; بيعة العقبة وحركة الدعوة (الحلقة ٤) | مجلة المجتمع

العنوان بيعة العقبة وحركة الدعوة (الحلقة ٤)

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1977

مشاهدات 74

نشر في العدد 341

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 15-مارس-1977

بعد أن اجتمع القوم المسلمون من الأنصار في العقبة، وتكلم العباس، واستوثق منهم، وبين لهم المهمة التي سيحملونها في نصرة رسول الله ودينه، بعد ذلك كله طلب الأنصار من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يتكلم فقالوا: قد سمعنا ما قلت- للعباس-. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فتكلم رسول الله، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، «قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».

قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر.

فاعترض القول- والبراء يكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا- وإنا قاطعوها «يعني اليهود» فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. ثم قال: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.

وفي هذا الحديث أمور أخرى، تظهر وضوح المهمة، التي يأتي إليها الأنصار، في أذهانهم، وصدق النية في عملهم، وثمرة الإيمان التي اقتطفوها خلال عام من عمر الدعوة في أرض المدينة.

ها هم يطلبون من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يتكلم فيأخذ لنفسه ولربه ما يحب.

إنهم يعرفون أن الأمر هنا أمر دعوة وعقيدة، أمر وحدانية تقابل الشرك، أمر إسلام يقابل الجاهلية، وللأمر خطورته، إذ ما يزال جند الحق قليلًا وما يزال رسول الله مطاردًا من قومه؛ وما يزال الحق مستنكرًا بين الناس، ولهذا فهم حين يحملون الحق وينصرون شرع الله سيتحملون التبعات الجسام، وعليهم أن يعرفوا ذلك.

وكذلك يعرفون أن أمر الدعوة هنا منوط برسول الله أولًا؛ البشير النذير، الذي حمل أمر ربه فبلغه، وذاق شرور الناس من أجله، لذلك فعليه أن يشترط لنفسه التي تحمل الحق ما يشترط من أجل الدعوة لا من أجل السلامة الشخصية، له أن يشترط لنفسه وهو قائد الدعوة ما يحقق مسيرة الدعوة، ويضمن حرية العمل لشرع الله.

وله أن يشترط لربه الواحد الأحد، ما يقوم به الإیمان، ويستقيم عليه الطريق ويثمر العمل.

والأنصار المؤمنون يدركون خطورة الأمر، وضروراته، وأعباءه وهم مستعدون لحمل التبعات وتحمل المسئوليات.

خذ لنفسك ولربك ما أحببت.

ورسول الله؛ القائد؛ الرسول، يخط لنا الطريق، ويوضح لنا المعالم بسلوكه وعمله وقوله.

لقد بيّن أن أمر الدعوة، وأمر الحياة هو أمر العقيدة، أمر هذا الكتاب المنزّل الذي يحمل عقيدة التوحيد، وشريعة الله دستورًا للعالمين لذلك تلا عليهم القرآن ليسمعوا كلام الله عز وجل، ويدركوا حقيقة الأمر الذي يدعوهم إليه.

ليس الأمر حلفًا سياسيًا أو عسكريًا. وليس منفعة مادية أو دنيوية. إنه أمر العقيدة، أمر الكون كله، والله عز وجل خالق العباد، ورب الناس وإله الكون ومالك الكون كله، له الأمر وبيده المصير – وإليه يتوجه العاقل، وله الطاعة وحده. 

أمر العقيدة التي لا فرار منها، لأن الفرار موت وعذاب، وهلاك وخزي وخسران.

أمر العقيدة وفي أمر العقيدة يخسر من يقف ليختار أو یوازن بينها وبين أي أمر آخر. 

لقد دعا رسول الله الأنصار إلى الله وحده والدعوة إلى الله وحده، تعني كل شيء بالنسبة للإسلام والمسلمين، تعني الوحدانية المطلقة، والعبودية الكاملة، والالتزام الصحيح، والعمل الجاد الصالح، والإخلاص الواضح، والإيمان الكامل.

الدعوة إلى الله يقين وإيمان، وعمل وطاعة دین وشرع والتزام وحياة كاملة يصوغ المسلم حياته على منوالها.

ثم رغب في الإسلام، دين الحياة وقال: «أبايعكم أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».

ومع بساطة هذا الشرط فإنه يعني أن أمر الدعوة يوازي الحياة كلها، فالمرء يضحي بروحه حفاظًا على عرضه وبنيه، ويبذل الغالي والرخيص دفاعًا عن الولد والأهل، وعقيدته التي يعاهد الله عليها، ويبايع رسول الله من أجلها ينبغي أن توازي الحياة كلها، وينبغي أن تكون أغلى من الحياة ذاتها.

وكان رد الأنصار، على لسان البراء بن معرور، رد المؤمنين الصادقين، الذين يدركون ما يعملون، ويصدقون في ما يقولون ويستعدون لحمل الأمر استعداد الرجال المخلصين.

ولكي يطمئن الأنصار إلى المستقبل. يعترض أبو الهيثم بن التيهان ليتعرف إلى نتائج هذه البيعة، فيسأل رسول الله عن مصير أمرهم مع حلفائهم من اليهود، ولم يكن مبعث هذا الاستفسار إلا إدراكًا عميقًا لمعنى البيعة على أنها انسلاخ كامل من الجاهلية وقطع لحبال الكفر مهما كانت صلة القربى والنسب والمصلحة.

«إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها» لأنه لا يستقيم إيمان ولا تثمر دعوة رجالها يوالون الجاهلية، أو يصلونها بالود والحب والقربى، إن العلاقة مع الجاهلية علاقة دعوة قائمة على حقيقة الإيمان، فلا تعامل مع الجاهلية إلا من خلال الإيمان، وتحقيقًا لمصلحه الإسلام ولا ود لها ولا قربى، إنها جاهلية بعيدة عن الإسلام، والحرب- إن أراد المسلم أم لم يرد- قائمة بين الإسلام والجاهلية إلى يوم الدين؛ والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والدعوة الخالصة لله، لا تعطي ولاء أبنائها لأصحاب الباطل، وأرباب الزيف والجاهلية.

«إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها» ما دمنا مبايعين موحدين وفي اللحظة التي نعطي البيعة لله ولرسوله، يصبح ما بيننا وبين هؤلاء بعدًا وتقاطعًا وليس مرد الأمر لرغبة ذاتية، أو مصلحة دنيوية، وإنما لأن الدعوة إيمان وعبودية مطلقة لله، وولاء كامل لدين الله وشرعه، وإخلاص كامل في تطبيق هذه الشريعة دون زيف أو نفاق أو تردد، وهذا يناقض ولاءات الأرض وشرائع الأرض، لأن في ولاءات الأرض عبودية لغير الله، وفي الإقرار بشريعة البشر إنكار لشرع الله وخروج عن طاعته.

وأدرك المؤمن الصادق، الأنصاري المسلم الموحد ذلك، فأراد أن يستفسر عن ذلك وكان رد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه واضحًا. 

«فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم.. الدم، والهدم الهدم، أنا منكم» وليس الأمر أمر مرحلة، ولا أمر ضائقة يلتمس فيها رسول الله مخرجًا، الأمر أمر دعوة، وموطن الدعوة حيث يكون الحملة المخلصون الصادقون، ومجتمع الدعوة حيث تنبت في القلوب، وتزهر في النفوس وتزكو في الأعمال، لا ترتبط بأرض المولد، ولا بلد النشأة ولا دار الطفولة والذكريات، مكة الحرام أحب بلاد الله إلى الله، ومع هذا يودعها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حينما أبى أهلها إلا العناد والكفر.

القربى والنسب قربى العقيدة، والمجتمع الذي ينتسب إليه المسلم ويدافع عنه ويحرص عليه ويعطيه الحب والعمل هو مجتمع الإسلام أينما كان، لا وطنية ولا قومية ولا مصلحة بجانب الإسلام، الإسلام هو الوطن والأهل، والدعوة هي المجتمع والبيئة والمعتقد.

رسول الله أمام عمه الذي يستوثق له يقول ذلك، يعلن أن وطنه دار الإسلام، وأن مجتمعه مجتمع الإسلام، وأن عهده عهد الله، ليس عهد مصلحة أو ظرف. «ذمتي أيها القوم هي ذمتكم وحرمتي حرمتكم» وكان العهد، وكان الميثاق، وكانت البيعة.

الرابط المختصر :