العنوان حكومات عربية تعرقل محاكمة شارون!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1470
نشر في الصفحة 42
السبت 29-سبتمبر-2001
حبيقة المدلل وقانون العفو عن جرائم الحرب في لبنان.. عقبتان أمام دعوى شارون
القذافي يكلف قياديًّا من حزب الكتائب الذي شارك في مجزرة صابرا وشاتيلا برافع دعوى مماثلة ضد شارون.. ما الهدف؟!
هل يخسر العرب فرصة محاكمة مجرم الحرب شارون وإدانته في محكمة أوروبية، أم أن الأمر أصلًا مجرد خيالات وأحلام؟ هل تنكشف العنصرية الأوروبية في إطار القانون والقضاء كما تكشفت في مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية؟
بل إن السؤال الأكثر حساسية: هل يريد بعض العرب فعلًا أن تحاكم بلجيكا شارون؟ وماذا تفعل حكومات عربية من أجل إدانته؟
أسئلة قد تبدو مستغربة لكنها حقيقية بعد الملابسات والتطورات التي رافقت الدعوى التي رفعها بعض العرب ببلجيكا ضد شارون باسم الرابطة العربية الأوروبية، في 18 يونيو المنصرم وحققت في مرحلة أولى إنجازًا كبيرًا بقبول القاضي البلجيكي النظر في الدعوى، بمعنى أن القضية هي من اختصاص المحاكم البلجيكية حسب القانون الصادر عام ۱۹۹۳م والمعدل عام ۱۹۹۹م بحيث أصبحت الصلاحية مطلقة من أي قيد سواء لجهة المدعي أو المدعى عليه أو مكان الجرم أو زمانه.
محاولات مقاضاة مجرمي الحرب الصهاينة «وكلهم مجرمون»، تتالت في السنوات الأخيرة في بعض العواصم العربية لا سيما في بيروت إثر مجزرة قانا في أبريل عام ١٩٩٦م، وتعززت الفكرة مع انسحاب الاحتلال من جنوب لبنان عام ۲۰۰۰م، إذ تطالب الحكومة اللبنانية بتعويضات عن الخسائر الهائلة التي لحقت بها طيلة ٣٢ عامًا من الاحتلال المتواصل، وهناك دعوى يتم تحضيرها لرفعها أمام محكمة العدل الدولية رغم أن اختصاص المحكمة المذكورة ليس إلزاميًّا ويفترض موافقة الطرفين، كما تحرك بعض المحامين اللبنانيين ورفعوا دعاوى ضد تل أبيب وشارون تحديدًا بسبب مسؤوليته عن مجازر صبرا وشاتيلا، وهناك دعوى أخرى يرفعها موكلو الأسرى المحررين في معتقل الخيام وقد خسروا زهرة العمر داخل الزنازين وسط المعاملة غير الإنسانية والتعذيب المستمر وانتقلت عدوى القضايا المرفوعة ضد شارون إلى النقابات والاتحاد البرلماني العربي وأخيرًا طالب مؤتمر وزراء الخارجية العرب بمحاكمة مجرمي الحرب، في تداعيات مسترسلة وغير منسقة، علمًا بأنه لا أحد يتوقع فعلًا أن تؤدي المحاكمات لو انعقدت إلى شيء يذكر سوى بعض الأحكام المعنوية.
احتمالات الفوز
لكن رئيس الرابطة العربية الأوروبية دياب أبو جهجه يؤكد لـ المجتمع أن احتمالات الفوز بالدعوى كبيرة وإلا لما خاضت الرابطة هذه المغامرة، وهي منذ عام ۱۹۹۳م تحاول رفع الدعوى، وقد اتصلت لهذه الغاية بمحامين كبار في بلجيكا، وكان الشرط أن ترفع الدعوى في بلدان أوروبية عدة حتى لا يتركز الضغط اليهودي على المحامين البلجيكيين أو على الحكومة البلجيكية، وبما أن شارون تسلم رئاسة الوزراء العام الماضي في خطوة مفاجئة فقد بات لزامًا التسريع بإجراءات الدعوى بالنظر لعوامل أخرى أيضًا منها اشتراط قيود معينة في بريطانيا وإسبانيا وهولندا مثل أن يحمل المدعي جنسية البلد أو أن يكون المدعى عليه غير موجود في موقع سياسي مؤثر كما هو حال شارون. ثم إن التعديل الذي طرأ على القانون البلجيكي الخاص بجرائم الحرب عام ۱۹۹۹م قد منح القضاة الصلاحية المطلقة.
من جهة أخرى، يقر أبو جهجه أن القانون البلجيكي له ملابسات سياسية، فبلجيكا كانت تستعمر رواندا التي قامت فيها المجزرة الرهيبة ضد قبيلة التونسي، ووجدت نفسها مسؤولة أخلاقيًّا عما جرى، فكان أن صدر القانون لأجل مجرمي رواندا، لا لأجل مجرمي الحرب الصهاينة بدليل الإحراج الكبير الذي شعرت به الحكومة البلجيكية عند رفع الدعوى ومحاولات تعديل القانون لاستثناء رؤوس الدول من الملاحقة.
الفخ اللبناني
لكن الرابطة -التي استطاعت استيعاب دعوى مماثلة في بلجيكا رفعها قبل ذلك مواطنون مغاربة بشكل غير متقن، وكادت تؤدي إلى إحباط الآمال برفع الدعوى المكتملة- وقعت على ما يبدو في الفخ اللبناني، مما دفع أركان الرابطة إلى القيام بحملة إعلامية في بيروت للتعريف بدور الرابطة وبتفاصيل الدعوى والحشد الدعم الشعبي وراءها. فما الخطأ الرئيس الذي ارتكبته الرابطة؟
يقول دياب أبو جهجه إن الرابطة العربية الأوروبية وكلت المحامي اللبناني شبلي الملاط لمتابعة الملف إلى جانب محامين بلجيكيين، والملاط قانوني لامع وله مؤلفات عدة وعلاقات دولية واسعة، لكن الشكوك ساورت الرابطة في أن الملاط يريد استبعاد الوزير السابق إيلي حبيقة من مسؤولية ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا، وهذا لو حدث فإنه يضر الدعوى ضررًا بالغًا؛ إذ إن وكلاء تل أبيب في بلجيكا «وليسوا وكلاء شارون» يركزون في دفوعهم على أن القضية سياسية من البداية إلى النهاية، والدليل أن المجرمين اللبنانيين المتورطين مباشرة في المجزرة لا يذكرهم الادعاء فإذا ما صدقت شكوك الرابطة حول هذا الأمر، وحاول الملاط إبعاد حبيقة عن الصورة تحت الضغوط الرسمية اللبنانية والسورية، فإن حظوظ الدعوى تتراجع إلى حد كبير، وتجدر الإشارة إلى أن إمكانية تعديل القانون لمصلحة شارون ترتكز على تشويش طبيعة الدعوى.
وفي الإطار السابق ذكره، أكدت مصادر خاصة لـ المجتمع أن المحامي الملاط الذي بات الوكيل الرسمي ل۲۸ ناجيًا من المجزرة رفض لقاء وفد الرابطة في بيروت مما استدعى التفكير جديًّا بتوسيع حلقة المحامين اللبنانيين لتضييق هامش الحركة أمام الملاط.
وكان المتهم اللبناني الرئيس إلياس حبيقة قد حاول المناورة عبر ادعاء براءته من المجزرة مهددًا بكشف رواية مغايرة عن رواية لجنة كاهان الصهيونية التي توصلت عام ۱۹۸۲م إلى تحميله شخصيًّا أوزار ما حدث إضافة إلى المسؤولية غير المباشرة لشارون، معربًا فيها عن استعداده للمثول أمام القاضي البلجيكي كشاهد. ومنذ ذلك الحين، أي منذ أن ظهرت جدية الدعوى لم يصدر شيء على هذا الصعيد، رغم تأكيد بعض الناجين المدعين أن حبيقة قد شارك مباشرة في أعمال الاعتقال للرجال في مخيمي شاتيلا وصبرا وهؤلاء لم يعودوا إطلاقًا.
الدعوى الليبية.. ما وراءها؟
وكي تكتمل فصول المفاجأة، كلفت منظمة القذافي الخيرية نائب رئيس الكتائب كريم بقرادوني برفع دعوى مماثلة في بلجيكا ضد شارون، وهذه الخطوة مستغربة جدًا لأنه ما الفائدة من رفع دعوى شبيهة؟ وكيف يدافع بقرادوني عن ضحايا المجزرة وهو الذي كان قياديًّا في «القوات اللبنانية» التي كان يرأسها بشير الجميل بدعم صهيوني أمريكي لا لبس فيهما؟
إن كريم بقرادوني الذي يحتل منصب نائب رئيس الكتائب يضع نفسه مؤقتًا في الخط العروبي السوري لكسب معركته في الوصول إلى رئاسة الحزب «الماروني» رغم أنه أرمني وذلك بدعم واضح من السلطة وذلك لمنع الرئيس السابق أمين الجميل «ابن مؤسس الحزب» من وضع يده مجددًا على الحزب وهو الذي يعارض حاليًا سياسات رئيس الجمهورية إميل لحود. وفي سياق تجميع أوراق القوة عقد حلفًا مع إلياس حبيقة الكتائبي السابق، وعلمت المجتمع في هذا السياق أن جهود بقرادوني تتركز صراحة على تبرئة «القوات اللبنانية» المسيحية من المجزرة، وتوجيه الأنظار إلى عملاء للصهاينة كانوا ينضوون آنذاك في جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، وغالبيته من المسلمين الشيعة!
فما هدف النظام الليبي من تكليف بقرادوني إذًا؟ هل هو الخوف من انسحاب العدالة البلجيكية إلى رؤساء عرب حاليين بذريعة التوازن، كالقذافي أو صدام حسين؟ هل الهدف هو إجهاض القضية من خلال الصبغة السياسية الفاقعة «وهذا ما يتخوف منه أبو جهجه أيضًا»؟
قانون العفو
ويؤكد بقرادوني أن قانون العفو الذي صدر في لبنان عقب انتهاء الحرب الأهلية عام ١٩٩٠م بخصوص الجرائم يستفيد منه ليس فقط حبيقة ولكن شارون أيضًا، باعتبار أن المجزرة وقعت على الأرض اللبنانية وعليه من غير الممكن محاكمة شارون في لبنان، كما أن القانون المذكور قد يشكل عائقًا أمام الدعوى في بلجيكا كما أكد المحامي شبلي الملاط لــ المجتمع وبخاصة أن قضاء بلجيكا قرر تعليق التحقيق إلى أن تبت الهيئة الاتهامية في صلاحية قاضي التحقيق وذلك ردًا على الدفع الإسرائيلي بأن التحقيق قد تم على يد لجنة کاهان فلا حاجة لتكراره فإذا ما قرر القاضي البلجيكي أن المكان الصالح للدعوى هو لبنان مثلًا نظرًا لوجود دعاوى أمام القضاء اللبناني فسيصطدم بقانون العفو، لكن الملاط يستدرك ويقول إن الرد سيكون آنذاك أن القضاء اللبناني غير فعال في هذه الحالة لاعتبارات سياسية ولأن التحقيق اللبناني الرسمي لملابسات المجزرة عام ۱۹۸۲م لم يكن جديًّا، فالصهاينة كانوا يحتلون نصف لبنان، والأهم من ذلك أن «القوات اللبنانية» وإيلي حبيقة مسؤول الأمن فيها كانت رقمًا قويًّا جدًا في المعادلة الداخلية، وبخاصة بعد خروج القوات الفلسطينية والسورية من بيروت وتفكك القوى اليسارية، ولم يكن معقولًا أن يحمل التحقيق اللبناني المسؤولية مباشرة للمجرمين اللبنانيين بل شدد على مسؤولية شارون. بل تقول مصادر مطلعة إن النص الأصلي للتحقيق اللبناني قد فقد أو هكذا يراد له حتى لا يتعرض حبيقة المدلل لأي أذى، حتى إن المحاضرة التي ألقاها الملاط في الجامعة الأمريكية ببيروت بحضور بعض الناجين من المجزرة بعنوان «الحقيقة والعدالة» والتي تحدث فيها عن ملابسات الدعوى، شهدت سؤالًا واستفهامًا غريبين لم يجدا الجواب الشافي. السؤال هو هل يخاف الملاط على حياته لأن حبيقة متهم أساسي في المجزرة حتى ولو لم يذكر صراحة في نص الدعوى؟ والاستفهام هو هل صحيح أن الناجية الفلسطينية سعاد سرور مرعي منعت من العودة إلى لبنان لأنها ذكرت إلياس حبيقة في بلجيكا؟
مزالق الدعوى
إن عدم التوازن في الدعوى وصبغتها السياسية هما أهم المآخذ الصهيونية على الدعوى في بروكسل، لذلك يؤكد الملاط أن المحكمة ستستدعي حبيقة حتمًا، وأنه يجب تحصين الدعوى من أي صبغة سياسية ومن أي علاقة بالروابط التي تشكلت في بروكسل وبيروت والقدس ونيويورك ومدريد وسواها، «التي هي من أهل السياسة ولهم»، وكأنه يرد بشكل غير مباشر على السؤال الذي لم يجب عنه لــ«المجتمع» حول صحة ما يقال عن وجود خلاف بينه وبين الرابطة العربية الأوروبية!
والمشكلة الرئيسية أن إلياس حبيقة عنصر أساسي في الاستراتيجية السورية في لبنان ومن غير الممكن أن تتركه يواجه مصيره، رغم أن مسؤولين أمنيين يبدون كرههم للرجل وعدم ثقتهم به!
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل