العنوان رمضان.. والتحرير الاقتصادي.
الكاتب نبيل حامد المعاذ
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995
مشاهدات 70
نشر في العدد 1137
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 07-فبراير-1995
لاشك أن التقوى من أعظم غايات الصيام وثمراته، ولكن الله الكريم جعل الصيام له وهو الذي يجزى به. وهو ـ سبحانه ـ واسع العطاء عظيم الإحسان - فمن الذي يقصر ثمرات الصيام على التقوى فقط، بل من الذي يحجر الواسع فيضيق آثار التقوى؛ ليحصرها في أثر روحي يشع في نفس العبد، فلا يعدوها أو يتجاوزها حتى إلى مواقع قدميها؟!
ألم يقل ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰۤ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَـٰت مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ (الأعراف :٩٦)، أفلا يدل ذلك على امتداد آثار التقوى؟!، يقول المرحوم سيد قطب في تفسير هذه الآية: «إن العقيدة الإيمانية في الله وتقواه ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة، وعن خط تاريخ الإنسان، إن الإيمان بالله وتقواه ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض وعدًا من الله، ومن أوفى بعهده من الله؟ ونحن - المؤمنين بالله - نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن فنصدقه ابتداء، لا نسأل عن علله وأسبابه، ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله، نحن نؤمن بالله - بالغيب - ونصدق بوعده بمقتضى هذا الإيمان» (۱).
ولو تأملنا في هذا الشهر الكريم، وما يكون فيه من صيام وقيام ومعايشة لكتاب الله – تلاوة، واستماعًا، وإنفاقًا وغير ذلك من وجوه الخير التي تفرض أو تستحب في هذا الشهر لرأينا أن لها أثرًا عظيمًا في واقعنا المادي، وسوف أذكر - بعون الله وتوفيقه - بعض الآثار الاقتصادية من خلال هذه النقاط المحددة التي إن تحققت فينا فلعلها تكون - بفضل الله - خطوة على طريق التحرير.
ضبط الشهوات:
إن الشهوات، وخصوصًا شهوتي البطن والفرج - من أوسع الأبواب المؤدية إلى ويلات الدنيا والآخرة، فيأتي رمضان لا ليكبت؛ ولكن ليضبط ويرشد - في الحلال - فإذا ما فقهت النفس هذه التربية الربانية، واستقامت عليها في غير رمضان، فكبحت جماح شهواتها واستعلت عليها - في الحدود المشروعة - فسنرى خلقًا آخر، ترى المسلم الذي يدرك أن غايته ليست الطعام والشراب والمتع الفانية، سنرى المسلم الذي يصبر على مرارة الجوع والعطش، ولا يصبر على الذلِّ الذي يفرض عليه إن هو مدَّ يده لرغيف الخبز المسموم بالضغوط وطلبات الخضوع والتنازل.
سنرى المسلم الذي يفضل أن يدخل – طائعًا راضيًا - «شعب أبی طالب» شهرًا وسنة وعشر سنوات، ولا تضمه مع أحفاد القردة والخنازير سوق مشتركة أو مائدة واحدة.
سنرى المسلمة التي تقول - كما قالت أول مرة - لزوجها ـ وهو خارج يسعى على رزقهم: «اتق الله فينا ولا تطعمنا حرامًا؛ فإنا نصبر على جوع الدنيا ولا نصبر على نار الآخرة».
وسنرى المسلمة التي علمها رمضان كيف ترشد استهلاكها، وتحافظ على مالها وتستجيب لقول ربها: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ (الأعراف:31)، وقول النبي ﷺ لما دخل على عائشة، فرأى كسرة ملقاة فمسحها وقال: «يا عائشة، أحسنى جوار نعم الله؛ فإنها قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم» (۲).
ولن نرى المسلم الذي يستدين ليشتري الكماليات والرفاهيات، بل سنرى المسلم الذي يلجم نفسه ولا يترك لها العنان لتتناول كل ما يراود هواها، ويكون كمالك بن دينار - رحمه الله. الذي كان يطوف أسواق البصرة، فينظر إلى أشياء يشتهيها، فيرجع ويقول لنفسه: أتشترى؟ فوالله ما حرمتُك ما رأيت إلا لكرامتك على. (۳).
سنرى المسلم الذي تربى على التقوى يصبر على قلة موارده وكثرة عياله، ولا يمدُّ يده لسرقة أو رشوة.
الإنفاق:
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
وقد فسر بعض العلماء زيادة النبي ﷺ منبره في رمضان بأنَّها اقتداء بالله - عز وجل حيث يزيد في عطائه لعباده في هذا الشهر أكثر من غيره من الشهور.
فإذا فهم المسلم ذلك، وقرن بين الصيام والإنفاق فإن ذلك سيكون باب خير في رمضان وغيره لملايين المسلمين الذين يحتاجون إلى ما يسدّون به جوعتهم أو يسترون عريهم، أو ينقذهم من عطف «الصليب» الماكر الخداع.
ولننظر إلى رقة شعور ابن عباس – رضي الله عنهما. ودقة فهمه لروح الإسلام إذ يترك الاعتكاف - وهو عبادة رفيعة الدرجة، وفي مسجد رسول الله ﷺ حيث يضاعف الأجر ألف مرة فوق المساجد الأخرى - ليشفع لمسلم أثقله الدين، فقد روى عنه أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله فأتاه رجل، فسلم عليه ثم جلس، فقال له ابن عباس: يا فلان، أراك مكتئبًا حزينًا، قال: نعم يا بن عم رسول الله، لفلان على حق ولاء ما أقدر عليه، قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟ قال: إن أحببت، قال: فانتعل ابن عباس، ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟ قال: لا، ولكنى سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب - ودمعت عيناه . يقول: «من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالي جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين»، وفي رواية: «كل خندق أبعد مما بين الخافقين» (٤).
وليست هذه المسألة - أعنى الشعور بفقراء المسلمين - هينة في نظر الإسلام، فالله ـ سبحانه ـ قد قرن بين الكفر وتبلد الإحساس عن الفقراء، وجعلهما من أسباب دخول النار: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا یَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِینِ﴾ (الحاقة :30ـ34).
ولا يحقرنَّ مسلم من المعروف شيئًا، فالأمر كما قال ﷺ: «سبق درهم مائة ألف درهم»، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما فتصدق به» (٥).
اللجوء إلى الله:
وفي ختام آيات الصيام يسوق لنا مولانا الكريم هذا الترغيب الجميل:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡیَسۡتَجِیبُوا۟ لِی وَلۡیُؤۡمِنُوا۟ بِی لَعَلَّهُمۡ یَرۡشُدُونَ﴾ (البقرة :186).
ولعلَّ في ورود هذا المعنى الكريم بعد آيات الصيام إشارة إلى استحباب الدعاء مع الصيام، وقد جاء ذلك صريحًا في الحديث الشريف (٦).
وإشارة أخرى إلى أنَّ الصيام يسمو بالمسلم في مدارج العبودية؛ حتى يجعله أهلًا لقبول الدعاء ـ والله أعلم.
وكذلك فإن هذه الآية الكريمة صريحة في توجيهنا إلى طلب الحوائج من المليك المقتدر - سبحانه وتعالى، فبابه أقربُ الأبواب، ورحمته وسعت كل شيء، وغيره لا يملك لنا شيئًا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا یَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقا فَٱبۡتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُوا۟ لَهُۥۤ إِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴾ (العنكبوت : 17).
وأمتنا - في مشاكلها الاقتصادية - ليست - بدعًا من الأمم، ومن رحمة الله بنا أنه ساق لنا - في كتابه الكريم نماذج بشرية أصابها ما - أصابنا، وذكر لنا كيفية المواجهة، فقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمَم مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَـٰهُم بِٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ لَعَلَّهُمۡ یَتَضَرَّعُون فَلَوۡلَاۤ إِذۡ جَاۤءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ (الأنعام :42ـ43)، ومعنى «بالبأساء»: بالمصائب في الأموال و«الضراء» في الأبدان هذا قول الأكثر» (٧).
ويعلق المرحوم سيد قطب على الآيتين فيقول: «لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم وينقبوا في ضمائرهم، وفي واقعهم لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ويتذللون له، وينزلون له عن عنادهم واستكبارهم ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة، فيرفع الله عنهم البلاء، ويفتح لهم أبواب الرحمة، ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريّا أن يفعلوه، لم يلجؤوا إلى الله، ولم يرجعوا عن عنادهم، ولم ترد إليهم الشدة وعيهم، ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلن قلوبهم، وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد » (۸).
وأخيرًا أحب أن أنبِّه إلى أن رمضان الذي يترك فينا هذه الآثار الطيبة وغيرها، ليس هو رمضان الذي يستقبله الناس بتخزين الطعام والشراب والابتداع فيهما، وليس هو بالشهر الذي يقضي أمام التلفاز، أو في السهر الفارغ، ولكنَّه رمضان الذي قضاه رسول الله ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
ونسال الله الكريم أن يفقهنا في ديننا، وأن يجعل من الصيام وغيره من العبادات زادًا لدنيانا وآخرتنا. إنه أكرم مسؤول وأعظم مأمول .
الهوامش:
1ـ في ظلال القرآن 3/۱۳۲۸.
2 ـانظر: إصلاح المال لابن أبي الدنيا ص ۳۰۷.
3 ـ نفس المرجع.
4 ـ انظر: خلق المسلم للشيخ الغزالي ١٦٦ وعزاه للبيهقي، وراجع «حياة الصحابة» للكاندهلوي 2/422.
5ـ رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة (مشكلة الفقر) للقرضاوي ص۱۲۱.
6- «ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل والمظلوم»، الترمذي بسند حسن. «فقه السنة1/525»
7ـ الجامع لأحكام القرآن «تفسير القرطبي»٤/424.
8- في ظلال القرآن 2/۱۰۸۹.