربي في القدس في ديسمبر1931م وفي مؤتمر الشباب العربي الأول في يناير ۱۹۳۲م، وفي ظهور الأحزاب الفلسطينية فيما بعد، وخلال هذه الفترة بدأت تظهر مشكلة بيع الأراضي لليهود بشكل أكثر من ذي قبل، فقد وقع عام ١٩٣٣م سبع وستون صفقة تزيد مساحة كل منها على ۱۰۰ دونم معظمها أراض باعها العرب لليهود وكذلك وقعت اثنتان وستون صفقة بنفس المساحة السابقة عام ١٩٣٤م مما حدا بالمجلس الإسلامي الأعلى إلى شن حملة دعائية في المساجد والصحف العربية ضد بيع الأراضي لليهود، وفي الرابع عشر من فبراير ١٩٣٦م انعقد مؤتمر علماء فلسطين الثاني برئاسة الحاج أمين الحسيني في روضة المعارف في القدس وتمخض عنه عدة قرارات أهمها مضاعفة الجهود لمقاومة المحتلين وتأييد إخوانهم السوريين في جهادهم المشروع ضد المحتل الفرنسي آنذاك.
وعم إضراب جميع مناطق فلسطين في 22/4/1936م، وتشكلت في 25/4/1936م، القيادة السياسية الموحدة للعمل الوطني التي عرفت باسم: «اللجنة العربية العليا» برئاسة الحاج أمين الحسيني وحددت ثلاثة مطالب لإيقاف الإضراب:
1- إيقاف ومنع الهجرة اليهودية منعاً باتاً.
٢- منع انتقال الأراضي العربية لليهود.
٣- إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نیابی.
كان التجاوب الشعبي مع الإضراب عظيماً وامتنع المواطنون عن دفع الضرائب اعتباراً من ١٥/٥/١٩٣٦م وظل كذلك طيلة مدة الإضراب.
وقدْ وقعت معارك كثيرة خلال مدة الإضراب (٤/٢٠ – ١٩٣٦/١٠/١١م) انهلت سلطات الاحتلال وأفقدتهم صوابهم مثل: معركة عصيرة الشمالية ومعركة وادي عرعرة ومعركة بلعا ونابلس وبيت أمرين، وبلغ مجموع العمليات التي نفذها المجاهدون خلال الثورة عام ١٩٣٦م حوالي ٤٠٠٠ عملية، وقد حاولت الحكومة البريطانية وقف الإضراب بكل السبل وقامت بإيفاد لجنة ملكية للتحقيق في أسبابه في١٨/٥/١٩٣٦م ولكن العرب لم يهتموا بها فبادرت بريطانيا بوعودها للحكام العرب لطمأنتهم فـــأصدروا نداءً اذيع في ٨ و 9/10/1936م إلى أهل فلسطين يناشدونهم وقف الإضراب أملاً في حسن نوايا بريطانيا، واستجابت اللجنة العربية العليا لهذا النداء وأصدرت بياناً في ١١/١٠/١٩٣٦م طلبت فيه من الشعب العربي الفلسطيني إنهاء الإضراب والعمليات الجهادية ابتداء من ١٢/١٠/١٩٣٦م وانتهى بذلك أطول إضراب شهده التاريخ يقوم به شعب بأسره.
قرار التقسيم الظالم
وقد رفض عرب فلسطين مقابلة اللجنة الملكية التي جاءت إلى فلسطين في 11/١١/1936م، المعرفة مطالب العرب واليهود وبعد ضغوط عربية شديدة على اللجنة العربية العليا وافقت على الاتصال باللجنة الملكية يوم ١٦/۱/١٩٣٧م والتي قدمت تقريرها للحكومة البريطانية في٢٢/٦/١٩٣٧م مشتملاً على توصية بتقسيم فلسطين الدولتين: عربية ويهودية مع بقاء الأماكن المقدسة مع ممر إلى يافا تحت الانتداب خطاً شديداً بين البريطاني مما أثار الفلسطينيين عبروا عنه باستئناف الثورة من جديد في خريف عام ١٩٣٧م حتى نهاية ۱۹۳۹م، وبلغ التفاعل الشعبي معها مداه فلم يكن يمر أسبوع حتى تقوم معركة جديدة بين المجاهدين والسلطات البريطانية واستطاع المجاهدون تحرير عدة مدن رئيسة لفترات محدودة مثل القدس القديمة والخليل وطبرية وبئر السبع وخان يونس حتى وصل نفوذهم في نابلس إلى درجة أنهم كانوا يسيرون بحرية تامة في وضح النهار وبأسلحتهم الكاملة، وانشات بريطانيا سوراً بين فلسطين وكل من لبنان وسورية طوله ٨٠ كم يعرف باسم «سد تیجارت» ومع ذلك فقد انهار أمام جرأة المجاهدين ويسالتهم رغم أن ميزان القوى كان يميل لصالح البريطانيين بنسبة ساحقة (١.٢٠).
وخلال الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩)، (١٩٤٥م) ظهر نفوذ القوة الأمريكية وركز اليهود جهودهم على الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة: الجمهوري والديمقراطي، وظهر التبدل الأمريكي نحو دعم اليهود عام ١٩٤٢م وتأييد الأهداف الصهيونية وأظهر الرئيس الأمريكي ترومان تأییدًا كبيراً لليهود وطلب في ١٣/٨/١٩٤٥م من رئيس الوزراء البريطاني أن: يدخل ١٠٠ ألف يهودي إلى فلسطين.
وقد بلغت الأمور ذروتها حين صدر قرار التقسيم من الأمم المتحدة في ٢٩/١١/١٩٤٧ م الذي ينص على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود وحاز أغلبية الثلثين بدعم أمريكي مطلق كما أيده الروس بمماس شديد وعند ذلك قامت المظاهرات الصاخبة تندد بهذا القرار الظالم الذي اضاع حقوق العرب في فلسطين، ونظم الإخوان المسلمون مظاهرة كبرى في مصر في١٥/١٢/١٩٤٧م خلب فيها رياض الصلح والأمير فيصل بن عبد العزيز وجميل مردم بك وحسن البنا المرشد العام للإخوان الذي أكد أن الإخوان تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع في سبيل فلسطين، وكان للإخوان المصريين والسوريين والعراقيين والأردنيين دور جهادي بارز في فلسطين مما حدا بموشى ديان عندما سئل بعد الحرب بقليل عن السبب الذي من أجله تجنب اليهود محاربة المتطوعين في بيت لحم والخليل والقدس أن يقول إن الفدائيين -يقصد المتطوعين- يحاربون بعقيدة أقوى من عقيدتنا .. إنهم يريدون أن يستشهدوا ونحن نريد أن نبني أمة، وقد جربنا قتالهم فكبدونا خسائر فادحة، ولذا فنحن نحاول قدر الإمكان أن نتجنب الاشتباك بهم.
حرب غير نظامية
دخل المتطوعون العرب إلى فلسطين في أكتوبر ١٩٤٧م قبل دخول الجيوش النظامية ولعبوا دوراً مشهوداً وخصوصاً متطوعي الإخوان فقد خاضوا معركة التبة ٨٦ التي يذكر العسكريون أنها حفظت قطاع غزة عربياً، ومعركة كفار ديروم واحتلوا مستعمرة ياد مردخاي ودمروا برج مستعمرة تل بيوت قرب بيت لحم ودافعوا عن «تبة اليمن» وسميت تبة الإخوان بين المسلمين نظراً لبسالتهم والمعرفة المزيد من أخبار هذه المعارك وتفاصيلها يرجع إلى ما كتبه الأستاذ كامل الشريف في كتابه «الإخوان أن المسلمون في حرب فلسطين» ولضراوتهم في المعارك استطاعوا فك الحصار عن الجيش المصري النظامي في الفالوجا الذي كان من ضمن أفراده جمال عبد الناصر الذي أصبح تم رئيساً لمصر فيما بعد فأذاق الإخوان المسلمين – الويلات في السجون والمعتقلات.
جيش الإنقاذ.. لم ينقذ
بدأ العرب بتكوين جيش الإنقاذ ودخلت إلى فلسطين سبعة جيوش عربية ولكن مع الأسف لم تكن هذه الجيوش بمستوى الطموحات والآمال التي علقت عليها ولم تكن مستعدة الاستعداد الكافي، وكانت بعض أسلحتها فاسدة لا تصلح العمل عسكري، وقد استفاد اليهود من ذلك لأنهم لم يكونوا قد كونوا جيشاً قوياً بعد وكانوا أشبه بالعصابات المسلحة وشارك منهم من شارك مع الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية لاكتساب الخبرة والمهارة، وكم كان مخزياً أن لا يستنجد عرب فلسطين ببعض هذه الجيوش فتكون الإجابة الشهيرة: «ماكو أوامر»، وهذا الأمر يعكس مدى عدم جدية بعض هذه الجيوش واستعداد من أرسلوها لإخراج اليهود من فلسطين لأن بريطانيا مازالت حتى ذلك الوقت تتحكم في صناعة القرار في ا الدول التي كانت تحتلها ذلك وضع ورغم هذا كله فقد حققت بعض هذه القوات تقدماً طفيفاً في ميزان القوة العسكرية على الأرض مما حدا باليهود إلى طلب الهدنة فبدأت الهدنة الأولى في عام ١٩٤٨م بعد ولا أن طلب المندوب الأمريكي في مجلس الأمن بإيعاز من اليهود وقف القتال لمدة شهر فوافق العرب شريطة وقف تسليح اليهود وتوقف شحنات الأسلحة إليهم، ثم تجدد القتال مرة أخرى وعاد مجلس الأمن لإيقاف القتال بعد عشرة أيّام، وكانت الهدنة الثانية؛ حيث كسب اليهود من الأرض ثلاثة أضعاف ما حققوه في الجولة السابقة ساعدهم على ذلك الانقسام السياسي بين الدول العربية وضعف تسليح الجيوش من جهة وعدم اعتماد خطة موحدة واستراتيجية واضحة من جهة أخرى، وقام الكيان اليهودي الغاصب في الخامس عشر من مايو ١٩٤٨م وكانت الولايات المتحدة أول من اعترف به بعد ساعات من قيامه تلتها روسيا ثم بقية الدول دائمة العضوية وبدأت النكبة الحقيقية للشعب الفلسطيني ويقي في يد العرب منطقتان الضفة الغربية وقد ضمت للأردن بعد انتهاء الحرب وقطاع غزة الذي بقي تحت الإدارة المصرية.
التحول لضرب الحركة الإسلامية
شرد ثلاثة أرباع مليون فلسطيني إلى البلاد العربية المجاورة، ورافق هذه الأحداث بداية التضييق على الحركة الإسلامية التي كانت المحرك الرئيس في الأحداث ضد اليهود وخصوصا بعد دورها البطولي الواضح في الحرب، وأصدرت حكومة محمود النقراشي قراراً عسكرياً بحل جمعية الإخوان المسلمين في الثامن من ديسمبر عام ١٩٤٨ م ثم اغتيل حسن البنّا في 1949/2/12م.
ومما يؤسف له حقاً –ويفرح اليهود جِدًّا– أن يؤخذ المتطوعون الذين أذاقوا اليهود الويلات واستردوا المستعمرات التي عجزت الجيوش النظامية عن استرجاعها وغير ذلك من البطولات أن يؤخذ هؤلاء من ساحات القتال إلى المعتقلات ولعل القارئ يتعجب أكثر حين يعرف أن الجيش المصري اضطر للاستعانة بكتيبة إخوانية ووكل إليها أمر استعادة الهضبة التي تعرف باسم التبة (٨٦) وهي ذات موقع عسكري حساس فانتدبت الكتيبة نفسها بقيادة محمود عبده واستطاعت استعادة التبة بعد فشل القوات، النظامية مرتين في احتلالها.
وكانوا مثار إعجاب وتكثر اللواء فؤاد صادق باشا قائد الحملة المصرية في فلسطين في حرب ٤٨.
والأدهى من ذلك أنه بعد حرب فلسطين ١٩٤٨م وإعلان قيام الكيان الغاصب وفشل العرب في طرد اليهود وبدلاً من إعداد العدة لخوض معركة فاصلة تعيد ما فقد من الكرامة العربية وتطرد اليهود فقد اتجهت الجهود إلى تصفية الحركة الإسلامية ووجهت لها الضربات القاتلة وبدأت حرب الإبادة في أواخر عام ١٩٥٤م حين أعدم سنة من قادة الحركة وسيق الباقون في أصفادهم إلى السجون والمعتقلات واستغل اليهود الفرصة وبدأوا يبنون كيانهم وقاموا بالعدوان الثلاثي على مصر مع بريطانيا وفرنسا عام ١٩٥٦م، وبدلاً من أن تكون هذه الضربة درساً للطغاة فإنهم تمادوا في فيهم حتى جاء عام ١٩٦٥م وتحديداً في شهر أغسطس حين أعلن الطاغية عبد الناصر من موسكو عن اكتشاف مؤامرة لقلب نظام الحكم فأعلنها حرياً جديدة على كل ما هو إسلامي.
هزيمة ١٩٦٧
وبدأت حملة جديدة من الاعتقالات شملت كل من أفرج عنه سابقاً في اعتقالات عام ١٩٥٤م ومرة أخرى حوكم بعض قيادات الحركة وأعدم سيد قطب وإخوانه وقضى الكثيرون نحبهم تحت ساعات التعذيب.
حتى كان انتقام الخالق من ذلك النظام فقام الكيان الصهيوني بعدوان جديد على مصر وسورية والأردن فيما عرف بحرب الست في صباح ٥/٦/م١٩٦٧ واحتل بقية فلسطين وزاد عليها الجولان وسيناء في حرب مازال العرب يتجرعون ألم مراراتها، وما كانت لتتم لو كان هناك استعداد حقيقي لها.
وأصبحت التركة ثقيلة، وفي الوقت الذي اتجه فيه اليهود إلى بناء كيانهم وإعداد جيشهم بأحدث الأسلحة أخذ الانقسام العربي يزيد ويتعمق ومازالت فلسطين تئن وتترنح وتذبح كل يوم على يد جزار جديد، ولعل الأخير من هؤلاء الجزارين وليس آخرهم السفاح شارون وليس بخاف على أحد ما يحدث الآن من مجازر بشعة في أرض الإسراء يؤججها الإرهابي شارون ويغنيها الصمت العربي والأكذوبة المسماة معاهدات السلام أو سلام الشجعان كما يحلو للبعض أن يسميه.. فأي سلام بقي بعد هذا كله؟
هذه لمحة سريعة وموجزة عن قضية العرب والمسلمين منذ قيام أول مؤتمر صهيوني وحتى قيام الكيان الصهيوني وما تبعه من أحداث موجعة شلت العقل العربي وأضعفت إرادته، وليس ذلك مدعاة لليأس ولكن من أجل أن نعرف عدونا جيداً ومراحل صراعنا معه، ولعل ذلك يكون خطوة على طريق النصر الموعود الذي أخبرنا عنه النبي ﷺ بقوله: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ حتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ مِن وراءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ، فيَقولُ الحَجَرُ أوِ الشَّجَرُ: يا مُسْلِمُ يا عَبْدَ اللهِ هذا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعالَ فاقْتُلْهُ، إلَّا الغَرْقَدَ، فإنَّه مِن شَجَرِ اليَهُودِ».(رواه مسلم: عن أبي هريرة)