العنوان خطر العلمانيين على حاضر الأمة ومستقبلها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر
مشاهدات 65
نشر في الصفحة 9
أفرز الواقع السياسي المرير للأمة المسلمة واقعًا ثقافيًّا وفكريًّا لا يقل مرارة عنه، وظهر نفر من أبناء المسلمين ينعتون أنفسهم باسم العلمانيين نسبة إلى المذهب العلماني الذي ظهر في أوروبا قبل مائتي عام لمواجهة تسلط الكنيسة وسيطرتها على الدولة، وكان هدف العلمانية الأساسي هو إخضاع الدين في أوروبا للمجتمع والدولة، ومن هذا المنطلق ظهر تيار علماني في الغرب يحارب الدين ويواجه الكنيسة، وبالتالي فإن العلمانية كما يبدو من نشـأتها وانطلاقتها وأهدافها مرتبطة ارتباطًا تامًّا بالمجتمع الغربي وديانته، وبعيدة كل البعد عن المجتمع الإسلامي والإسلام، لكن الأمة الإسلامية حينما انتكست رايتها، وضعفت قوتها، وخضعت للاحتلال الغربي في نهايات القرن الماضي، وظلت حتى عدة عقود خلت محتلة بشكل مباشر، ثم أخذ الاحتلال صورًا أخرى منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو سياسي، كانت عوامل الاحتلال والغزو الفكري والثقافي هي إحدى العلامات البارزة التي استطاع الغرب وأعداء الإسلام بشكل عام أن يرسخوا أقدامهم في عقول أبناء الأمة من خلالها، وتم تغذية الفكر العلماني الغربي وتأصيله في العالم العربي والإسلامي عبر رافدين:
الأول: يتعلق بالأنظمة والحكومات العلمانية التي سلمها الاحتلال الغربي مقاليد السلطة ونظم الحكم في كثير من البلاد التي خرج منها.
والثاني: عبر البعثات التعليمية والمنح الدراسية في الجامعات العربية التي فتحت أبوابها لأبناء المسلمين.
وقد أفرز هذان الرافدان تيارًا قويًّا سعى لنقل وتطبيق مفهوم العلمانية الغربية إلى الدول العربية والإسلامية، حتى يدفع الشعوب المسلمة لمعاداة الإسلام والإسلاميين بنفس الدرجة التي تم بها معاداة الكنيسة في الغرب وإسقاط الدين في حياة الناس هناك.
ومع عدم قدرة هؤلاء العلمانيين في بداية الأمر على مواجهة الناس بأفكارهم بشكل مباشر، فقد تحركوا تحت ستار القومية والاشتراكية والبعثية، وشعارات ودعاوى أخرى لا تهدف في النهاية إلا إلى تحقيق أهداف العلمانية الغربية ومفاهيمها، وقد هُيئ لهؤلاء من خلال حالة الضعف العام التي تعيشها الأمة أن ينفذوا إلى كثير من مواقع التأثير وصناعة القرار والتوجيه والتثقيف والإعلام، والتدريس في الجامعات والكتابة في الصحف، وقد جعل هؤلاء محاربة الإسلام سلعتهم، ومهاجمة الإسلاميين مهنتهم، وتشويه تاريخ الأمة وجهادها وإعلامها بضاعتهم، وتذكرهم لتاريخ أمتهم وأمجادها ديدنهم، ويستند هؤلاء إلى قوى أجنبية حاقدة خفية تدعمهم وتدفعهم بإمكاناتها وسلطانها لينهجوا هذا النهج، ويسلكوا هذا السبيل، وحينما سقطت القومية والاشتراكية والبعثية، وكافة الدعاوى الأخرى التي تستروا خلفها، ظهروا الآن على حقيقتهم وأخذوا يجاهرون بعلمانيتهم، ويفخرون بعدائهم للأمة ودينها، في الوقت الذي يعلنون فيه أنهم ينتمون إلى جلدتها ويتحدثون بلسانها، وبينما نجد أن أساطين العلمانية ومفكريها في الغرب قد أعلنوا عن إفلاس المشروع العلماني، وأن العلمانية في طريقها إلى الزوال، وأكد على هذا عشرات من المفكرين الغربيين على رأسهم البروفيسور جون فول، ولويس كانتوري، وجون كين، وريتشارد ويبستر، ونيلو فرغولة، وتوماس ماستناك، وروجر هاردي، وعشرات غيرهم ممن نشرت المجتمع أفكارهم في حوارات مباشرة خلال السنوات الثلاث الماضية، كما نشرت أفكارهم في عشرات المؤتمرات والندوات والكتب التي تنشر في الغرب، بينما نجد هذه الصورة لدى العلمانيين الغربيين الذين أسس أسلافهم المذهب العلماني، نجد أن العلمانيين العرب بدؤوا ينشرون أفكارهم في تحدٍّ ظاهر، وحملة مسعورة، وقد تسرب قسم كبير منهم إلى الجامعات ومؤسسات الثقافة والتعليم، كما أصبحت لهم واجهات رسمية تتمثل في المنتديات ومراكز الدراسات والأبحاث التي أعلنوا عنها في بعض العواصم العربية، وربطوها بشكل مباشر بمراكز الأبحاث والدراسات والمنتديات الغربية التي تروج للأفكار الصهيونية أو الأهداف الاستخباراتية الغربية، ومن خلال هذه المنتديات أصبحوا يعقدون المؤتمرات ويقيمون الندوات ويصدرون الكتب والنشرات التي تروج لأفكارهم وتطعن بشكل مباشر في هوية الأمة ودينها وأبنائها المخلصين.
وحتى يظلوا على علاقة وثيقة بالجهات الغربية التي تدعمهم فإننا نجدهم قد أصبحوا جزءًا من الحملة الإعلامية الغربية المسعورة على الإسلام والمسلمين؛ من خلال إبرازهم في وسائل الإعلام والمنتديات والمؤتمرات الغربية التي تعادي الإسلام والمسلمين، وتقوم بتقديم الدعم للعلمانيين حتى يواصلوا حربهم على أمتهم من داخلها.
إن قراءة بسيطة لأصول المد العلماني وجذوره في المنطقة العربية وما ينشرونه من أفكار معادية عبر وسائل الإعلام، تؤكد على أن العلمانيين العرب ليسوا سوى امتداد للاحتلال الغربي، وإذا كانوا يتحركون من قبل تحت شعارات أخرى، فقد ساعدهم النفوذ الغربي الآن والهيمنة الصهيونية، وأجهزة الاستخبارات التي أصبحوا عملاء لها أن يتحركوا وبقوة تحت عنوانهم الحقيقي، فأصبح لهم نفوذهم في كل مواقع التأثير والقرار في الأمة، وبالتالي فإن النفوذ العلماني يمثل مرحلة خطيرة في واقع هذه الأمة ومستقبلها، لأنه نفوذ مرتبط بشكل مباشر بالمد الصهيوني والمد الغربي المعادي للأمة المسلمة ودينها.
إن الخطر الذي يمثله العلمانيون على الأمة الآن ليس قاصرًا فقط على تشويههم لصورة الإسلام والمسلمين، فهذا أمر سرعان ما يرتد عليهم إذا وجد المسلمون أي متنفس ولو بسيط للرد على مزاعم العلمانيين وافتراءاتهم على الإسلام، ولكن الخطر الأكبر الذي يشكله هؤلاء هو الخطر الذي يشكلونه على بعض الأنظمة العربية والإسلامية التي تدعمهم وتقوي شوكتهم دون أن تدرك أهدافهم الحقيقية، لأن هؤلاء العلمانيين ليسوا سوى أداة في أيدي أعداء الأمة من الصهاينة وغيرهم، ومن ثم فإنهم يخدمون أهداف الصهيونية العالمية ومطامعها من خلال قيامهم بتدمير الأمة من داخلها، وبالتالي فإن أول ما ينبغي أن تقوم به الحكومات العربية هو مواجهة هؤلاء العلمانيين، وإن مواجهة هؤلاء تقتضي جهودًا كبيرة يجب أن يتكاتف لها كل مسلم غيور وصاحب دين في هذه الأمة، سواء كان حاكمًا أو محكومًا، حيث يجب في البداية حصر هؤلاء العلمانيين وتصنيفهم ومناظرة الجهلاء منهم، وردهم إلى حقيقة دينهم، أما المصرون على علمانيتهم فيجب على الحكومات العربية والإسلامية أن تعزلهم عن كل مواطن التأثير وصناعة القرار والتوجيه والإعلام والصحافة، والتدريس بالجامعات على وجه الخصوص لأن العلمانيين قد نجحوا في الحقبة الأخيرة في التسلل إلى الجامعات ودور العلم في منطقة الخليج والكويت بشكل خاص واستغلال مواقفهم لبث سمومهم في الناس، كما يجب أن تتاح الفرصة لمفكري الأمة وعلمائها للرد على هؤلاء الدخلاء، وذلك عبر الصحف ووسائل الإعلام التي كاد العلمانيون أن يقصروها على أنفسهم ويمنعوا كل صاحب دين من أن يبرز رأيه فيها.
كما يجب على علماء الأمة ومفكريها أن يقارعوا العلمانيين الحجة بأقوى منها، والبرهان بأسطع منه، وأن يخاطبوهم بنفس اللغة التي يتحدثون بها إلى الناس حتى يكشفهم الله أمام الجميع ويهزمهم ويهزم من يوالونهم، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).